كيف نميز التعليم الصحيح

في وقت إنتشرت فيه إتجاهات التعليم والتوجيه بطريقة لم تكون موجودة من قبل، وأصبحت كل المصادر والعلوم والمراجع متاحة أمام الجميع، ولم يعد هناك شيئاً يسمي حجب المعرفة.

في وقت أصبح كل شخص له الحق في أن يقول رأيه بحرية، وينشره، ويظهر إتجاهه، ويراه العالم كله لو أراد، فبسبب التكنولوجيا، أصبحت المعرفة والأراء متاحة كما لم يحدث من قبل، فأنت الان تجد معرفة ألالاف السنين ، وأراء الالاف البشر، كلها تحت أقدامك

في وقت إنتشرت فيه الصراعت والجدالات التعليمة كما لم يحدث من قبل، وخرجت الردود بين الفرق والطوائف والأديان، كل طرف يحاول أن يبرز صحة ما يتبناه، وينصح السامعين ويحزرهم من التوجهات المختلفه معه ويشجب التيارات المضادة له

كنا نظن أن ما سبق سيجعلنا نميز الحق ونعرفه ليحررنا، وإذ بنا نجد مزيد من التخبط والتوهان يجتاح أولاد الله المؤمنين، ويشتت من لم يدخلوا دائرة الإيمان بعد.

وسط كل هذا، أصبح أكثر سؤال يشغل بال الأمناء الباحثين عن المسيح هو: كيفية تمييز ومعرفة التعليم الصحيح؟
ونتسائل، هل هذه بركة، أم لعنه؟

إذا بحثت علي الانترنت، ستجد أن نتائج البحث عن كلمة “تعليم صحيح” بالعربية هي 36 مليون نتيجة، وبالانجليزية 289 مليون نتيجة، لو قمت بتصقح أشهرها تجده يتكلم عن التحليل المنطقي العلمي كحماية لتمييز للتعليم الصحيح.

ولو حاولت إستخلاص المسيحي منها، ستجدها كلها ستنصب علي تحليل وتعميق الدراسة في الكتاب المقدس، وفحص الكلمة وإعمال العقل، وستجد كل طائفة أو مجموعة بحسب توجهها، تحاول أن تضيف شيئا كمرجعية تساعد علي تمييز التعليم، مثل الابائيات عندنا نحن الأرثوذكس، أو تتمسك بالكتاب المقدس فقط وتشجب أي إتجاه أخر مثل بعض الطوائف الأخري، وبالطبع هنا مثال لنقطة جدل كبري وصراعات يحاول كل طرف فيها تفنيد رأي الآخر وشجبه والتحذير منه.

لذا، أعلم اني وأنا أكتب لن أضيف شيئاً جديدا, بل قديماً قدم الأزل، إني أنقب وأبحث عن سر المسيح، المن المخفي، الذي كثيراً ما نفقده وسط كل هذا  الكم من المعرفة, فلست باحثاً، ولست عالما، أنا شخص أسعي للوصول للعمق لذي لا ينفصل عن البساطة، وأعرف أن تمييز التعليم، مثله مثل أي شئ، شخصي بحت!

لذا، أنا سأتكلم عن أية واحدة قالها المخلص، سر لاهوتي معاش من أسرار تمييز التعليم، بصورة شخصية مستيكية، تربك الكثير من النظريات , وتبطل افواه كثيرة تاه عنها الشخص وفصلته عن كلامه.

وأريد أن الفت النظر قبل أن أبدأ تأمل الاية، أني لست ضد فحص الكلمة، ولا دراستها ولا اللهج بها، وما من مسيحي عاقل ومؤمن لا يعشق الكلمة، أو يقلل من شأنها، لكننا هنا نلفت النظر لامرين تكلم عليهم المسيح، ورفع شأنهم، ووضعهم قبل البحث والدراسة، بل وجعلهم شرطاً كما سنري.

