حول مناظرات الطوائف في الفضائيات

Capture

منذ أن بدأ ظهور السيدة العذراء عام 2009، لاحظت تركيز الإعلام والفضائيات بشدة، علي إبراز الخلاف المسيحي حول حقيقية الظهور، وكان القاسم المشترك في كل برامج الفضائيات التي تناولت هذا الموضوع، هو إستضافة كاهن أرثوذكسي من جهة، وقس انجيلي من جهة اخري، وإشعال المناقشة لجعلهما يتناطحا معاً، ويحاول الكاهن الأرثوذكسي من جهة أن يثبت صحة الظهور، بينما يحاول القس الانجيلي إنكارة، حتي تنتهي الحلقة كما بدأت، بل اسؤا.

وفرح الإعلام بذلك الوضع، وفرح من يحبون التباري والتناطح، وسرعان ما إعتدنا المناظرات والمناطحات في الفضائيات العامة، في مواضيع إختلافات الطوائف مسيحية، مثل الرهبنة، أو الطقوس، أو …أو

وبعيدا عن اي تفاصيل، او الدخول في مناقشة حول حقيقة ظهور العذراء، أو صحة الطقوس، فليس ذلك هدفي الأن، أود أن اشارك، أنني أري أنه من الخطاْ الشديد أن تدور مثل هذه المناظرة أمام الضعفاء والغير مسيحيين وكل من هم في الخارج،  وأن يتم استدراج المسيحيين لهذا الموضوع، لهو أمر خالي من الحكمة ومن العمق والفهم الروحي،  ويفتقر إلي الرؤية السليمة لإحتياج المشاهدين الحقيقي، سواء كانوا غير مسيحيين، أو مسيحيين ضعفاء لم يدخل المسيح حياتهم بعد كما ينبغي.

كم من موقف طُلب من السيد المسيح إجابة، لسؤال خبيث، أو تافه، أو سطحي أو حرفي، فما كان من السيد المسيح إلا أن إرتقي فوق كل هذا،وأخذ من السؤال فرصة ليصل للقلب.

كم من مرة حاولوا استدراجة في مواضيع يهربون بها من الحقيقة التي تقرع علي قلوبهم؟ فما كان منه الا أن اطلق سهام كلماته التي لا هم لها إلا ان تفيق شعبه من موتهم الروحي، وتنبهم لحالتهم واحتياجهم الحقيقي.

فمثلا، في انجيل مرقص 7  سال الفريسيون والكتبة سؤال للسيد المسيح

ثُمَّ سَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ: «لِمَاذَا لاَ يَسْلُكُ تَلاَمِيذُكَ حَسَبَ تَقْلِيدِ الشُّيُوخِ بَلْ يَأْكُلُونَ خُبْزاً بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ؟»

الهدف من السؤال ليس الاستفسار والمعرفة، بل الهروب من حقيقية المسيح ومحاولته لاختراق القلب وتغيير الحياة، وادانه الحق والاخرين واستخراج اخطاء للمسيح ولتلاميذه، لكي يريحوا قلوبهم المضطربة من الخطية.،فيا تري، ما هو رد المسيح؟

  فَأَجَابَ: «حَسَناً تَنَبَّأَ إِشَعْيَاءُ عَنْكُمْ أَنْتُمُ الْمُرَائِينَ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: هَذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيداً وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ.لأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ وَتَتَمَسَّكُونَ بِتَقْلِيدِ النَّاسِ: غَسْلَ الأَبَارِيقِ وَالْكُؤُوسِ وَأُمُوراً أُخَرَ كَثِيرَةً مِثْلَ هَذِهِ تَفْعَلُونَ».ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «حَسَناً! رَفَضْتُمْ وَصِيَّةَ اللَّهِ لِتَحْفَظُوا تَقْلِيدَكُمْ. (مر 7: 6 – 9)

