مهاربنا من الحق خلال الحوار

ما أكثر المهارب التي نهرب بها من صوت الحق.

 لنا مهارب كثيرة ماهرة وبارعة ورشيقة, مهارب نخدع بها أنفسنا قبل أن نخدع الاخرين, لكي نبقي كما نحن, نرفض التغيير القلبي والإعتراف بالخطأ, أي التوبة التي هي سر الأسرار, ومدخل الحياة الجديدة وحلول المسيح.

المهارب تظهر حين تنتقد وضع ما, أو تشير لأمر يحتاج توبة وإصلاح, ما إن تتكلم عن تلك الأمور المحظورة, مع شخص عينيه غير مفتوحة ولا يريد أن يري ما تري, حتي تجد المهارب البشرية تنهال عليك. 

تظهر المهارب أكثر في وسط الظروف الصعبة, حيت تتعدد الأراء, وتختلف وجهات النظر, ونقف علي مفترق الطرق

 

المهرب الاول – لا تدينوا

ما إن تنتقد وضع ما, أو امر ما, حتي يمطر عليك محبو الهروب بأنك تدين غيرك, ويقذفوا في وجهك الأية الشهيرة التي لا يعرفون غيرها في المناقشات, أنك فيما تدين غيرك تحكم علي نفسك (رو 2: 1)

وبهذا هرب البار القديس كالشعرة من العجين بمهرب الإدانة, وقلب المائدة علي رأسك, وبقيت أنت أيها المسكين, بجريمة مزدوجة, تدين غيرك, وتحكم علي نفسك أنك تفعل الامور عينها.

إن من يلوح بالادانة دائما, هو من يريد أن يهرب من الحق, غالبا ما تكون تتكلم عن إتجاة وتنقد ذلك الإتجاة بموضوعية, لكنه يهرب من تحويل نقد موضوعي, لقضية شخصية, ويتهمك أنك تدين الاخرين.

عجيب ألا نفهم الفرق بين الدينونة والتمييز! أم أننا لا نريد أن نعرف ونحب التزييف؟

التمييز هو أن تميز حقيقية يقرها الواقع, ومثبتة بالدلائل, مثل موقف واضح خطأ، أو تعليم غير سليم، بينما الإدانة هي الحكم علي أمر غير واضح وملابساته غير معروفه (ولو طبقنا هذا التعريف ستجد أن من يتهم غيره بالإدانة لأن غيره يميز أمر خاطي مثبت… سيكون هو نفسه وقع في خطية الإدانة، فهو ليس عنده ادلة وحكم علي أمور خفية في القلب).

ايضاً التمييز يتضمن إتجاه معلن  لسلوك، مثل أن العشار شخص في وضع خاطي, فذلك تمييز لسلوك يعرفه الكل.. أما الإدانة هي أن أحكم علي شخص, واشعر أنني أفضل منه (مثل الفريسي الذي ادان العشار), فعلي الرغم من أن كل ما قاله الفريسي عن العشار حقيقية, إلا أنه استخدمه ليشعر ببره الذاتي, بينما أن الوضع الصحيح, هو أن اقدر وضعه الخاطي وأميزه, لكني أعلم يقينا أنني لست أفضل منه, فأنا فاسد ونعمة المسيح غيرتني, فما فضلي عن الأخر؟

لأَنَّهُ مَنْ يُمَيِّزُكَ؟ وَأَيُّ شَيْءٍ لَكَ لَمْ تَأْخُذْهُ؟ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ فَلِمَاذَا تَفْتَخِرُ كَأَنَّكَ لَمْ تَأْخُذْ؟(1كو 4: 7)

إن من إختبر نعمة المسيح لا يدين, فمن أختبر نعمة المسيح يعرف أنه ليس في النور بقدراته واستحقاقاته, بل هو في النور بالنعمة, وبالتالي, لا مكان للافتخار علي الاخرين وإن لم تكن تلك الحقيقة مسيطرة علي أعماقه, فهو يحتاج ان يراجع نفسه.

صديقنا هذا لو كان موجود أيام المسيح, لكان اتهم المسيح أنه يدين الكتبة والفريسيين, وأنه متكبر ويفتقر المحبة وقبول الأخر, ولا يحترم من هم أكبر منه في السن والقامة الروحية.

