أمور تلخبط | 5 | في التواضع

التواضع من أهم الصفات التي بدونها يسقط الإنسان, فعكسها الكبرياء, وهو سر السقوط الشهير, فكل مؤمن يعرف أنه يجب أن يتواضع ولا يحسب نفسه أفضل من الاخرين.

المفهوم السائد في التواضع, والذي يحاول الكثيرين أن يحيوه, هو أن ينظر الانسان نفسه كأنه لا شئ, ويكفي النظر لخطيته وفساده وطبيعته الساقطة, لكي يحسب نفسه لا شئ وعدم.
حسنا, قد يكون ذلك دافع جيد للتوبة والتغيير, لكن, أهذا هو مفهوم التواضع حقاً؟ أن تكون لاشئ وتحيا كأنك لا شئ, أليس ذلك هو معرفة لحقيقتك؟ أما التواضع, فهو أن تتنازل من مكانة عليا لمكانة أقل طوعاً واختياراً؟
الا يخوننا ذلك المنهج كثيرا؟ ونجد أنفسنا نتكبر ونتعالي ونرفض أن نبذل لأجل الأخرين, لأننا في أعماق قلوبنا النجسة نحتسب حياتنا ثمينة أكثر منهم؟

لذا وجب علينا الكلام بطريقه الله, ومن كلمة الله, اللي بتعمل “لخبطة”, طريقة المسيح, وخصوصا, أن المسيح نفسه قال:

اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. (مت 11 : 29)

كيف تواضع المسيح وكيف نتواضع نحن, لنري كيف شرح بولس الرسول تواضع المسيح:

لاَ شَيْئاً بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضاً. فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضاً: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ اسْماً فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ. (في 2: 3 – 11)

تتكلم الأيات, أن المسيح الذي ولد من الأب وأعطي له الأب ذاته وكامل كيانه (مولود من الأب قبل كل الدهور), لم يحسب ذلك غنيمة يجب الفوز والإحتفاظ بها وعدم تركها (إجماع تفسير الجملة الصعبة: لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله), بل أخلي نفسه ليحيا بالحقيقة كعبد (جوهر الفقرة أن كلمة صورة الله”عدد 6″, وصورة عبد “عدد 7”, تعني بالحقيقة إله حامل كل طبيعة الالوهة, وبالحقيقة عبد حامل كل طبيعة العبد, وذلك حدث بالتجسد)
المرجع – كتاب أنشودة التجسد – الأب متي المسكين

كانت هذه الفقرة هي من أهم فقرات الإيمان المسيحي في الكنيسة الأولي, فهي تلخص عمل المسيح وحياته, وتضع شرح لكيفة التعلم من المسيح ومن التواضع الحقيقي الذي كان عنده.

لذا فالمفهوم الغريب جدا, والذي شرحه بولس حين أوصي أهل فيليبي بالتواضع, هو أن قال لهم أن يتعلموا الاخلاء, فليس مفهوم التواضع في المسيحية أن تري نفسك لا شئ وخاطئ, هذا امر نافع وحقيقي لكنه من مقومات التوبة.

أما التواضع الحقيقي المستمد من المسيح, هو أن يكون المسيح يعطيك ذاته كما أعطاه الأب ذاته, وأن يعطيك طبيعته التي قام بها لتكون أخ له حامل سماته, لكنك لا تحسب ذلك الأمر غنيمة ينبغي الإحتفاظ بها, بل تخلي نفسك وتحيا كعبد وتبذل ذاتك وحياه المسيح التي فيك لأجل الأخرين.