يا تري، ما هي تلك الأية؟
إنها أية واحدة قالها المسيح

إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ (بالروح القدس) مَشِيئَتَهُ (أي الآب) يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ (تعليم المسيح) هَلْ هُوَ مِنَ اللَّهِ أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا (المسيح) مِنْ نَفْسِي (يو  7 :  17)

كعادة السيد المسيح، يتكلم دائما بصورة شخصية فهو يكلم كل واحد بإسمه، هل تريد، هل تشاء أن تعرف؟
إنه لا يرد مجموعة تنتمي لنظرية سليمه، إنه يريد أشخاص احياء به وله
المسيح إله أشخاص، وليس إله نظريات

لم يقبل السيد المسيح أي جدل عقائدي أو نظري، رفض كل فتاوي الناس في التفسير والتأؤيل، وقلب كل المناقشات النظرية من الاخرين لاسئلة شخصية، هدفها واضح وضوح الشمس، وهي وضعهم في مواجهة شخصية مع أنفسهم، ومع شخص الرب، لأن هذا هو مدخل إختبار الرب.

إن تلك الأية تستحضرالثالوث كشخص حي يتعامل مع كل الكيان الانساني، الأية العجيبة تبدوا وكأنها تضع شرطين يسبقان تمييز تعليم المسيح،  وهما:

فحص المشيئة  الشخصية ومطابقتها لمشيئة الله الآب في حياتي
فحص السلوك وتجاوبه مع عمل الروح القدس

لكن لو دققنا وتعاملنا مع الأية ككلمات خارجة من فم إله محب يريد أن يتحد بالإنسان كعريس وعروس، سنجد أن الأية تربط كل كياننا بالثالوث القدوس، وتدفعنا لحضن الأب وفحص الرغبة في عمل مشيئته، والتجاوب مع عمل الروح القدس في حياتنا وسلوكنا، وتجعل النتيجة الطبيعة لذلك هو الانفتاح علي كلام المسيح وإستعلان الحق الحي أمام عين من أراد مشيئة الأب، ومن رغب في عملها وعزم النية علي السلوك بها بقوة الروح، وتكون محصلة كل هذا هو الإلتصاق بشخص الرب.

أحياناً كثيرة نهرب من شخص الرب بالمعرفة الكثيرة، ولا ننتبه أن التهاون وعدم التركيز في فحص المشيئة وفحص السلوك، الذي يقابله تركيز شديد علي فحص الكلمة، ينشئ إنتفاخ بالمعلومات الميتة، حتي لو كنت أمينا ولا تريد أن تنتفخ، وتطلب الاعلانات الحية لا المعلومات الميتة.

وبالتدريج، يحدث أن يتحول كلام الله لمجموعة من الحقائق الجافة المتضاربة، أو المنمقة، وكأنك عزلت أقنوم الكلمة عن الروح القدس والآب، فتحول ما بين يديك إلي كلام ميت، بدون مشيئة توجهه، وبدون روح تجعله حي وعامل، فتمتلك إله مشوه، وليس الإله الحقيقي.

لنتخيل عكس الآية ولنر ما نفعله في أنفسنا:

إِنْ لم يشَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ لن يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ هَلْ هُوَ مِنَ اللَّهِ أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا مِنْ نَفْسِي

وهكذا، بدون إهتمام لفحص المشيئة والسلوك متكافي مع مقدار فحص الكلمة والتعليم، لن نعرف ما هو من المسيح وما ليس منه، وسنقع في تخبط وتيهان، حتي لو كنت تتبع أصح المعلمين والمفسرين لكلمة الله، وسيظل ذلك الشعور مسيطر علينا ولن يفيدنا الالاف الكتب، وأتجرأ وأقول حتي دراسة كلمة الله لن تفيد كما حدث في حياة هراطقة بمنصب أساقفة، إلي أن ينير المسيح تلك الآية، ويهمس في أذني أن أفحص قلبي وسلوكي، كما كان كثيرا يسأل من يفعل معهم معجزات: ماذا تريد، ويوجه من حوله لفحص المشيئه والسلوك.