لقد قلب المسيح سؤالهم، ولم يجاوبهم، لم يُستدرج لمناقشة حمقاء خبيثة الهدف، وكيف يستدرجوه وهو من خذرنا من خميرة الفريسيين والصدوقيين؟

وكعادته، تكلم بكلامه الخارق لمفرق النفس والروح، ليشير للمشكلة الحقيقية، وكانت كلمته مميز لنياتهم وافكار قلوبهم، وفي حبه، كان كل تركيزه، أن يستمر في المحاولة في أن ينبه قلوبهم ويوقفهم من أن يتبررو باستذنابه، فقديما عاتب الله ايوب انه يستذنبه ليتبرر (اي  40 :  8)، وهم يفعلون نفس الشئ معه ومع من يتبعوه، وأعتقد ان القصة تتكرر كل يوم، فكم هو مريح للانسان أن يحاول ان يري نفسه في وضع صحيح، حتي لو إستلزم الأمر إدانه الحق نفسه.

والعجيب أن السيد المسيح مع شعبه، أجاب علي نفس الأمر، وفي نفس الموقف، إجابة اخري

ثُمَّ دَعَا كُلَّ الْجَمْعِ وَقَالَ لَهُمُ: «اسْمَعُوا مِنِّي كُلُّكُمْ وَافْهَمُوا.لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ خَارِجِ الإِنْسَانِ إِذَا دَخَلَ فِيهِ يَقْدِرُ أَنْ يُنَجِّسَهُ لَكِنَّ الأَشْيَاءَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ هِيَ الَّتِي تُنَجِّسُ الإِنْسَانَ. (مر 7: 14 – 15)

ومع تلاميذه، أجاب إجابة اخري، تناسب إحتياجهم وإنفتاحهم الاكثر عمقا، والدور الذي سيوكل اليهم.

وَلَمَّا دَخَلَ مِنْ عِنْدِ الْجَمْعِ إِلَى الْبَيْتِ سَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ عَنِ الْمَثَلِ.فَقَالَ لَهُمْ: «أَفَأَنْتُمْ أَيْضاً هَكَذَا غَيْرُ فَاهِمِينَ؟ أَمَا تَفْهَمُونَ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الإِنْسَانَ مِنْ خَارِجٍ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يُنَجِّسَهُلأَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ إِلَى قَلْبِهِ بَلْ إِلَى الْجَوْفِ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الْخَلاَءِ وَذَلِكَ يُطَهِّرُ كُلَّ الأَطْعِمَةِ».ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ ذَلِكَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ.لأَنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ: زِنىً فِسْقٌ قَتْلٌسِرْقَةٌ طَمَعٌ خُبْثٌ مَكْرٌ عَهَارَةٌ عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ تَجْدِيفٌ كِبْرِيَاءُ جَهْلٌ.جَمِيعُ هَذِهِ الشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِلِ وَتُنَجِّسُ الإِنْسَانَ». (مر 7: 17 – 23)

ثلاث اجابات مختلفه، لنفس السؤال ونفس الموضوع، ولكن لاشخاص مختلفه في توجهاتها واحتياجها

ألم يأتي الوقت لنتعلم من السيد بعد؟
ألم يأتي الوقت لنري حقيقة تبعيتنا لذواتنا أكثر من تبعيتنا له؟

لقد كانت المناظرات التي علي الملاء، من قِبل قنوات لا تهدف الي معرفة الحق ، بل للربح القبيح (مثل فريسسين وكتبة) مثل زيادة عدد المشاهدة وطرح موضوع جديد ومكاسب الإعلانات، بل أكثر من ذلك، تهدف الي أن يرتاح الغير مسيحين من قراعات الله لحقيقية المسيح وبشارة الانجيل والموت والصليب والقيامة التي يهربون منها، والذين لأجلهم يستخدم المسيح كل الأشياء لتعمل معاً للخير، ويتمني أن نشترك معه في الحرث وفي حصاد الثمار.

لكن …كلا
نحن لا نفكر مثل المسيح
نحن لا نفكر في ملايين السامعين وخلفياتهم
نحن نعشق ذواتنا، إنها فرصة لنسحق بعض سحقاُ

لم ينتبه المتبارين من الطائفتين (المفترض أنهم ممثلي المسيح) لهدف البرامج، وذهبا يتباريان ويتفننان في أن يقسما المسيح بينهم، بدلاً من أن يستغلا ظهورهما الاعلامي معا أمام الملايين (مسيحيين وغير مسيحيين)، ليقدموا رسالة خلاص لشعب يتوق ويعطش بكل ما فيه للمسيح وأن لم يعرف ذلك، وبدلاً من أن يقدم خدام الرب رسالة حياة، ينشروا فيها معاً رائحة المسيح الذكية، راحوا يخدمون خدمة موت منقوشة علي الواح حجرية (2كو  3 :  7)، ولم يحسبا أهلاً أن يكونا خدام عهد جديد.

ولو قارنا نتيجة تلك المناظرات الفضائية بموقف المسيح في مرقص 7، علي الثلات مستويات (من هم في الخارج، الشعب، التلاميذ) سنجد التالي:

1 – أعتقد ان مثل هذه المناظرات، أراحت قلوب كثيرين من الغير مسيحيين، الذين كانوا من الممكن أن يقود ظهور السيدة العذراء تفكيرهم البسيط الي أن يفتشوا عن الحق، وأن يحررهم الحق، ولتبحثوا علي الانترنت لتروا تعليقاتهم علي فيديوهات المناظرات،التي تثبت كم ارتاحوا وشكروا ربهم علي نعمة ما هم فيه!

2 – أيضا، أعتقد أنها سببت عداوة مع المسيحين الأرثوذكس البسطاء (الشعب)، والمخدوعين خلف قادة عميان، والمحبوسين خلف حرفيات مائته وهم لا يدرون، ولنتوقع أن ينظر كثيرين لضعفهم علي أنه نعمة وتواضع، وينظروا لكل ما هو بروتستانتي، علي انه عدو وكافر وغير مؤمن ومتكبر علي الله وقديسيه، وتنغلق اذهانهم امام كل ما هو غير ارثوذكسي، من فضائيات وكتب وترانيم، بعد ان قسمنا المسيح أمام اعينهم، هل نلومهم؟

3 – وأخيرا، لم يستفيد الرعاه الذين في المناظرة (ممثلوا التلاميذ في المثل) ، ليتحدوا بالمسيح وببعض، ولتنتقل لهم رسالة عن حقيقية إحتياج الاقباط وقيادتهم لأن يتوبوا عن الحرفية والطقوس المائته والسطحية، ويأتوا الي الله الحي.

اذكركم حين كانت المناقشات المماثلة تحدث في الفضائيات، حول موضوع الطلاق في المسيحية عام 2006، وبينما انخرطت كل الاتجاهات المسيحية في كل الفضائيات لتبرر نفسها وتعلن صحة مفاهيمها، تم استضافة القمص الورع مكاري يونان في برنامج البيت بيتك، فارتقي فوق كل تفاهات الاسئلة، واستخدم البرنامج ليكون حلقة تبشيرية، عن رسالة المسيح، عن دور التوبة في تجديد القلب واصلاح ما فسد.

أخيراً
لقد حذرنا المسيح من خميرة الفريسيين والصدوقيين، وحين طلبوا منه أيه (معجزة)، قال أنه جيل فاسق شرير يطلب أيه، وعلي الرغم من أنه قام بكثير من الآيات والعجائب، إلا انه أعلن أنه لا يعطي إلا أية يونان النبي، أي أية القيامة وهزيمة الموت، وإخراج البشرية من قبرها الذي إبتلعها (مت 16: 1 – 6).

وها نحن للاسف، أما نلهث وراء الناس إما لنعطيهم معجزة  نقف عندها، دون أن نري ما ورائها، أو نضيع الفرصة لنريهم المعجزة الأعمق التي يحتاجونها.
معجزة يونان النبي المبتلع من الموت.
معجزة القيامة والحياة.
فليرحم الرب كل من شارك في تقسيم جسده.

