أمور تلخبط | 4 | في الجهاد

قال لي أحد أصدقائي الأعزاء المستنيرين, أنه ما إن تخطر كلمة “الجهاد” في ذهنه, حتي ترتسم صورة شخص يتصبب عرقاً, يبذل مجهود خرافي في أمر ما, قال لي ذلك ليوضح لي كيفية وجود مفاهيم مشوهة في أعماقنا.

حقا, فالكثيرون يتكلمون عن الجهاد بطرق كثيرة, والإنطباع السائد عند كثيرين أنه بذل مجهود أكثر, وتضحيات أكبر, أو مزيد من الإخلاص والتفاني في الحياة الروحية, أو إمتناع عن خطايا وأمور أحبها.

أعتقد أن هذا مفهوم سطحي يتركز علي التصرفات الخارجية, بينما دائما وأبدا, الله ينظر ويفحص ويريد ما في داخل القلب كي يستقيم ما يخرج منه, وليس العكس.

لو ذهبنا الي ذكر الجهاد في الكتاب المقدس, سنجد أنه في أغلب المواضع التي ذكر فيها الجهاد, كان مرتبط بالإيمان في نفس الاية:

جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَنَ، وَأَمْسِكْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي إِلَيْهَا دُعِيتَ أَيْضاً، وَاعْتَرَفْتَ الاِعْتِرَافَ الْحَسَنَ أَمَامَ شُهُودٍ كَثِيرِينَ.(1تي 6 : 12)

وأيات اخري أقل تتكلم عن الجهاد ضد تحديات الخدمة ونشر رسالة الانجيل, ولعل تلك التي يتم تعميمها وتعطي الإنطباع المنقوص, وننظر إليها علي أنها هي جوهر الموضوع, مع إنها نتيجة الإيمان والحياة الجديدة, فجهاد الايمان هو سر الطاقة والمحرك لكل الامور الاخري.

لذا وجب علينا تعريف الايمان قبل التكلم عن جهاد الإيمان.
إن الايمان هو ببساطة التصديق في أمر ما, إنه القناعات التي يتحرك بها الشخص في حياته, سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة, حيث أن من يفجر نفسه منتظرا دخول الجنة بعد ذلك العمل, هو شخص مؤمن بذلك, حتي أنه من كثرة تصديقه وإيمانه, قبل أن يموت ميتة بشعة, سواء إختلفنا معه أم وافقناه.

ومن هنا, نفهم أن الجهاد الإيماني, هو أن اصارع مع أفكاري وقناعاتي وأرفض الخاطئ والبشري منها, واستبدله بقناعاتي حسب فكر الله ومشيئته وروحة الذي يعلنه لي.

يا تري, ما هو جهاد إبراهيم وهو ينوي أن يذبح إبنه؟
لقد كان جهاداً إيمانياً بحتا, لقد قاوم أفكار في أعماقة ضد صلاح الله ومحبته, وجاهد لكي يثق أن ما يقوله الله هو أمر سليم, حتي لو قال المنطق ما عكس ذلك , كان كله جهاد إيماني بحت.

ما هو جهاده حين قال له الله أنه سينجب؟ لقد رفض المنطق البشري الذي يقول أنه عقيم وكبير في السن, وصدق الله علي خلاف الرجاء, وكان ذلك هو الجهاد.

ما هو جهاد بولس, الذي جعله أكثر شخص تصور فيه المسيح بين دفتي الكتاب المقدس؟
لقد جاهد ضد قناعاته أن الناموس والفكر اليهودي هما مصدر الخلاص, وبدلها بقناعات أن الخلاص كله من المسيح وبالمسيح, حتي أن معلم الناموس وقف يحارب الناموس, بينما من تتلمذوا علي يد المسيحلم يحاربوا الناموس بقوته

ليس الموضوع بسيطاً أو سهلاً, هل تتخيلوا, أنه جاهد ضد كلمة الله التي لا يعرف غيرها, والتي يقول كل المنطق والعقل أنها من الله, ويجب أن نتبعها كما تبعها الأباء.
أكرر الكلمة, لقد جاهد ضد الكلمة المكتوبة التي يحيا لأجلها هو وأبائه لألاف السنين, الكلمة التي لها القدسية والهيبة والتوقير والجلال!

لماذا؟ ليقبل رسالة غير مكتوبة, غريبة, غير متوقعة, عكس كل فكر معتاد ومألوف, لكنها معلنه لله؟

اكررها, رسالة غير مكتوبة, فلم يكن هناك إنجيل بين يديه كما الأن, لم يكن كثيرون يثقوا ويمجدوا ويقدسوا انجيل مكتوب ومشروح ومفسر ومعترف بصحته,لم يكن كل هذا عنده, فقط بشارة المسيح المفرحة, التي تجلعه ينظر للناموس كأنه مؤدب, ومؤدي للمسيح, ويعيد قرائه كل العهد القديم بطريقة عكس ما كان يؤمن بها.