لعل لهذا هرطق أريوس من بين صفحات الإنجيل في عصر ذهبي وهو معلم الإنجيل، وأنكر إلوهية المسيح، ورأت ناهد متولي في القرأن المسيح رباً وملكاً، في عصر مظلم.

أخيراً, إن فحص المشيئه والسلوك لهو أمر مرهب ومخيف, وليس بلأمر السهل أو الهين, فكثيراً نريد أن نعرف التعليم لننتفخ, أو لنعلم الأخرين, أو لأجل حب المعرفة الذي لا يريد أن يتغير بها, أو حتي لاجل إفادة الأخرين دون التلامس مع شخص الرب بصورة شخصية.
نجاسات كثيرة موجودة في توجهات قلوبنا, لذا, فإن فحص المشيئة والسلوك إذا فعله الشخص بيصدق قلب, يضع النفس عارية أمام الله, ليس لها إلا أن ترتمي تحت قدمي المصلوب, وتحتمي ببره وبدمه, فتتلقي شخص المخلص في أعماقها, وتغمرها المعرفة الحية لكي تقيمها من موتها, وتنجو من فخ المعلومات الميتة التي تذلها في التراب.

ما أعظمك يا إلهي.
كلامك معلن لمن يتضعوا تحت يديك.
لمن يريدوا ويشتاقوا للحياة في مشيئتك.
ولمن يفحص نفسه ويجد أنه لا يريد ويصرخ إليك.
وسيبقي كلامك لن نميزه إلا ونحن نريدك ولو بضعفنا.
أنت تجول تبحث عن المشيئة التي تتوحد معك وتطلبه.
أنت تطلب القلب الذي عزم علي السلوك بروحك.
وساعتها، تأتي وتصنع هناك منزلاً.
وتعلن كلمتك المتجسدة، شخص يسوع، لاولادك.

 
Romany Joseph
18th August 2011
Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in أبحاث, تميز الأمور المتخالفة and tagged , . Bookmark the permalink.

2 Responses to كيف نميز التعليم الصحيح

  1. owoodyandy says:

    أعتقد أن على المؤمن شيئان، أولهما التأكد من أن التعليم بالفعل لا يمجد الله، وهذا يتبعه أن يلتصق بكلمة الله ويبحث ويصلي، ثم بعد ذلك يقوم إن كان مازال مقتنعاً بالخطأ بمشاركة بعض الأخوة الذي يصدق أنهم روحيين لكي يفحصوا سوياً هذا الخطأ، ثم إن كان مازال مقتنعاً بالخطأ، يفحص أيضا ًدوافعه الداخلية، لماذا يبغي الإصلاح؟ هل لأجل تمجيد ذاته؟ وثانيهما: ثم بعد ذلك يكلم الجماعة كلها في روح الوداعة ناظراً لنفسه لئلا يجرب هو أيضاً. فإن لم يسمعوا عليه أن يحدد إن كان الخطأ ضخماً ويمس كرامة ومجد المسيح ويمس عمل المسيح وشخصه ويسيئ للكنيسة بوجه عام ام خطأ ثانوي يمكن تحمله. إن كان خطأ جسيم لابد أن يترك هذه الجماعة. من جهة مسئولية الخادم او الراعي مسئولية الراعي أكبر وتأديبات الله له أكبر. وأوصانا الرب أن نفحص الكتب، نعم نعم ليست هناك كنيسة محلية مثالية على الأرض، ولكن هناك أخطائ جسيمة سلوكية وتعليمية لا يمكن السكوت عليها، وهناك أخطاء يمكن تحملها

  2. Pingback: من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 09| هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | ثالثاً| تابع أسباب التفسيرات الخاطئة | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s