صغير وكبير | 1 | الصراع

فَقَالَ لَهَا الرَّبُّ: «فِي بَطْنِكِ امَّتَانِ وَمِنْ احْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ»(تك  25 :  23)

 

في داخلي كلاهما وفي أحشائي يرقدان, وحولي كلاهما وفي أحشاء الأخرين أيضا يسكنان!
يعقوب وعيسو, اسحق وإسماعيل, داود وشاول… صغير و…كبير

بداخلي الصغير, ذلك النقي البرئ, المحب والمنفتح علي ملكوت الله, صاحب الإعلانات, لا المعلومات, إبن الحكمة السماوية, لا الأرضية, السالك بالروح بهدوء وثبات, الذي لا يبغي ولا يشتهي سوي الحب, والحب وحده, الذي ببرائته يشتهي أن يتشارك مع إخوته في كل شئ, ويتمني أن يسمعهم وأن يسمعوه, ويكلمونه وينصتوا اليه, فهو يشتهي بنقاء أن يأخذ مساحته ليحبهم, وليُحبوه, فهو ليس  غبياً, أو مظلم الفكر, أو منطفئ الروح, بل هو بالحقيقة طفل مقبول في ملكوت الله, بل ومعلن له أمور مخفية عن الحكماء (لو  10 :  21), ويشتهي أن يري ذلك القبول في أعين إخوته, أولاد الله.

لكن الكبار الذين حولي يقفون متشامخين, منتفخين, يرونه محتقراً ومخزولاً,  لا يعتدوا به (اش  53 :  3) , فهو صغير مرفوض, لا صوره له ولا جمال (اش  53 :  2), يقيمونه ويراقبونه ويفحصونه بحذر (مر  3 :  2), ثم يرفضونه, فمعرفتهم المنتفخة تشفق عليه وعلي حماقته, وتهزأ من أحلامه, ثم تدريجيا تلومه علي رؤيته. ثم أخيراُ تدينه, وتصلبهً خارج المحلة.

وبداخلي الكبير, ذلك الفاسد المتلون, محب الظهور, عاشق المتكأ الأول, الذي له صورة التقوي بينما قلبه ينكر قوتها, الواثق بنفسه بمنتهي العمي والغرور, الذي يرفض الأخرين, الذين يرونه كبير ويتمنون أن يقبلهم ويحتويهم, لكنه ينتقم لما يفعله  الكبار في صغيري, ويقف كبيري متعالياُ أمام الصغار الأخرين الأبرياء, يعلمهم ويحاول بغطرسة فرض  شخصيته عليهم, ويسحقهم سحقا, ويمحو رؤيتهم لو إختلفت ولو قيد أنمله عما يراه.

الصغير مجروح, ينمو ويقوي ويمتلئ بالروح (لو  1 :  80) , لكنه لا يصدق أنه يكبر, فالكبار من حوله يكذبوه, ويستضعفوه,ويلفظونه خارجاً (عب  13 :  13), وإبتسامات أفواههم الساخرة تمزقه تمزيقاً, فيتوهم أنه في الظلمة وهو مملؤ نور, وينسحب تدريجياً, حزيناً, كئيباُ, يشك في نفسه, وفي صوت النور الذي في داخله,ويرقد في القبر, بعد أن صلبوه, وببرأته وطفولته, لا يعلم أنه قيامته ستأتي.

والكبير يقف واثقاً هادئا, مطمئناً, يتحرك برصانه وقوة, يكمل مشوار حياته ذي الإنجازات العظيمة, يحتفل بإزاحة الصغار من طريق الملكوت العظيم, ويشكر الله أنه صلبهم لكي لا تعاق رسالة الحق بسبب كفرهم وظلمتهم وشرهم, سحقهم سحقاُ لكي يضمن تماماً انهم لا يعودوا يتكلمون بهرطقاتهم الفاسدة.

وَلَكِنْ كَمَا كَانَ حِينَئِذٍ الَّذِي وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ (الكبير) يَضْطَهِدُ الَّذِي حَسَبَ الرُّوحِ (الصغير)، هَكَذَا الآنَ أَيْضاً. (غلا 5: 29)

وتمر السنون, والمشهد بالعين المجردة دائماً محبط, الكبير متسلط,لابس ملابسه الأنيقة ذات أهداب (مت  23 :  5), معتلي الصفوف الأولي, يحصد التحيات ويجلس في المتكأ الأول (لو  20 :  46), يقرر ويحرك ويأمر وينهي ويبطش, كل كلمة خارجة من فمه هي الحق وكل حق, فهو النسر السماوي المحلق, الكبير الذي لا يخطئ, المعصوم, شريك السماء والإلهيات, الذي يحيا للأبد وإن مات.