أي جهاد هذا؟ وأي إيمان هذا؟ بالحقيقية تعجز الكلمات عن وصفه وتخيله.

كان ذلك هو جهادة, أنه تخلص من خلفيته بصور لم يفعلها أحد من قبله بتلك القوة, أمات ذاته بكل قوة, فكانت نتائج ذلك الجهاد الإيماني العظيم, أن حياته تصور فيه المسيح صورة لم تظهر في شخص نعرفه من قبل, شخص رفض أفكاره السابقة وقناعاته القديمة بكل قوة, فقبل المسيح والحياة الجديدة بنفس القوة.

الجهاد جذره هو جهاد إيماني, هو أن تسعي لكي تغير قناعاتك الفكرية ورؤيتك,نحو الله ونحو نفسك ونحو حياتك, أن تعرف أن افكار الله والحق الكتابي سيتصادم مع خلفياتك وقناعاتك, وجوهر جهادك, هو أن تحارب لتترك افكارك القديمة, ويتججد ذهنك بفكر الله, بالحقيقة يحسب ذلك موت وقيامة مع المسيح, فانت تميت ذاتك المتحصنة في أفكارك, ويحيا بدلاُ منها ما للمسيح والخليقة الجديدة.

ملحوظة: تغير الفكر والقناعات, ليس هدف أو نهاية طريق, بل هو بمثابة الخطوة الاولي لكي يتهيأ حدوث إستعلانات في حياة الانسان.

Romany Joseph
23th July 2011
 
 
Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in أمور تلخبط and tagged . Bookmark the permalink.

6 Responses to أمور تلخبط | 4 | في الجهاد

  1. Maged Lewis says:

    رائع كالعاده يا رومانى . . . ربنا يبارك حياتك و يبارك فى خدمتك و تعلمنا و تمتعنا و تفيدنا دايما برؤيتك و استنارتك و اعلان المسيح اللى جواك

    ربنا يباركك كمان مره

  2. rimadonna says:

    Dah mafhoum el touba el orthodoxeya elly howa ta3`yer afkarna tegah Rabena we tegah anfousna
    فإنه هوذا حزنكم هذا عينه بحسب مشيئة اللَّه كم أنشأ فيكم من الاجتهاددددددددددددددد”
    ،بل من الاحتجاج،بل من الغيظ، بل من الخوف،بل من الشوق،
    بل من الغيرة،بل من الانتقام، في كل شيء أظهرتم أنفسكم أنكم أبرياء في هذا الأمر”

  3. Marina Ramzy says:

    ooooooffffffffff very hard shout seriously
    مقاله جامده جداً يا روماني و بتهز مفاهيم و قناعات كان الواحد واخدها كده مسلم بيها. عجبني جداً الجزء الخاص بالقديس بولس الرسول أحنا فعلاً بنظلمه جداً لما نقول انه كان يهودي متشدد ظهر لبه المسيح و راح العربيه أخد تلات سنين خلوه رجع بولس الرسول. :))
    طبعاً كالعاده أنا هسرق منك شويت حاجات :)) بس انا عندي سؤال طفولي شويه:
    “الجهاد جذره هو جهاد إيماني, هو أن تسعي لكي تغير قناعاتك الفكرية ورؤيتك,نحو الله ونحو نفسك ونحو حياتك, أن تعرف أن افكار الله والحق الكتابي سيتصادم مع خلفياتك وقناعاتك, وجوهر جهادك, هو أن تحارب لتترك افكارك القديمة, ويتججد ذهنك بفكر الله, بالحقيقة يحسب ذلك موت وقيامة مع المسيح, فانت تميت ذاتك المتحصنة في أفكارك, ويحيا بدلاُ منها ما للمسيح والخليقة الجديدة.”

    طيب الكلام ده جميل بس ارجع بقي لورا خطوه, أزاي أقبل او أعرف أصلاً ان قناعتي الفكريه نحوالله….. ليست هي الحق الألهي الحقيقي؟ يعني شاول كان يظن ان الذي يتبعه هو الحق الألهي الصحيح و لكن ربنا كشفله الصح و هو بعد كده كمل. هل معني كده أن أحنا لازم نستني أعلان الله لينا؟؟

    • RomanyJoseph says:

      شكر مارينا لاسئلتك الحلوة جدا
      فعلا, هاعرف الحق ازاي؟
      هتلاقي مليون راأي
      رأي يقول الاباء والكتاب المقدس,
      رأي يقول الكتاب فقط
      ورأي يقول الروح القدس واعلاناته

      انا باشوف المفتاح هو المشيئة
      هو انا عايز إيه
      الله لن يعلن امر ولن يعرفني حق, وانا مش عايز اعمله
      من اروع الايات الل باحبها
      ان شاء احد ان يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله ام اتكلم انا من نفسي (يو 7 : 17)
      كل ما امتحن مشئتي, هاعرف الحق, والحق هايحررني

  4. Pingback: بين الإستماع والذبيحة | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s