بين دور الخادم، ودور الله في الخدمة

كثيراً ما يكون هناك إلتباس ليس ببسيط عند الخدام الحقيقين والأمناء, حول دور الخادم ودور الله في الخدمة, ومثل أي إالتباس وخلط, يحاول عدو الخير به أن يفسد أذهاننا عن البساطة التي في المسيح, ويجعل الأمور تداخل, فتتخبط خدمتنا, وتتوه الرؤيا والرؤية.

قال مرة أحد الخدام: أن المسيحية طريق ضيق بين حفرتين, إن خفت من واحدة, قد تميل وتقع في الأخري, لذا يجب أن يحكميك ويقودك الروح القدس, الذي رأه عاموس النبي في يد الرب كزيج, أي ميزان يصنع توازن وفصل وتمييز بين الامور المتخالفة (في  1 :  10), مثل التوبة والندم, تبكيت الروح والضمير الشرير, المعرفة والإعلان, الإدانة والتمييز.

نري أحياناً ميل بعض الخدام الناريين الأمناء من كثرة الحماس وحب الناس, إلي فكرة أن التهاون في الخدمة قد يؤدي الي هلاك نفوس هلاكاً أبدياً وضياعها, وهو تطرف يطرح تساؤلات لا إجابة منطقية أو كتابية لها, مثل من سيحاسب ويطرح في الجحيم في تلك الحالة, هل الشخص الذي لم يُخدم؟ إذا كانت الإجابة بنعم, فبماذا سيجيبه الله لو قال: أن الخادم هو المسؤل؟
أم أن الخادم المقصر هو من سيهلك؟  فهل يعقل أن يهلك مؤمن بسبب تقصيرة في الخدمة, ومن لم يقصر مننا؟ وهل يدخل الملكوت الشخص الذي لم يُخدم؟ أم يهلك كلاهما؟

أسئلة كثيرة لا إجابة لها وراء تلك الفكرة المتطرفة, ولعلها تثير القلق في النفوس أكثر من التهاب روح الخدمة, لا أحب الكلام علي الأبدية كأنها مرحلة تبدأ بعد الموت الجسدي, فالمسيح أعلن أن الحياة الابدية تبدأ يوم معرفته (يو  17 :  3), لكني فقط أردت أن أوضح التناقضات الموجودة في الفكرة.

وعلي الجانب الأخر, يري بعض الخدام الذين ينصب تركيزهم علي عمل الله ويؤمنون بقوه به, أن الله هو من يفعل كل شئ, سواء قمنا بالخدمة أم لا, الله أمين أن يصل لكل الناس في كل الظروف, وهو تطرف أخر يطرح سