غفران الخطايا في الصليب والقيامة

تخيلوا أني في ظلمتي سببت عاهة مستديمة لشخص ما, قطعت يده مثلا, ثم أدركت أني فعلت جرماً وشراً, وقدمت توبة حقيقية من القلب, كيف أفرح بالغفران في كل مرة أري عاهة الشخص التي سببتها أنا قائمة امامي؟ّ!

كيف يمكن أن يكون هذا, وما أجرمته لا يمكن اصلاحه, ونتائجها امامي قائمة؟

أعتقد أن الغفران, هو فعل يتجاوز المفهوم البسيط لنسيان الخطايا ومسامحة الخاطي, ويعبر من خلال الصليب, الي رؤية المسيح يحول الخطية واللعنة لتكون من خلاله خير وبركة.

“فحول لاجلك الرب الهك اللعنة الى بركة لان الرب الهك قد احبك نث – 23 :5

لذا إستخدم الكتاب المقدس تعبيرات كثيرة لتوضيح تعامل الله مع الخطية, منها النسيان, ومنها أنه يمحو الذنوب, والمحو هنا هو فعل يدل علي أن الله يتدخل ليرفع علامات وأثار الخطية من الحياة.

أنا أنا هو الماحي ذنوبك لاجل نفسي و خطاياك لا اذكرها (اش  43 :  25)

فإن كانت الخطية علامتها محفورة بقوة في القلب والحياة, حيث لا توجد قوة بشرية تزيل وصمتها, واثارها, نجد يتعامل معها المسيح في الصليب وكانها غيمة او سحابة بسيطة.

خطية يهوذا مكتوبة بقلم من حديد برأس من الماس منقوشة على لوح قلبهم و على قرون مذابحكم (ار  17 :  1)

قد محوت كغيم ذنوبك و كسحابة خطاياك ارجع الي لاني فديتك (اش  44 :  22)

ليس ذلك لكون الخطية امر هين, لكن, لكن ذلك لكون دم المسيح اكثر قوة بكثير من الموت الكائن في الخطية

لان اجرة الخطية هي موت واما هبة الله فهي حياة ابدية بالمسيح يسوع ربنا (رو  6 :  23)

فمثلا, أن أخطأت نحو الله أو حياتي أو الاخرين, بدون غفران سيطاردني ما فعلته دوما, وتكون خطيتي امامي في كل حين (مز  51 :  3).

وان قدمت توبة من خلال مفهومي المحدود أن الله ينسي خطيتي, سوف أظل قلقا من جهة نتائج خطيتي علي حياتي وحياة الاخرين ويهاجمني ضمير الخطية(عب 10: 2).

أليس هذا ما يحياة الكثيرون من أتباع الديانات التي بدون مسيح ؟ وقد نحياة نحن أيضاً, حين لا نتعمق في استيعاب عمل المسيح, ويقتصر مفهونا للغفران علي أن الله سامح ونسي شفهيا, أو دفع الثمن علي الصليب وكفي, وتظل أثار الخطية ونتائجها تؤرق مضاجعهم ومضاجعنا.

لاني عارف بمعاصي و خطيتي امامي دائما (مز  51 :  3)

لان معاصينا معنا و اثامنا نعرفها (اش  59 :  12)

لكن, من عمق مفهوم الصليب والقيامة واستعلانهما, أستطيع أن أري المسيح تعامل مع الخطية, وأدانها بحميع مفاعيلها وأثارها المدمرة في حياتي وحياة الاخرين, فإكتمال عمل المسيح يتجاوز الصليب ويتجلي في القيامة وما تحمله من حياة عوضا عن الموت.

وهنا يتعدي عمل المسيح العظيم مسامحة الخاطئ وغفران الخطايا, بل يمتد ليصلح كل ما قد خربه الإنسان التائب بظلمته سواء في حياته الشخصية, أو في حياة الاخرين, فتحل البركة مكان لعنة الخطية, ويمحي الموت الذي جلبه الانسان علي نفسه وعن الأخرين في خطيته وظلمته.

هذا كله يفعله الله بقوه صليبه وقيامته لمن يموت ويقوم فيه, فالعمل الكفاري يمتد ليصلح ويطلب ويخلص ما قد هلك, فالغفران في المسيح فعل, وليس كلام.

وهذا هو سر الفرح الذي يتوجب أن يكون موجود لدينا, إذا قدمنا توبة ونحن ندرك بالحقيقة عمل المسيح وقوة دمه التي يحول الخطية واللعنة لبركة, كما نقول في القداس (أنت يا سيدي, حولت لي العقوبة خلاصاً).

ألم  يتمتع داود وبولس بذلك الفرح, وهم اللذان قتلا ابرارا, لقد رأوا كمال غفران المسيح, وعمله بان يحول ذلك الشر لخير وبركة.

نلاحظ ان الله لم يقيم استفانوس من الموت ليمحو اثار خطية بولس, لكنه استخدم موته لانتشار المسيحية, وشهادته لتقوية الايمان.

وهكذا, في دم المسيح, استطاع بولس ألا يعيش أسيراً لجريمته, لكنه خضع لتعامل المسيح مع خطيته بالطريقة التي اختارها المسيح, فلم يري أنه اهدر حياة استفانوس, بل رأي دمائه سالت لتبث الحياة في جسد الكنيسة, فتمتع وفرح بغفران الله واستوعب الصليب والمسيح الذي فيه يتحول الموت لحياة وقيامة.

كذلك أنا, في كل مرة اكتشف فيها خطاياي واثارها المدمرة, في توبتي, أحتاج أن أري واخضع لتعامل المسيح معها, وهو امر شخصي جدا, لا يمكن وضع قاعدة له, لكننا ان جزنا فيه نختبر بالحقيقية قوة الفداء وعمل المسيح بطريقة شخصية.

ليس هذا فقط, بل من هذا المنطلق, أستطيع ان أغير نظرتي تماما نحو الشر والخطية الموجهة نحو حياتي من الاخرين.

فبدون المسيح,أاري اخطاء الاخرين وشرهم وفسادهم نحوي يتلف حياتي ويعبث بها ويخربها ويدمرها.

أما في المسيح, أري ان كل الاشياء تعمل معا للخير, ليس فقط لأن الاية تقول ذلك, بل لأن ذلك هو الواقع الذي حدث في الصليب والقيامة, وتحقق في حياتنا حين نكون في المسيح.

بهذه الرؤيا, قال يوسف لاخوته:

انتم قصدتم لي شرا اما الله فقصد به خيرا لكي يفعل كما اليوم ليحيي شعبا كثيرا (تك  50 :  20)

يا لعمق غني الله وحكمته ومحبته وتدبيره, التي اذ ادركناها ووعيناها, سنتلهف شوقا لأن نفتح ملفات خطايانا وضعافاتنا أمامه في لهفة وتشوق لرؤيته يمحوها بالحقيقة, بدلا من أن نهرب منها ونخفيها في اعماق قلوبنا.

ليس هذا فقط, بل سنتوقف عن ان ننظر للناس كأعداء تتلف حياتنا وتعبث بها وكأننا بدون مسيح.

Romany Joseph
July 2010

 

 

 

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in تميز الأمور المتخالفة and tagged . Bookmark the permalink.

5 Responses to غفران الخطايا في الصليب والقيامة

  1. Pingback: هل تأديب الرب لنا ضد محبته الأبوية؟ | Romanyjoseph's Blog

  2. Pingback: أخذَ الذي لنا… وأعطانا الذي لَهٌ | Romanyjoseph's Blog

  3. Pingback: بين قانون الزرع والحصاد… والصليب | Romanyjoseph's Blog

  4. Pingback: هل تأديب الرب لنا ضد محبته الأبوية؟ | Romanyjoseph's Blog

  5. Pingback: تعاليم المشورة المسيحية – نظرة سريعة علي مشكلتها وقصورها ورؤية للحل | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s