لنفحص بهدؤ وتعقل أعماق قلوبنا, لن تستطيع أن تحسب الأخرين أفضل منك بسبب أنك خاطئ ولا شئ, فهذا وضع إجباري وليس إختياري, كالتلميذ البليد في فصل متفوقين, ثم ماذا سيحدث لو قدسك المسيح وإستعلن فيك أكثر من الأخرين (وحتما سيحدث ذلك خلال تقديسه لك), ألن تكون النتيجة الطبيعية إن تفقد التواضع المبني علي أنك لا شئ وفاسد؟ ألن تقد ذلك التواضع المبني علي المقارنة مع الاخرين؟

إن التواضع صفة من صفات طبيعة الله, لا تحتاج أن تفتعل أو تضغط علي نفسك لكي تتواضع, لكن ما إن تمتلئ من المسيح, ستجد طبيعة الإخلاء والحياة كعبد للأخرين تتحرك بداخلك, ولا تحسب نفسك شيئاً, وتحسبهم أفضل منك كما قال بولس الرسول

مفهوم مخيف حقاً, إن طريق التواضع يكون بالإمتلاء بالمسيح وتصور حياته فينا, ثم عدم إحساب النعمة حلول المسيح كأمر ينبغي الإحتفاظ به والحياه في الأعالي منفصلين عن الأخرين, لكنه كلما تصور المسيح, يخلي الإنسان ذاته ويتواضع ويحسب الاخرين أفضل من نفسه, فهم صوره الله, وياللعجب, فهذا ما كان في قلب المسيح نحونا, أنه حسبنا أفضل منه, حسبنا إخوة وصورة له تستحق أن يضحي بنفسه من أجلها لكي يرجعها لمكانتها في السماويات, ولولا ذلك القلب, لكان تجسده وموته وحلمه لخطيتنا غير مبرر, وكان غسيله لارجلنا تمثيلية هزلية.

نعم حسب أنفسنا الساقطة أفضل منه, هكذا تقول الأيات, فهو كان ناظراً الي ما لا يري في قلب الأب نحونا, قبل الأزمنة, ولو أخذ هذا الكلام بالجسد والفكر البشري والطبيعةاالساقطة , لصنع كبرياء, وحسب كهرطقة , فمن يرفضون الصليب يرفضون لاهوت الحب, محاولين الحفاظ علي هيبة الله بكبرياء, وأعتقد أن من يرفض هذا الاعلان من الحب في الأيات يفعل مثلهم, فيقول : هو الله بيحبنا, بس مش للدرجة دي.

هذه الأيات لو أُخذ بالروح, ستجعلك تبكي وتنهار من الحب, وأنت تري المسيح يفكر نحونا هكذا, وتجري تبذل نفسك وحياتك فرحاً راضياً لأجل الكل, حاسبهم أفضل منك من قلبك, الذي هو من قلب المسيح.

يا ليت عيوننا تنفتح علي قلب الله الابوي, وتواضعه الحقيقي, الذي يذهل العقول والقلوب ويسبيها,فلاجلنا حسب نفسه لاشئ من قلبه ونزل من السماء كي يرفعنا, وكلما رفعنا, تنازلنا وحملنا رسالته في قلوبنا, ورفعنا نحن أيضا اولاده حاسبين أنهم أفضل منا

Romany Joseph
27th July 2011
Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in أمور تلخبط and tagged . Bookmark the permalink.

4 Responses to أمور تلخبط | 5 | في التواضع

  1. أشعر أنه كثرة إن الانسان يقول أنا لا شئ بعد أن أستقبل عمل النعمة و بر المسيح كمن يقول أنا ((أعظم)) المتواضعيــن…و هى الخدعة الأعظم فى رأيى!!!ا

  2. Pingback: نجاسة إسمها تكفير الأخر | Romanyjoseph's Blog

  3. Marina Francis says:

    لنفحص بهدؤ وتعقل أعماق قلوبنا, لن تستطيع أن تحسب الأخرين أفضل منك بسبب أنك خاطئ ولا شئ, فهذا وضع إجباري وليس إختياري, كالتلميذ البليد في فصل متفوقين, ثم ماذا سيحدث لو قدسك المسيح وإستعلن فيك أكثر من الأخرين (وحتما سيحدث ذلك خلال تقديسه لك), ألن تكون النتيجة الطبيعية إن تفقد التواضع المبني علي أنك لا شئ وفاسد؟ ألن تقد ذلك التواضع المبني علي المقارنة مع الاخرين؟
    loveeeeeeeeeeeee

    may be da 3aks el 7eta el ana katbaha bas ya3i fi 7ad mara 2al 7aga 3agabtni
    لا تحاول ان تتواضع فانت وضيع فعلا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s