ثنائية الحق والباطل

الحق..

 إن رحلة الحياة، هي إبحار للبحث عن الحق، في بحر من الأكاذيب.. وفي عالم مملوء بأمواج التضليل، وعواصف الشك، وأهوال الخوف، وتحت سماء ملبدة بغيوم التزييف التي تعمي البصر، تكون الرحلة صعبة، ومملوءة بالمخاطر، ويصبح الوصول إلى الهدف المنشود، الذي هو الحق، أمرًا حتميًا. فنحن موجدون في رحلة هذه الحياة شئنا أم أبينا.

 وإن لم نبحر نحو الحق، غرقت سفينة حياتنا في بحر الظلمات، وأصبحنا أمواتًا من جهة الحقيقية، ولعشنا مخدوعين ضالين، راقدين في قاع بحر الأكاذيب بلا قوة، تحركنا تيارات مياه الخداع كما تشاء، وتدخل المياه إلى أنفسنا، فتملأ أفكارنا ومشاعرنا بتضليلها، لتزيد من قوة سطوة الموت فينا، فتمر حياتنا ضائعة وراء أوهام كاذبة، وينهب الزمن عمرنا يومًا تلو الآخر، فتمتلئ قلوبنا حسرة ومرارة مع كل يوم يمر ونحن ممتلئون من الأكاذيب والأباطيل. فكم من إنسان انتهت حياته وهو غارق في أكاذيب حب المال والتنعم، أو السلطة والتعظم، أو في تبعية ديانة مزيفة، أو ديانة حقيقية ولكن تدينه هو كان مزيفًا، أو في قضية قومية أو أخلاقية أو عنصرية، أو… أو… أو….

 وعلى الرغم من اختلافات كل تلك التيارات المخادعة، يجمع كل من امتلأت أنفسهم منها، أنهم لطالما كانوا يحلمون أن تمتلئ قلوبهم من الفرح والسلام والقيمة والشبع، وانتهى كل هذا السعي في النهاية إلى أنهم لم يدركوا إلا السراب، ولم يجدوا أيًا مما حلموا به موجودًا في تلك الأكاذيب، وانتهت حياتهم وهم غارقون نادمون، ولم تمتلئ قلبوهم بأي مما حلموا به، بل امتلأت حزنًا وألمًا، نحيبًا وخوفًا.

كم مِن إنسان حين يقف بأمانة لينظر ويقيّم ما مضى من حياته، يجد أنه باطل، وأن محصلة حياته هي صفر كبير مخجل، ويشهد ذلك على ضلال طريقه.

 وكلما زاد هبوط مَنْ غرق في بحر الأكاذيب إلى القاع، زاد شره وفساده وزاد دخول مياه الخداع إلى نفسه واستقرارها داخله، حتى تجده  قادرًا على تزييف الحقائق بصورة لا يصدقها عقل، يلوي الكلمات ويقتطع من المواقف ما يناسب هواه الغارق في الأباطيل، ويتعامى عن ما لا يناسبه بمنتهى البراعة والمهارة.

 وإن أوهم الغارق نفسه بغير ذلك، سيجد صوتًا في قلبه يناديه: ”لك اسم أنك حي، وأنت ميت“، وسيعلو ذلك الصوت إن سمعت له وأبديت تجاوبًا، لينهضك من موتك ويعطيك حياة جديدة، ويُخرجك من قبرك المظلم في قلب بحر الأكاذيب.

 وسيظل السؤال الهام لكل نفس حية..

هل يستجيب الإنسان لصوت الحق الذي يحاول أن ينتشله من مأساته؟
أم يواصل خداع نفسه، والاستسلام لسلطة البحر المظلم؟
 

كلما حاولت الإبحار في نهر الحياة،
كلما اتضحت مفاجآت كان وقعها عليَّ أشد من أقوى الزلازل، وأعلى صوتًا من البراكين المدوية.
ولا عجب، فهذا هو تأثير الحق دائمًا
فهو ليس مثل الكذب، الذي يجعلك مطمئنًا باسمًا وأنت تحتضن قنبلة موقوتة
كلا.. بل يجعلك الحق تفيق مضطربًا وفزعًا، لتكتشف أنك تحمل قنبلة موقوتة، كنت تظنها جوهرة ثمينة.
في حين يريحك الكذب بسلام زائف، حتى تنفجر قنبلته في أحضانك، في وقت لا تعلمه، حيث لا رجعة، ولا فائدة للندم.
يقلب الحق كيانك، لكي تلقيها بكل قوتك بعيدًا، قبل أن يتأخر الوقت وتنفجر في وجهك.
في حين يطمئنك الكذب ويعميك، في طريق نهايته حفرة مظلمة، كي لا تراها وتسقط فيها، وتحصد مماتك.
يقرع عليك الحق ليفتح عينك وترى أمامك، لكي يفدي الحق من الحفرة حياتك.
يزعجك الحق قليلاً، ليعطيك سلامًا أبديًا. في حين يريحك الباطل قليلاً، ليعطيك عذابًا لا ينتهي. 

ويأتي السؤال الهام الثاني:

لماذا يهرب الإنسان وينفر بهذه القوة من الحق، ويحتضن الباطل ويقبله ويرتاح معه؟

تجد حولك الآلاف من الكتب والمقالات بكل اللغات التي تبحث عن الحق، سواء كان الحق المطلق، أو الحق في قضية معينة. والمشترك بين جميعها، أنه كلما كان البحث يقترب من الحقيقة، كلما رفضه الأغلبية، بل وكلما ارتجفوا منه، بل وكلما حاربوه واتهموه بأبشع التهم لكي يسكت.