بينما الصغير النقي محتقر, لباسه هو العري (مت  27 :  28), مبصوق علي وجهه (مت  27 :  30), كل كلامه تجديف وجنون (يو  10 :  33), يضل الشعب  (يو  7 :  12), به شيطان (يو 8 : 48) ,مصلوب (مر 15 : 25) , ومملؤ جراح وإحباط, من اسفل القدم الى الراس ليس فيه صحة, (اش 1 : 6) متروك من الله ومن الناس (مت 27 : 46), وبعد قليل, مائت في قبر بغيض, بينما هم أحياء يستمتعون، لكنهم في التراب سيرقدون، والصغير في السماويات سيقوم.

لَكِنْ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟ «اطْرُدِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا(الكبير)، لأَنَّهُ لاَ يَرِثُ ابْنُ الْجَارِيَةِ مَعَ ابْنِ الْحُرَّةِ(الصغير)».إِذاً أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَسْنَا أَوْلاَدَ جَارِيَةٍ بَلْ أَوْلاَدُ الْحُرَّةِ. (غلا 4: 31)

صغيري …وصغيرهم
أخاطبك وأعلم أن الوصول إليك صعب, لكني أعلم أنك تسمعني
فحتي وأنت مختبئ في قبرك وتظن أنك مائت, أنا أعلم أنك حي
لا تخف, فقد ولدت لتحيا للأبد, ولن يقف أمام حياتك أي شئ
لا كبيري, ولا كبيرهم, بل وحتي الصليب والموت والقبر لن يهزموك
فحياتك كائنه في من غلب الموت, وغلب كل الكبار الأموات
فأنت حر في خالقك
, حتي إن كنت لا تدري
أنت منتصر, وغالب فيه, وإن كنت لا تري ذلك

 كبيري …وكبيرهم
أخاطبك وأعلم أنك سهل الوصول إليك, لكني أعلم أنك لن تسمعني
فحتي وأنت معتلي الصفوف الأولي وتظن أنك حي, أنا أعلم أنك مائت
أنت ماضي إلي الموت, وكلما مضي الزمان إنكشف عفنك وفسادك
فلا شئ يمكن أن يعطيك حياة,وأنت مائت ومهما كان مظهرك قويا, يستحيل أن تسود
فأنت مستعبد لذاتك, حتي إن كنت لا تدري
أنت مهزوم من الصغير المصلوب, وماضي للهلاك, وإن كنت لا تري ذلك

 
Romany Joseph
  2nd August 2011
 
Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in صغير وكبير and tagged . Bookmark the permalink.

11 Responses to صغير وكبير | 1 | الصراع

  1. Marina Ramzy says:

    وبداخلي الكبير, ذلك الفاسد المتلون, محب الظهور, عاشق المتكأ الأول, الذي له صورة التقوي بينما قلبه ينكر قوتها, الواثق بنفسه بمنتهي العمي والغرور, الذي يرفض الأخرين, الذين يرونه كبير ويتمنون أن يقبلهم ويحتويهم, لكنه ينتقم لما يفعله الكبار في صغيري, ويقف كبيري متعالياُ أمام الصغار الأخرين الأبرياء, يعلمهم ويحاول بغطرسة فرض شخصيته عليهم, وسحقهم سحقا, ومحو رؤيتهم لو إختلفت ولو قيد أنمله عما يراه.

    موجعه جداً الجزئيه دي تصور او تذكر أن هذا الكبير بداخلي تجعلني أفتش عنه لكي ابعده عن صغيري و صغيرهم, لكي لا ينتقم لصغيري و لا يضغط علي ضغيرهم. هذه الجزئيه صادمه لأنها حقيقيه فكما قلت أن كل منا به صغير و كبير و لكن أستعلان هذا الكبير بهذا الوضوح صادم ممكن لأننا لم نكن نراه بهذا ( القبح) أن جاز القول

  2. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات (1) – مقدمة | Romanyjoseph's Blog

  3. Pingback: صغير وكبير | 3 | الكبير | Romanyjoseph's Blog

  4. Pingback: صغير وكبير | 4 | الصغير | Romanyjoseph's Blog

  5. Pingback: حتمية مجئ شاول قبل داود | Romanyjoseph's Blog

  6. Marina Francis says:

    long and exhausting journery 😦

  7. Pingback: الإبن الأكبر… 2012 | Romanyjoseph's Blog

  8. Pingback: بين عرش الكرسي وعرش الصليب | Romanyjoseph's Blog

  9. Youhanna says:

    الله يا رومانى على الروعه والجماال والكلمااات الرائعه دى
    بجد فرقت معايا جداًً الله يباركككككككككك

  10. Pingback: وحدة الكنيسة لن تاتي من المقدمة | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s