بين النور والظلمة

حين نري حولنا, وفي أعماقنا, تخبط في الامور…
حين تهتز الرؤيا… والرؤية…
حين نجد كل شخص له رأي عكس الآخر, كل منهم يثق أنه صحيح…
حين يخلط بعض الناس كل شئ…تحت اسم الحب, ويحكم الاخرين في كل شئ, تحت اسم الحكمة
ساعتها نعلم يقينا, أننا نحتاج لأن نفصل بين الأمور, في هدوء المحبة وحكمة الروح

أول من فصل بين الأمور

لكي يتم الفصل بصورة سليمة نحتاح نرجع لأول  فعل فصل في التاريخ, ونتتبعه

إن أول من قام بفصل الامور, كان هو الرب, وكان ذلك مبكرا جدا, في رابع أية في سفر التكوين

وَرَاى اللهُ النُّورَ انَّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. (تك 1 : 4)

كان الله يعلم ضرورة فصل النورعن الظلمة, لأنه إن لم يقم بهذا الفعل, لعجز الانسان عن الفصل بينهما, ولتخبطت الامور عنده.

ومر الزمان, وكثرت الاحداث, وتغيرت امور كثيرة, ولكن بقي الفاصل بين النور والظلمة صامدا. كان النور- ومازال – هو التواجد والإتحاد مع الرب وتبعيته هو وكلامه, وإستعلانه لغوامض الحمكة ومستوراتها الملؤة حباَ, وكشفة لاعماق قلب الانسان وخفاياه, وطرده لكل نجس بقوة تطهير النور.

وكانت الظلمة ببساطة هي غياب النور, أن تكون الحياة بعيدة عن النور الحقيقي, يتخبط فيها الشخص بعيدا النور, له طرقه الخاصة, لا يعلم الي أين يذهب, يجهل الحكمة ويجهل نفسه وما حوله, أو علي احسن تقدير, يفهمه فهم خاطئ.

وكان وجود النور دائما يطرد الظلمة, بينما وجود الظلمة لا يطرد النور إذا أتي, بل تهرب الظلمة منه, كان النور هو المسيح الذي أتي للعالم للعالم, ليفتح دائرة النور, ويشرق علي من في الظلمة, إن كرهوها واشتاقوا للنور.

الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُوراً عَظِيماً وَالْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ الْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ (مت  4 :  16)

وينقل من يريد ألا يحيا تحت سلطان الظلمة الي نوره

الَّذِي انْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ وَنَقَلَنَا الَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ،(كو  1 :  13)

لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ. اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ.(اف  5 : 8)

النقلة من النور للظلمة كانت نقلة عظيمة, لها قوة عبور معمودية البحر الاحمر بدم الخروف, والخروج من عبودية مصر للحياة الجديدة, لها هيبة موت المسيح علي الصليب والمعمودية, وقيامته من القبر حاملا الحياة الجديدة.

الفرق بين النور والظلمة تستطيع أن تشعر به بقوة, إذا انطفأ النور في مكان تجهله وصرت تتخبط وتشعر بخوف ولا تعلم الي ين تذهب, حتي يضئ النور, فتعرف وتدرك ما حولك, هكذا أعماق كل من لم ينير عليه المسيح بعد, يتخبط في عالم واسع مجهول

الكنيسة وتميزها بين النور والظلمة

استوعبت الكنيسة عظمة تلك العطية والفرق الشاسع بين النور والظلمة الذي هو فرق بين الحياة والموت, ولم تكن تسمح أبدا أن يقترب أحد يقترب من أسرارها, إلا حين كانت تتأكد من صدق رغبته التامة في ترك الظلمة التي هو فيها, وحبه لان يحيا في النور حياة الإيمان بإبن الله.

وكانت تسمي مَن في تلك المرحلة الإنتقالية ب (الموعوظين), ياتي اليها الناس من الظلمة (غير مؤمنين), ويعبروها ليكونوا مؤمنين وأبناء لله, أبناء للنور. كان الموعوظين لا يشتركون في الاسرار السماوية, مثل سر المعمودية وسر الافخارستيا, الا حين تتأكد الكنيسة انه حان الوقت ليتحول لمؤمن.

