الأدب الساخر – Sarcastic Literature

الأدب الساخر, هو إسلوب أدبي للتعبير عن مشكلة في الغالب ما تكون كبيرة ومؤلمة, ولكن بإسلوب كوميدي لاذع, يهدف إلي إيصال الحقيقة بطريقة بسيطة, وعميقة في نفس الوقت.

الأدب الساخر لا يتشفي من موضوع أو من شخص لأجل إهانته, لكنه يسخر من التعامل الفاسد مع المشاكل, ويكون التناقض بين الكوميديا في الإسلوب, والمشكلة المؤلمة, هو مصدر توصيل الرسالة والحقيقة.

يُضخم الإسلوب الساخر المشكلة لكي يلفت النظر لها بخفة, ويدفع الإنسان دفعاً للتفكير نحو الامور بطريقة مختلفة عن البديهيات والقوالب التي تأسره وتسجنه, ويستغل الكوميديا لكي يصل لهدف سامي, وهو لفت نظر الإنسان للحقيقة المؤلمة, التي قد يراها كل يوم حوله, أو في نفسه, ولا ينتب لها.

أخيراَ,ما أسهل أن تنتقد غيرك, بموضوعية أو غير موضوعية, بإحترام أو غير إحترام, إنتقاد الأخر أمر سهل دائما, ما أسهل أن تلقي بالمشكلة في ملعب الأخر, وتتعامي عن مشكلتك أنت.

أما إنتقاد الإنسان لنفسه, ولمجموعته التي ينتمي لها (كنيستك أو طائفتك), لهو من أصعب الأمور, أنها الأمانة القلبية التي تخرج الخشبة التي في عيني, قبل أن تخرج القذي الذي في عين الأخر.

إن أعظم رجال صنعوا فرقاَ واختلافاً في مجتمعهم, هم من قاموا بإنتقاد اخطاء قومهم وإنتمائهم, بدلًا من السير مع عامة القطيع, الذي يعشق القاء المشكلة في حضن الأخرين.

النقد لا يتعارض مع المحبة اطلاقا, بل علي العكس, أعتقد أن النقد دليل علي القلب المتألم لأجل وضع من يحب, والرجاء أن يستجيب لكلمات التنبيه والنقد.
كمسيحي, وأورثوذكسي, لن أنتقد الطوائف أو الاديان الأخري, الأولي أولاً أن أنتقد الممارسات الخاطئة لارثوذكسيتي لأني انتمي اليها وأحبها, ليس حب أعمي أو متعصب, بل حب أناره المسيح, وأعلم ضعفاتنا جيداً وعانيت منها وإختبرتها بنفسي وفعلتها. وأتمني أن الفت نظر إخوتي لها, بدلا من أن نجرح الضعفاء والأبرياء بضعفاتنا ونحن غير منتبهين.

 أتمني ألا ينظر لي إخوتي كعدو, ولا يهربوا من كلامي, فسخريتي المريرة هي سلاحي لكي ننتبه سوياً لحالنا, وتغربنا عن المسيح, لكي نرفض الخطأ ونقبل صوت الهنا وحلوله في حياتنا.

والعجيب، أننا نجد الإسلوب الساخر موجود في الكتاب المقدس بوضوح في عدة مواضع, بطريقة مباشرة وغير مباشرة، فقد سخر إليا من أنبياء البعل وقال:

 وَعِنْدَ الظُّهْرِ سَخِرَ بِهِمْ إِيلِيَّا وَقَالَ: [ادْعُوا بِصَوْتٍ عَالٍ لأَنَّهُ إِلَهٌ! لَعَلَّهُ مُسْتَغْرِقٌ أَوْ فِي خَلْوَةٍ أَوْ فِي سَفَرٍ، أَوْ لَعَلَّهُ نَائِمٌ فَيَتَنَبَّهَ!] (1مل  18 :  27)

كما سخر الرب نفسه بحزن ومرارة من الجوع الاتي علي شعبه ووصفه بنظافة الاسنان:

«وَأَنَا أَيْضاً أَعْطَيْتُكُمْ نَظَافَةَ الأَسْنَانِ فِي جَمِيعِ مُدُنِكُمْ وَعَوَزَ الْخُبْزِ فِي جَمِيعِ أَمَاكِنِكُمْ فَلَمْ تَرْجِعُوا إِلَيَّ يَقُولُ الرَّبُّ. (عا  4 :  6)

وحين تكلم السيد المسيح عن الولادة الجديدة فرد عليه نقوديموس بسخرية قائلاً:

 فقالَ لَهُ نِيقُودِيمُوسُ: «كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟ أَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً وَيُولَدَ؟» (يو 3: 4)

نجد أن السيد المسيح  رد علي سخريتة بسخرية مماثلة لا تخفي عن أعين الفاهمين وقال:

 أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنْتَ مُعَلِّمُ إِسْرَائِيلَ وَلَسْتَ تَعْلَمُ هَذَا! (يو 3: 10)

وعلي الرغم من ان الرب يسوع كان رقيقًا وحنونًا مع أكثر الخطاه، حتي أنه نادي السامرية بلقب “امرأة” ( وتعني “سيدتي” في أصلها العبري والمسيح استخدمها مع العذراء مريم)، وأعطي الموعظة علي الجبل لخطاه وطوبهم، إلا أننا نجد كلامه نحو المتكبرين وأصحاب السلوك المرائي مملؤ سخرية، شديد الصرامة وما اقسي الألفاظ التي استخدمها معهم فمرة يشببهم بأولاد الأفاعي والحيات (مت  23 :  33)، ومرة يسخر من زيفهم ويصفهم بالقبور المبيضة من الخارج وفي الداخل موت وعظام ونجاسة(مت  23 :  27)، ومرة يسخر من سلوكهم في انهم يصفون البعوضة ويبلعون الجمل(مت  23 :  24)، وهي كلها تشبيهات ساخرة لاذعة لكي يفيقوا ويفيق تابعيهم من ازدواجيتهم.

بقي أن أقول أن أول مرة بدأت اشعر أن حياتي تسير في إتجاه خاطي كانت في مسرحية ساخرة في أسرتي الجامعية باسقفية الشباب، كانت المسرحية تسخر من ظلمة وجهل تصرفاتنا اليومية التي نراها عادية بكوميديا خفيفة مهدفة، وتظهر كم الحماقات التي نرتكبها والشرور الموجودة فينا، ضحكت كثير، ووصل الهدف، وبدأت أقيم حياتي وإتجاهاتها حين رأيتها امامي في مسرحية ساخرة، بينما لو كان احد إنتقد إسلوبي مباشرة وبجدية، لرفضت نفس الكلام بشدة.

وستبقي دائما المسيحية ليس بها قواعد حرفية مائتة نختبئ خلفها من الحياة بالروح, فكل كلمة وعمل في المسيحية يستمد قيمته من هدفه ونقاء توجه فاعله أو قائله، وبدون الروح سنعثر في المسيح وأولادة وكلماته، لكن بالتروي وطلب الله والتعقل، وعدم الحكم المسبق، نستطيع أن ننفتح علي الروح ويروينا الروح بالنور والحق.


Romany Joseph 
25th July 2010
 
Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in أدب ساخر and tagged . Bookmark the permalink.

6 Responses to الأدب الساخر – Sarcastic Literature

  1. Pingback: كواليس لقاء الأنبا بيشوي والرئيس مرسي | Romanyjoseph's Blog

  2. Pingback: بين الروحنة والروحانية | 2 | تطبيق | Romanyjoseph's Blog

  3. Pingback: نشرة أخبار الكنيسة الأولي من وحي واقعنا القبطي المعاصر – القصاص من بولس القاتل | Romanyjoseph's Blog

  4. Pingback: نشرة اخبار الكنيسة الأولي من وحي واقعنا – السياسة والمتكأ الأول | Romanyjoseph's Blog

  5. Pingback: سيرة القديس ساركس سوما الملقب ب ابو عتيق الجسداني | Romanyjoseph's Blog

  6. Pingback: نشرة اخبار الكنيسة الأولي من وحي واقعنا – تردي حال كنائس مصر | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s