أيهما تريد ملكاً علي حياتك؟

يُحكَي أن هناك بلدة، لها ملك يحكم شعبها, وكان ذلك الشعب يعيش حياته معتمداً علي الزراعة والرعي, يعمل ويكدح من أجل تدبير حياته، حيث يجب العمل بجد من أجل توفير مستلزمات الحياة، ويواجهه أخطار الحياة وتحدياتها، متمثلة في تقلبات الجو والفياضانات مرة، والجفاف مرة، والبراكين والزلازل مرة، وفوق كل هذا، هجوم القبائل التي تحيا حول البلاد من أجل نهب ممتلكات هؤلاء المساكين… وبين صعاب الحياة الكثيرة، ومتطلبات المعيشة وكثرتها من ناحية، والأخطار والأهوال المحيطة بهم من ناحية اخري، كانت حياتهم وسط كل ذلك كله مملؤة بوس وشقاء، ألم وتعب، خوف وعدم سلام.

وإن حدث وكان هناك ومضات سعادة وفرح, كانوا في أعماقهم يثقون أنها لا ولن تدوم,  وكيف تدوم وهو فهم في صراع دائم المجهول, ومع متطلبات الحياة التي لا ترحم, كيف تدوم الفرحة وهم مطحونين بين شقي الرحا؟ حيث لا مجال لالتقاط الانفاس, فضربات الحياة تتوالي, وبين كل ضربة وضربة, يجلس الانسان خائفًا, متوقعا الضربة التالية, والقادمة لا محالة.

 وسط كل ذلك, كان الملك يعيش في قصر عال وعظيم الفخامة, يتنعم كل يوم بكل الملذات, ويتابع حال شعبه, ويرسل لهم المعونات احياناً ليخفف من الحال عليهم.

فتارة يرسل جنودة لتدافع عنهم ضد هجمات القبائل, وتارة يرسل لهم الطعام والماء مع رسله في مواسم الجفاف, وتارة يتاخر عليهم في المساعدة, فتحدث خسائر, وتارة لا يستجيب علي الاطلاق, فتحدث كوراث. 

كان الشعب يحب الملك, ولكنه لم يراه ولو مرة واحدة, وكانوا يثقون به, ولكن, الطريقة التي يتعامل بها معهم كانت غامضة, فهم لا يعرفون متي سيساعدهم, ومتي سيتاخر, ومتي سيتركهم, وكان ذلك الغموض سببا في أن يبقي خوفهم الدائم من المجهول الذي ينتظرهم, ومن الحياة التي تسحقهم.

 ولأن الملك يعتبر طوق النجاة في حياة هم أضعف من مواجهتها, بدأ الشعب يحاول أن يفسر أسباب إستجابة الملك, أو عدم إستجابته, فلم لا يساعدهم الي الأبد, مادام يملك القوة لفعل ذلك؟ ولم يتوصلوا إلا الي إجابة واحدة بدت منطقية, إلا وهي أنه يستجيب حين يكون راضي عنهم, ويتركهم حين يغضبوه ويضايقوه, ولأنه أملهم الموحيد, بدأوا يحرصون كل الحرص علي أن يرضوه بشتي الطرق, وتجنبوا كل ما يغضبه, فبدأوا  يضعون تصورات لأسباب رضاه وغضبه, وبدأت التصورات تأخذ حيذ التنفيذ.

إهتمام بنظافة قصره, وما حول قصره, عدم القيام بأي ضجة قد تزعجة, إعطائه بعض من حصاد المحاصيل بصفة دورية, وهكذا إجتهد الشعب في إرضاه الملك. 

بالغوا في التفكير في كيفيه إرضائه, وبعد أن كانوا ينتظروا أن تجلب عليهم محاولات أرضائه السلام الداخلي, أصبحت سبب قلق وتوتر, فماذا لو كانوا مقصرين, وماذا لو لم يكونوا علي المستوي المطلوب؟

 للأسف, لم يتغير الحال, ولم يتغير إتجاه الملك نحوهم, فمرة يستجيب, ومرة يتركهم, وهكذا, أصبح الأمر أكثر غموضا, وأكثر حملا من ذي قبل, وزادت حيرة الشعب أكثر وأكثر.