الإدانة اتجاة قلب, وليست في سرد الحقائق ونقد الأفكار والاتجاهات, وإلا, كان أثاناثيوس الرسول شخص يدين أريوس وكان أريوس مسكين وبار. ولو كان هؤلاء الابطال موجودون لكانوا نظروا لأثاناثيوس كشخص متكبر يدين اساقفة ويناطحهم بكبرياء.

المهرب التاني – الإختلاف للبنيان

هذا النوع ذو بعض المعرفة, وقد يكون طويل البال قليلا, لكنه يناقش لا ليعرف الحق, بل ليقنعك بما عنده, فهو لا يسمعك, ولا يتخيل أن الأخر يمكن أن يكون علي صواب, هو فقط يحاول أن يجد ثغرة يقنع بها الأخر بوجهه نظره.

وحين ينهار أمام الحق, ويفشل لأنه ضعيف الحجة, تجده فجأة يتحول مائة وثمانون درجة, ويقول أن كل الخلاف الذي بيننا أمر رائع, يستخدمه الله للبنيان وتكميل جسد المسيح!

لقد كان منذ خمس دقائق في حالة غضب وضيق ورفض شديد لما تقولة, لكن فجأة حين فشل في إقناعك, حل عليه الروح القدس وتهلل وفرح بالأختلاف بينك وبينه, وبارك الرب إله اسرائيل.

ألا يخجل هؤلاء حين يرون أنفسهم يتحولون ويتبدلون؟

ألا يخجل هؤلاء من استخدام الكتاب المقدس كمهرب, وايهامك أن الاختلاف للبنيان, مع أنه من خمس دقائق فقط كان يريد أن يهدمك هدما!

إن اختلافات البنيان تكمل بعض, لأن الجسد واحد, انها موضوعة لاجل التنوع والتكميل (اف 4 :  12), مثل أنواع خدمات كثيرة (1كو 12 :  5),

أما تمزيق الجسد الواحد, وخلط الأمور ببعض, والإتجاهات المتعارضة, كلها أمور تثبت أننا لا نخضع للحق أو لبعض.

  وَلَكِنَّنِي أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنْ تَقُولُوا جَمِيعُكُمْ قَوْلاً وَاحِداً وَلاَ يَكُونَ بَيْنَكُمُ انْشِقَاقَاتٌ بَلْ كُونُوا كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ(1كو  1 :  10)

وفي الغالب, صديقنا يري يفسر هذه الأية بطريقته الخاصة, ويطلق علي اتجاهين معاكسين متناقضين إسم إختلاف بنيان, لأنه عجز عن تغيير وجهة نظرك, ولا يريد أن يغير وجهة نظره, وما الحياة الا رؤي ووجهات نظر.

ولنتخيل صديقنا أيام المسيح, ستجده يقول للمسيح أنت تري تنظر للأمور نظرة روحية, أما أنا فنظرتي عملية وواقعية, لم يا يسوع لا تراهم يكملون بعض؟

حقا, كم انت مخادع أيها القلب.

 

المهرب الثالت – كله للخير

تشرح ما تراه وتتألم من أجله, تشارك ما في داخلك وما يطير النوم من عينيك, وتتمني أن تجد الأخر يشاركك ما في قبلك, فتجد الأخر ينظر اليك نظرة الشفقة, ويوافقك حجم الفاجعة التي تراها, لكنه يتعجب كل العجب من أنك معدوم الايمان, لاتري أن الله يستخدم كل ما تراة من شر وفساد ويحوله للخير, ويبدأ يعطيك محاضرة في قدرة الله العجيبة, وكأنك في حلقة من برنامج العلم والإيمان.

أنه يعيد تعريف الإيمان, بأنك يجب أن تتفرج وأنت هادي البال, لا مبالي, وتثق أن الله يعمل ويغير ويصحح.

تتعجب, وتصرخ, كيف اهدأ وأنا اري إخوتي يتالمون من وضع خاطي, فيرد عليك صاحب المهرب بابتسامة هادئة, وبوقار الكاملين وحنكة السنين, ناصحا إياك ان تصلي لكي لا يفني ايمانك, فتخرج من أمامه شاعرا بصغر النفس والدونية, فهو كامل الكاملين.