جَعَلْتَنَا وَسَخاً وَكَرْهاً فِي وَسَطِ الشُّعُوبِ. فَتَحَ كُلُّ أَعْدَائِنَا أَفْوَاهَهُمْ عَلَيْنَا.صَارَ عَلَيْنَا خَوْفٌ وَرُعْبٌ هَلاَكٌ وَسَحْقٌ.سَكَبَتْ عَيْنَايَ يَنَابِيعَ مَاءٍ عَلَى سَحْقِ بِنْتِ شَعْبِي. (مر 3 : 45 – 48)

 
Romany Joseph
30th December 2009
 
Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in أمور تلخبط, الكنيسة and tagged . Bookmark the permalink.

5 Responses to حول مناظرات الطوائف في الفضائيات

  1. Marina Ramzy says:

    تم استضافة القمص الورع مكاري يونان في برنامج البيت بيتك، فارتقي فوق كل تفاهات الاسئلة، واستخدم البرنامج ليكون حلقة تبشيرية، عن رسالة المسيح، عن دور التوبة في تجديد القلب واصلاح ما فسد.

    سؤال : هو أزاي ده ممكن؟ يعني أبونا مكاري ده قامه روحيه اسم الصليب, أكيد ربنا يقدر بس أنا بتكلم عن الحكمه في التعامل دي حاجه, تاني حاجه هي الكيفيه: بمعني في مثل هذه النقاشات او عندما تصدر بعض الأخطاء من الكنيسه بشكل واضح اما الجمييع و ننٌتقد من غير المسيحين, كيف ننقل الصوره الحلوه و الحقيقيه عن المسيح و الكنيسه؟ و كيف يجب أن نتعامل مع النقد لهذه الأخطاء

    • RomanyJoseph says:

      كان المحاور, تامر أمين
      أبونا مكاري قال كلام صعب الفهم, راح تامر امين سأل: يعني إيه, راح شرح المسيحية وسموها وعمقها

      بالنسبة للجزء التاني من كلامك, انا شخصيا بمنتهي البساطة, باتكلم عادي جدا, و انا باستخدم الاخطاء الموجودة في الكنيسة, مع الغير مسيحين, إني اثبت مصداقيتي وأمانتي في البحث
      ودا بيديني مصداقية اكبر اما انتقد امور معينه, لانهم بيسمعوا مني كويس, لانهم عارفين إن انا مش من المطبلين والمهللين

      • Marina Ramzy says:

        رومـــانــي, أنا مش فاهمه الجزئيه دي (انا باستخدم الاخطاء الموجودة في الكنيسة, مع الغير مسيحين, إني اثبت مصداقيتي وأمانتي في البحث) ممكن توضح لي زياده ؟؟

        • RomanyJoseph says:

          معلش, متأسف لعدم التوضيع
          انا قصدي إني ممكن أتكلم عن حقيقية إن اغلبية الشعب المسيحي يظن انه في وضع سليم بينما هو بعيد كثيرا ع ذلك
          ممكن اتكلم عن ضعف القيادات ويمكن فسادها في بعض الاوقات
          مجرد ذكر هذه الامور مع غير مسيحين امناء, يعطي مصداقية
          ويفتح باب مهم جدا
          وهو الخدعة, التي ينخدع بها كثيرون يرثون عقيدتهم أو طائفتهم دون ان يفهموها أو يحيوها, او يشكوا فيها

          اتمني اكون وضحت

  2. Marina Francis says:

    فكم هو مريح للانسان أن يحاول ان يري نفسه في وضع صحيح، حتي لو إستلزم الأمر إدانه الحق نفسه.

    لكن …كلا
    نحن لا نفكر مثل المسيح
    نحن لا نفكر في ملايين السامعين وخلفياتهم
    نحن نعشق ذواتنا، إنها فرصة لنسحق بعض سحقاُ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s