 ولأنهم إختاروا ذلك الطريق, فلم يهديهم فكرهم, إلا أنه مازال غير راضي, ومازال هناك المزيد الذي يجب فعله لكي يرضونه, فما كان منهم إلا أنهم تفننوا في إرضائة أكثر وأكثر, أملا في أن يمنحهم السلام الدائم الذي طالما حلموا به, ويبعد عن أنفسهم ذلك الخوف البغيض، حتي راحو يستنتجون الأمور التي من الممكن ان تضايق الملك، وشرعوا وسنوا قوانين لعقوبة مَن يفعل تلك الأفعال لعله يرضي عنهم.

 ولم تنتج تلك الدائرة الا مزيد من الأحمال والأثقال, بل أن الخوف تطور مع الوقت, فبدأوا يخافوا من أن يبطش الملك بهم من بسبب تقصيرهم في إرضائه, وهكذا, عاش الشعب حياته معذباً في عبودية الخوف من الخارج والداخل, وفقدت الحياة كل فرح ومعني, فسيطر الرعب والَهم علي القلوب اينما تحركوا, ومهما فعلوا.

 

وفي بدلة أخري, تمر بنفس الظروف تماما, ولكن ملكها شخص مختلف, فهو ليس مثل الملك الأول الذي كانت حكمته وقوته في قصره وممتلكاته وأمواله وجنوده, يقذف بهم الي الشعب حينما يحلوا له.

 كلا, لقد كان ملك تلك البلدة مختلف تماما, انه بالحقيقة مملؤ قوة وحكمة وسلطان, قوته كانت في داخله, وليست في الاشياء التي يمتلكها.فالملك الحقيقي, هو من يكون بكامل قوته وقدرته, حتي إذا جُرد من كل ممتكاته  وسلطته الخارجة عنه, من جيوش وأموال وقوات وخدم وعبيد, وبقي وحده ليس معه إلا ما يملكه داخل نفسه, فقيمته الحقيقيه في نفسه.

ولأن ذلك الملك يعلم بالحقيقة من هو, ويعلم أن قوته في نفسه وليست في ما يملك وما يقتني, قرر ذلك الملك أن ينزل بنفسه, متخليا عن كل مظاهر ملكه, وكل ممتلكاته, لأنه أراد أن يعطي شعبه الذي يحبه أعظم ما يملك, يعطي نفسه وذاته, التي بها يحصلون علي حلمهم, السلام والفرح الدائمين.

 وفعلا, نزل الملك في ثياب عادية جداً, مثله مثل اي شخص منهم, حتي أن بعضهم لم يعرفوه, أما هو, فلم يهتم بردود الأفعال كثيراً, فقد كان هدفه, أن يكون وسط شعبه, وأن يعطيهم القوة التي يحتاجونها كي يواجهوا الحياة بكل ما فيها.

وبالفعل, كان وجود الملك وسطهم بمثابة روح جديدية انبعثت في وسطهم, فبدأوا يستشعرون السلام والراحة حين بدأ يكلمهم عن نفسه, وعن حبه لهم, وعن سبب وجوده وسطهم, كي يكون هو مصدر القوة التي يحتاجوها.

 وزاد السلام والأمان حين بدأ يساعدهم فيما يواجهون من تحديات واهوال ومصاعب, فحين تكون اعمالهم ناقصة ومملؤة تقصير يتدخل هو بقدرته الفائقة في تحويل فشلهم الي نجاح, وحين ياتي الأعداء يحارب عنهم بقوته الرهيبة التي تقهر جيوش.

 إكتسبت الحياة معني جديدا, حين كان هناك ملكا يتفاعل مع شعبه, ملك حقيقي يعلم أن الملك هو من يشترك ومن يحمي من يحتاجون إليه, الملك هو من يعطي حياته لشعبه, يمنحم بحبه كل ما له, لا يطلب منهم وهم فقراء ومساكين.