يا ليته نصحك بالصلاة المتوازنة مع العمل, يا ليته شاركك ما تراه بإيجابية, أنه فقط تعجب من عدم قدرتك علي رؤية الله وسط الأخطاء يعمل ويصحح, وتحولت المشكلة فيك أنت وفي إيمانك.

أن ما تقوله ليس علي باله, ولا يهمه أصلا, وقد يكون لم يفكر فيه من قبل, لذا, هو يستخدم قدرة الله السرمدية, لكي يكمل حياته وإهتماماته الخاصة, دون وجع دماغ.

تتعجب,هل تلغي قدرة الله دورنا, هل حقيقة استخدام الله للاحداث وتعامله مع كل شخص, تجعلني كأبن لله متفرج لا اجري ولا أدعوا للاصلاح, واضح أن الانبياء كلهم كانوا أقل إيمانا من ذلك الشخص الورع التقي.

نسي ذلك الهارب, أن الله يشرك الانسان في العمل معه, وأنه يحب أن يعمل من خلال الانسان الذي هو أنا وانت, وحين لا نعمل دورنا, يتدخل الله مباشرة, وساعتها يكون التدخل بالتجربة والضيقة في الغالب, لأن الإنسان لم يقم بدوره في تحذير الاخر بالكلمة, كما جاء في دور الرقيب (حزقيال 33).

نسي أن الله سأل وبحث علي من يرسله لاجل الكلمة, فقال اشعياء, ها أنا ذا, اعتقد ان صديقنا لو كان حاضر لرؤية أشعياء, لكان انتهر اشعياء بل والرب نفسه, لان كلاهما لا يري الاشياء تعمل للخير!

صديقنا هذا لو كان موجود أيام المسيح, لكان قد لام المسيح انفعاله لتطهير الهيكل, وقلة إيمان يسوع الذي لا يري أن الله يستخدم الفساد الموجود في الهيكل ويحوله لخير.

اخيرا…

الشئ المشترك في جميع المهارب, أن جميع مستخدميها يتعاملون مع إنفعالك وحزنك والمك ببرود شديد, فهم لا يحترمون ما وضعه الله علي قلبك, لأنهم قرروا في أعماقهم ألا يتالموا معك أو يشاركوك ما أعلنه الله لك, فهم في الغالب ملهيين في حياتهم ودنياهم, بطريقة لا تسمح لهم أن يتحملوا عبء توبة وتغيير وخدمة حقيقية.

المشترك في جميع المهارب, أن مستخدميها تركوا المشكلة, وانتقدوك أنت, فإما أنك تدين ألاخرين, وإما أنك ضيق الرؤيا لا تؤمن بالتنوع والإختلاف للبنيان, وإما انك معدوم الإيمان, عاجز عن أن تري الله يعمل للخير, إنها سياسة قلب المائدة للهروب من الحق.

إن اعلان الحق غالبا ما يكون مردوده فينا هو حتمية التوبة والتغيير, لكن هؤلاء لا يريدون التوبة و التغيير, هم فرحون بوضعهم الحالي.

هم فقط قرروا مناطحتك قليلا, أو كثيرا, تاركينك محكوم عليك إما انك تدين غيرك, أو أنك قليل الايمان لا تري ما يون هم, او أنه مختلف معك للبنيان.

والعجيب, أن اغلب اصحاب المهارب هم من يرون أنفسهم قائمون وأصحاب خبرات روحية وإيمان عظيم, فلم أقابل شخص بسيط ومتواضع, وإستخدم أي من هذه المهارب .

صلاتي, أن ننتبه لأنفسنا وما في أعماقنا, وفي كيفية تسلل الضعف والكبرياء لمناقشاتنا ونحن لا ندري, أو لا نريد أن ندري

لتحميل المقال اضغط هنا

Romany Joseph
2nd March 2011
Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in تميز الأمور المتخالفة and tagged , . Bookmark the permalink.

10 Responses to مهاربنا من الحق خلال الحوار

  1. Pingback: ثنائية الحق والباطل | Romanyjoseph's Blog

  2. Marina Ramzy says:

    المهرب التاني – الإختلاف للبنيان
    وفي الغالب, صديقنا يري يفسر هذه الأية بطريقته الخاصة, ويطلق علي اتجاهين معاكسين متناقضين إسم إختلاف بنيان, لأنه عجز عن تغيير وجهة نظرك, ولا يريد أن يغير وجهة نظره, وما الحياة الا رؤي ووجهات نظر.