يقول القديس  كيرلس الاورشليمي:

“الموعوظ الحقيقي هو من يتقبل التعليم المسيحي لا لمجرد الدراسة العلمية أو الفلسفية أو بغرض آخر سوى التعرف علي الحق وتقبله. حقًا إن كثيرين دخلوا بين صفوف الموعوظين خلسة, منهم من دخل إلى المسيحية معجبًا بها كفلسفة أو من أجل البلاغة، كما أعجب أغسطينوس بعظات القديس أمبروسيوس أسقف ميلان، فكان يحضر لا ليعيش في شركة مع الرب بل لمجرد الدراسة الفلسفية. ومنهم من دخل بنيّة شريرة، أو حبًا للاستطلاع، أو بقصد إرضاء الغير، كأن يريد أحد الوثنيين الزواج بفتاة مسيحية أو تريد فتاة وثنية التزوج بمسيحي.”

هؤلاء يلزم على الراعي أن يفرزهم، فلا يحرمهم من الحضور للوعظ لكن لا يقبلهم في المسيحية ما لم يكن من أجل المسيح المصلوب.ليس هناك طريق آخر لقبولنا دخول أحد إلى المسيحية سوى قبوله الإيمان بالمسيح، وشوقه لحمل الصليب، والدخول من الباب الضيق للعبور إلى الأبدية. فالكنيسة لا تُسر بالعدد لأنها ليست حزبًا منافسًا، ولا تنخدع بالمظهر بل تطلب نفوسًا حيَّة مُحبة تود الاتحاد بالله والتمتع بالميراث الأبدي.

والموعوظون في الكنيسة كانوا ينقسمون إلى أربع درجات حسب درجة تجاوبهم مع التعاليم وغيرتهم وشوقهم للشركة مع الله”

لنا أن نتخيل تأثير تلك الهيبة وذلك التأهيل لمن يريد الإيمان بالمسيح, وكيفية تأثير ذلك علي حياة من يقبل علي الإيمان, لنا أن نتأمل طويلا في قيمة العطية المعطاة لكل مؤمن, وتقدير حامل العطية لها ككنز ثمين مجاني, لكنه ليس رخيص

الخلط مع مرور الوقت

مر الوقت, وخفت النور, وفترت الحياة, وبدأت الكنيسة تخلط بين النور والظلمة

لا نعلم بالضبط ماذا حدث, لكننا نثق انه ليس امرا جيدا…

لا نعلم لماذا حدث ذلك, لك مهم جدا ان نحاول أن نفهم, فالقصة تكرر في كل الاجيال…

هل هو فتور؟ أضعف حياة المؤمنين المستنيرين, فاصبحوا لا يشعرون بفرق بينهم وبين الغير مؤمنين فتساهلوا في تعريف الايمان حتي وصلت الامور الأن أن كل من يحمل بطاقة مكتوب فيها انه مسيحي, يعتبر مؤمن؟

هل خافوا من الكبرياء؟ وظنوا انه الفصل بين النور والظلمة بقوة هو ادانة للاخرين؟ فتساهلوا في قبول الغير مؤمنين, حتي وصلت الأمور الان أن كل من يحمل بطاقة مكتوب فيها انه مسيحي, يعتبر مرادف لكلمة مؤمن؟

لا نعلم, لكننا نعلم يقينا, أن الان كل من يحمل بطاقة مكتوب فيها انه مسيحي, يعتبر مؤمن, وبهذا بهت تعريف الإيمان, واقتصر علي نطق بعض الكلمات, وممارسة بعض الطقوس بدون استنارة وروح, وكنتيجة طبيعية, أصبحت شكل وجوهر حياة مؤمن البطاقة, لا يختلف عن حياة الشخص الغير مسيحي ذو الاخلاق الحميدة, بل وقد يكون الغير مسيحي أكثر صلاحا, فزاد ارتباك المسيحي, وبدأ يتسأل (إن كان يهتم), أين مسيحيتي؟ وما هو ايماني؟

أصبح النور رخيص في أعين الناس, لا يفرقون بينه وبين الظلمة, وإذا أتي نور غير حقيقي, أو شيطان يغير شكله الى شبه ملاك نور (2كو  11 :  14), فبالطبع, تنبهر العيون به, وتنخدع القلوب.