 

والآن
إن كانت الحياة تتلاعب بك
إن تشعر أنك عاجز لا قوة لك
خائف ومرتعب من المجهول دوما, وتحارب خوفك بلا أمل
تفتقد الفرح والسلام,  وتمتلي من الحيرة والارتباك
تائهه في ارض, نفسك ذائبة, تنتظر معين, لاتعلم ان كان سيأتي أم لا
تسيطر عليك فكرة توقع العقاب, أو وجود العقاب دئما بسبب تقصيرك
فإعلم, أنك في الغالب قد رسمت صورة من خيالك, لملك ولإله مشوه تتبعه
ع
زله خيالك وقلبك عن البشر, بينما هو أبعد ما يكون عن ذلك
فرحت تتوه في دنيا الإستنتاجات, وتبحث كيف ترضيه
وأنت لك كل القبول والحب والمساندة منه
رفعت عينك للسماء  التي تفصلك عنه, وتمنيت أن تتخطاها
وأكلتك الحسرة, لأن ذلك مستحيل
بينما هو واقف بجوارك وأنت لا تعلم, وساكن في قلبك وأنت لا تدري
فهل أتي الوقت لتختار من تريده أن يكون ملكاً علي حياتك؟

Romany Joseph
27th July 2011
Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in قصص قصيرة, مقالات روحية and tagged . Bookmark the permalink.

15 Responses to أيهما تريد ملكاً علي حياتك؟

  1. روعة روعة روعة…ربنا يبارك حياتك بجد…كل يوم بقرا فيه مقالة من مقالاتك بتعلم منها كتيــر!!ا

    • RomanyJoseph says:

      ربنا يباركك يا مايكل, ويملانا من النعمة اللي بتتكلم بلسانا بكلام حياتنا تشهد إنه عمره ما كان جوانا ابدا
      ونفرح مع بولس ونقول, ليس انا, بل نعمة الله

  2. Marina Ramzy says:

    God Bless You Romany, you explained your point by a very amazing simple wonderful story, May God enrich you more and more by his blessings so you spread this to all.

  3. Marina Francis says:

    فضربات الحياة تتوالي
    و دي تبقى حياة اللي كلها ضربات
    حقيقي ابليس مولى قاسي

    كان “وجود الملك” وسطهم بمثابة روح جديدية انبعثت في وسطهم
    وجوده بس

    رفعت عينك للسماء التي تفصلك عنه, وتمنيت أن تتخطاها
    وأكلتك الحسرة, لأن ذلك مستحيل
    جميلة اوووووووووووووووووووووووووووووووووووووي

    • Marina Francis says:

      كلا, لقد كان ملك تلك البلدة مختلف تماما, انه بالحقيقة مملؤ قوة وحكمة وسلطان, قوته كانت في داخله, وليست في الاشياء التي يمتلكها.فالملك الحقيقي, هو من يكون بكامل قوته وقدرته, حتي إذا جُرد من كل ممتكاته وسلطته الخارجة عنه, من جيوش وأموال وقوات وخدم وعبيد, وبقي وحده ليس معه إلا ما يملكه داخل نفسه, فقيمته الحقيقيه في نفسه.

      i have always about this point when i thought of presidents 🙂 will he be able to stay alive if all the body guards left him alone

      • Marina Francis says:

        i have always thought about this point when i thought of presidents 🙂 will he be able to stay alive if all the body guards left him alone

    • Marina Francis says:

      كلا, لقد كان ملك تلك البلدة مختلف تماما, انه بالحقيقة مملؤ قوة وحكمة وسلطان, قوته كانت في داخله, وليست في الاشياء التي يمتلكها.فالملك الحقيقي, هو من يكون بكامل قوته وقدرته, حتي إذا جُرد من كل ممتكاته وسلطته الخارجة عنه, من جيوش وأموال وقوات وخدم وعبيد, وبقي وحده ليس معه إلا ما يملكه داخل نفسه, فقيمته الحقيقيه في نفسه.

      i have always thought about this point when i thought of presidents 🙂 will he be able to stay alive if all the body guards left him alone

  4. Pingback: من لمس هدب الثوب…لقبلات الزواج | Romanyjoseph's Blog

  5. فاذ قد تشارك الاولاد في اللحم والدم اشترك هو ايضا كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت اي ابليس 15 ويعتق اولئك الذين خوفا من الموت كانوا جميعا كل حياتهم تحت العبودية

  6. Pingback: عبادة الأشخاص وتأليه الأفراد | Romanyjoseph's Blog

  7. Pingback: في التجسد | 1 | تجاهل إنسانية يسوع | Romanyjoseph's Blog

  8. Pingback: من لمس هدب الثوب…لقبلات الزواج | Romanyjoseph's Blog

  9. مقال رائع..قمت بنشره..ربنا يباركك اكثر واكثر لتكتب عنه اكثر واكثر

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s