    I need more clariffication regarding this point, coz I really may say it like this: in the same issue we have two different points of view and we discusse so any of us can convience the other but at the end may be non of us is convienced with the other’s point. At the end maybe God uses these diffrenciation by his good way. So. when could be this ( e5tlaf) is a scape gate and when it’s ( lel bonyan)

    • RomanyJoseph says:

      في رأيي إن الاختلاف اللي ينفع نسميه تحزب وإنشقاق هو إختلاف في حق كتابي واضح, او ينفع يوضح لو ركزنا في الكلمة, الله فصل فيه بين النور والضلمة في أمور كتير
      يعني مثلا الموت والحياة, النعمة والناموس, النور والظلمة, دي أمور عكس بعض وما تتفقش
      والكتاب بيتكلم عن امور متخالفة, يعني إتجاهات عكس بعض, ما ينفعش نقول عليهم زي بعض, لكن ينفع نفهمهم الفروق بينهم
      اكبر مثال, هو مثال الإضطهاد والتاديب, ما ينفعش نقول عليهم مش فارقين اوي لان الاتنين ضيق وتعب
      او مثلا مرحلة الطفولة الروحية, والنضج الروحي, هما مرحلتين مختلفتين تماما
      لو خلطنا بين الامور دي, دا ما بيكنش اختلاف للبنيان
      مرة واحد صاحبي قال جملة ظريفة, قال تخيل إن يونان اما بلعه الحوت سمي دي أتعاب خدمة
      وقال دي وجهة نظري, إنت بتسمي دا تاديب, إنت حر
      للاسف, لما نختلف إختلاف تحزب وإنشقاق, ساعتها بيكون عايزين حاجة تريحنا, او علي مزاجنا

      • Marina Ramzy says:

        mesh 3aref ya Romany ana 7assa en el mawdo3 dah vague shewaya ymken ana fehmy 3ala addy. Enta betetklem fe 7agat 7asa enaha momken teban shewaya laken for example ana ba5tlef ma3ak fe weghat nazar aw ro2ya lemawade3 enta betetr7ha hal neshof dah e5tlaf lel bonyan wala neshof dah ta7zob we herob men el 7ewar?!! enta momken teshof 7aga men wegeht nazarak sa7 we 3andak adela leha ana momken ashofa laa mesh sa7ha we 3andy adela leha eh el 7akem aw el faysal as it’s said fe 7aga zay keda?!!

        • RomanyJoseph says:

          انا معاكي إنه موضوع صعب
          لان الامور بتكون مختلفه, وكمان الأشخاص بتكون مختلفه
          لكن ليمكن لو بنتكلم عن موضوع ثابت, وبنتشارك بعمق, بيبان الاختلاف اللي للبنيان, وبيبان التحزب اللي بيهدم
          غالبا التحزب والإنشقاق بيكون لإتجاهين عكس بعض تماما, بيمزق الجسد, واحد منهم عكس التاني, وضده
          يمكن يكون فيهم واحد صح, يمكن يكون الاتينين غلط, لكن ما اظنش إن الاتنين صح

          اما إختلاف البنيان بيكمل بعض ادورا مختلفه لاشخاص مختلفه, المبدأ واحد والجوهر واحد
          لو بنتكلم بأمثلة, اعتقد هايكون الموضوع أوضح
          ابسطها, مثال الضيق اللي بيمر بيه المسيحين, دا تأديب, ولا إضطاد

  3. Pingback: كواليس لقاء الأنبا بيشوي والرئيس مرسي | Romanyjoseph's Blog

  4. Pingback: كواليس لقاء الأنبا بيشوي والرئيس مرسي | Romanyjoseph's Blog

  5. Pingback: كواليس لقاء الأنبا بيشوي والرئيس مرسي | Romanyjoseph's Blog

  6. Pingback: عبادة الأشخاص وتأليه الأفراد | Romanyjoseph's Blog

  7. Pingback: لا تدينوا بائع الطعام الفاسد.. | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s