نعم, فبغياب عمق الايمان, وقوة النور, تغييب الحياة المسيحية الحقة, ويضيع هدفها ويظن البعض أن هدفها هو الاخلاق, فيرتبكون حين يروا الغير مسيحين لهم أخلاق مقبولة أو جيدة. وتتحير القلوب, وترتبك.

عودة للفصل بين النور والظلمة, بعين المحبة والحكمة

يحتاج كل شخص منا, أن يفصل بين النور والظلمة, كي لا يتخبط في تلك الحياة …

التواضع ليس أن تخلط بين النور والظلمة ,وتتوسم أن تخرج الظلمة صلاحا, التواضع هو أن تعرف انك لست في النور بقدراتك واستحقاقاتك, بل أنت في النور بالنعمة, وإن لم تكن تلك الحقيقة مسيطرة علي اعماقك, فأنت تحتاج ان تراجع الأمور جيدا.

المحبة ليست أن تشير علي الظلمة وتقول أنها نورا, المحبة أن تتفهم أن الظلمة بها ناس أنقياء وعطاش للبر يحتاجوك, لكنهم في دائر الظلمة لن يخرج منهم صلاح حتي لو ارادوا فعل الصلاح, ولن يفعلو الخير الذي يريدونه بل الشر الذي لا يريدونه, لان قوة النور ليست معهم.

الحكمة ليست في أن تفني مجهودك في تغيير رافضي النور, الحكمة ان هي أن تتفهم أن الظلمة بها اوناس اشرار يبغضون النور, ولا يريدونه لئلا تتوبخ اعمالهم الشريرة.

الكبرياء هو أن تحتقر من هم في الظلمة, فتفشل في أن تخرج راحاب الزانية من اريحا…

إن اكبر الامثلة العملية علي قوة الظلمة في الأنقياء, هي حب الأب الغير مستنير لاولاده, إنه حب نقي يريد أن يفعل الصلاح لأبنه اوبنته, لكنه لو بدون استنارة, يدمر حياته اولاده تدميرا, وهو لايدري, وأثق أننا رأينا ذلك حولنا كثير او اختبرناه بأنفسنا.

فصرخات الأنقياء في الظلمة هي

لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. (رو  7 :  19), وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا الْمَوْتِ؟ (رو  7 :  24)

وتجديف الاشرار في نفس دائرة الظلمة هو:

فَيَقُولُونَ لِلَّهِ: ابْعُدْ عَنَّا. وَبِمَعْرِفَةِ طُرُقِكَ لاَ نُسَرُّ. (اي  21 :  14)

وأكبر الامثل العملية علي شر الاشرار, هو عدم إيمان الفرسيين بالمسيح علي الرغم من قوة حياته وقيامته وشهادته

النور والظلمة….و مصر

لذا, ونحن نري وطننا يحاول أن يثور علي الظلمة, يحب أن نميز أنواع الثوار علي الظلمة.

فهناك كثيرين عطاش للبر والصلاح والحياة الجديدة, يريدون النور ولا يعرفون أين يجدوه.

وهناك أشرار يأتون في ثياب حملان, وهم ذئاب خاطفة من الداخل, يحبون الظلمة, ويبغضون النور, لان أعمالهم شريرة, قد يثورون علي الظلمة, وهم اكثر ظلاما, بالطبع لأغراض فاسدة.

نحن أمام واقع , هو وجود الأثنين معا, كوجود الحنطة والزوان..

فماذا سنفعل وقد دعانا المسيح نور العالم؟ هل نكتفي بالمشاهدة, هل نشارك العطاش للبر عملهم, دون أن نعطيهم الماء, أو حتي الطريق للماء.

أتمني أن نصلي ليعطينا الرب المحب أن نميز النور والظلمة, ونكون نوراَ لكل محتاج للنور, ببساطة قلب ووداعة ومحبة, ننشر النور لهم.

وَهَذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً.  لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّآتِ يُبْغِضُ النُّورَ وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلَّا تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ.  وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللَّهِ مَعْمُولَةٌ».(يو 3: 19 – 21)

 

Romany Joseph
24 February 2011
Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in تميز الأمور المتخالفة and tagged , , . Bookmark the permalink.

8 Responses to بين النور والظلمة

  1. Marina Ramzy says:

    Hi Romany,
    Tab3an enta ebtaden tekrahny we dah 7a2ak el tabi3y bas ana waska fe se3t sadrak we ta7molak.
    3andy so2al fe5sos el note deh, again and again I agree with you in your point of view, but what I’m asking about this time is about the comment below:

    نحن أمام واقع , هو وجود الأثنين معا, كوجود الحنطة والزوان..

    فماذا سنفعل وقد دعانا المسيح نور العالم؟ هل نكتفي بالمشاهدة, هل نشارك العطاش للبر عملهم, دون أن نعطيهم الماء, أو حتي الطريق للماء.

    As I can see here that you just explained the diff. between the light and dark in both sides Spiritual one and social one based on what’s happening now in Egypt. But you didn’t show your point of view and this is what I’m asking about. Enta eh ra2yak ka mwaten Masry Mase7y? eh dorak tegah baladak wel mogtam3 elly enta 3aysh feh? Eh steps enta shayf en el nas momken ta5odha.
    Thanks

    • RomanyJoseph says:

      مارينا, ما تقوليش كدة خالص, بالعكس, انا فرحان برأيك ومشارتك جدا جدا
      ودايما بافرح اما الاقي ولاد ربنا امنا وبيدورا علي دورهم ويفكرو بعمق
      انا هاقولك رأيي في دوري نحو الوطن, أنا كاتبه في مقالة كاملة
      هي مقالة صعبة شوية, لو في حاجة فيها مش واضحة, انا هافرح اني اوضحها

      https://romanyjoseph.wordpress.com/2011/02/12/%d8%b1%d8%a3%d9%8a-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%af%d9%88%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d9%8a%d8%ad%d9%8a-%d9%86%d8%ad%d9%88-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b7%d9%86/

      • Marina Ramzy says:

        Asdek eh ya ostaz Romany enaha sa3ba shewaya weny momken mafhamsh?!!! 😀 😀
        It’s so nice and this is what I was talking about and this is what I was searching for let me say that the comment below could be expected as ( el 5olasa) beta3 el article:
        ليس كنيستنا فقط بل وطننا, من خلال دائرة كنيستنا, ومن خلال كل دوائر تعاملاتنا اليومية لنشر الحق وتحقيق مشيئة إلهنا, بيدينا نحن, أبناء الله, أن نساهم في إستنارة الكنيسة والوطن وعودة الحياة الحقيقية له, وصنع تغيير يقتلعنا من نومنا, ويغيرنا نحن ومن حولنا.

        Also can I ask you to publish this article ( the one you sent its link) in FB so more people can know more about it

  2. RomanyJoseph says:

    Sure Marina again, you can share the link of it, and i am glad that you sharing me my opinion
    For saying it’s hard to understand :):
    Sorry for that, didn’t mean you, trust me, it’s me who sometimes get lost between my thoughts :):)

  3. Pingback: بين الإدانة والتمييز | Romanyjoseph's Blog

  4. Pingback: أهمية بطئ النمو وبطئ طرد الخطية في حياة أولاد الله | Romanyjoseph's Blog

  5. دميان says:

    كيف فصل الله بين النور والظلمة ؟؟ بمجرد ان ياتى النور تهرب الظلمة وبمجرد ان يذهب النور تاتى الظلمة ..فلا افهم كيف تم الفصل بين شيئين الواحد عكس الاخر. فهم فى طبيعتهم منفصلين ..اشكرك

    • RomanyJoseph says:

      معك حق
      ربما لا اعرف كيف فصل الله بين النور والظلمة وقت الخلق لان التفاصيل لم تكتب
      لكني اعرف جيدا أن داخلنا الظلمة والنور مختلطين
      والله دوما يفصل بينهم
      القصة تتكلم عن خلق حياتنا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s