للأسف، أعتقد أنه شيء قوي في أعماق الإنسان، وهو حب الإنسان للاستقرار، وخوفه من المجهول الذي يحمله التغيير. ولأن الحق لا يحمل إلا التغيير لما اعتدنا عليه وألفناه، لذا فهو مرعب ومرفوض.

بينما الكذب والباطل يتناغم مع حب الإنسان للاستقرار، ورغبته في أن يري أن وضعه وطريقه ومنهجه في الحياة سليم وصحيح.

 لذا حين يحاول صوت الحق أن يقلب حياتك رأسًا على عقب، وينتزع السلام المزيف الكاذب من أحضاننا انتزاعًا، تجد نفسك تصارع بكل القوة، وتفعل كل ما في وسعك، لتسترد قنبلتك الحبيبة، وتعود لتحتضنها باسمًا.

دائمًا مؤلم أنت أيها الحق، فيا ليتنا ندرك الراحة التي تخفيها لنا خلف وجهك الصارم المحب
وكالأفعى ناعم أنت أيها الكذب، فيا ليتنا نرى الموت المختبئ خلف وجهك المريح الخادع

قال سليمان الحكيم عندما عرف الحق وحكمته:

لأَنَّ فِي كَثْرَةِ الْحِكْمَةِ كَثْرَةُ الْغَمِّ وَالَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا“ (جا 1 : 18)

وقال السيد المسيح عن الحق: 

وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ“ (يو 8 : 32)

 ولأننا دائما نحكم بالمظهر، ونعشق ما على هوانا، فكم ننخدع بمظهر الكذب المزيف، ونرفض الحق الذي لا يتجمل، فلنتذكر يا كلمة الحق كيف بجلك الكاتب فرج فودة في مستهل كتابة ”الحقيقة الغائبة“حين قال:

 ”هذا حديث سوف ينكره الكثيرون، لأنهم يودون أن يسمعوا ما يحبون، فالنفس تأنس لما تهواه، وتعشق ما استقرت عليه، ويصعب عليها أن تستوعب غيره، حتى لو تبينت أنه الحق، أو توسمت أنه الحقيقة، وأسوأ ما يحدث لقارئ هذا الحديث، أن يبدأه ونفسه مسبقة بالعداء، أو متوقعة للتجني، وأسوأ منه موقف الرفض مع سبق الإصرار للتفكير واستعمال العقل.“

 وفقد حياته ثمنا لقول كلمة الحق، حين ارتعب الباطل منه، وعجز عن الرد وارتجف أمام كلمة الحق
فظهر سلاحه الشيطاني.. السيف.
ولوهلة، توهم الباطل أنه انتصر وأسكته، ولم يعلم قوة عمل الدم المسفوك لأجل الحق.
لم يعلم الباطل قوة الدم المسفوك من أجل حب الحق، وحب أن يعرف الجميع الحق.
كما سكب الباطل دم يسوع المسيح، وظن انه أسكته، فإذ به يقوم ليسحقه، ويخرج الحق للكون كله.
ويصير هو طريق الحق، كل من يعرفه يعرف الحق ويتحرر. ويتبع خطاه كل محبي الحق، ليخرج نور كلمة الحق التي قالوها، وإن صاروا أمواتا بالجسد، لكنهم أحياء بالروح، فدمائهم تتكلم كما قال الكتاب المقدس (الرسالة إلى العبرانيين 11: 4).

 والسؤال الأخير، هل نعي ذلك الصراع في أعماقنا وحولنا، هل لاحظنا أن جوهر صراعات العالم كله، هو صراع بين الحق والباطل، الخير والشر، هل ننتبه ونحارب في المكان السليم، ونترك الحق يغيرنا ويقلبنا، أم نرعى القنبلة الموقوتة ونفرح حين تستقر في أحضاننا؟

 أثبتت ثورة تكنولوجيا المعلومات، أن البحث عن الحق، ليست مشكلته الأساسية في قلة المراجع وصعوبة الوصول للمعلومات كما كنا نظن، بل بات واضحًا أن المشكلة الكبرى هي في اتجاه قلب الإنسان وهل هو فعلا مستعد أن تقلب الحقيقة كيانه، وتغير حياته، أم لا!

Romany Joseph
16th January 2006
Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in تميز الأمور المتخالفة and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

8 Responses to ثنائية الحق والباطل

  1. Pingback: مهاربنا من الحق خلال الحوار | Romanyjoseph's Blog

  2. Pingback: حتميتة إستعلان الفساد قبل قيامة الكنيسة | Romanyjoseph's Blog

  3. Pingback: حتمية مجئ شاول قبل داود | Romanyjoseph's Blog

  4. Pingback: بين الروحنة والروحانية | 2 | تطبيق | Romanyjoseph's Blog

  5. Pingback: عبادة الأشخاص وتأليه الأفراد | Romanyjoseph's Blog

  6. Pingback: كلنا محمد مرسي | Romanyjoseph's Blog

  7. نعم فالمشكلة الحقيقية ليست في الوصول إلي الحق لكن في الاستعداد لدفع تكلفة السير وراء الحق والتمسك بالحق والحياة بحسب الحق وهو ثمن قد يكون باهظاً و قد يصل إلي دفع الحياة نفسها ثمناً للحق كما فعل يوحنا المعمدان ولذلك قال الرب يسوع المسيح:
    “من وجد حياته يضيعها.ومن اضاع حياته من اجلي يجدها.”(مت39:10)..الرب يباركك..اكثر واكثر اخانا المحبوب روماني ويستخدمك دائما لمجد اسمه واعلان حقه امين.

    • RomanyJoseph says:

      ربنا يباركك يا دكتور حينين
      ويعطينا من غنا المسيح أن نحمل عاره ونشترك في الالامه
      شكرا لك يا دكتور حنين

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s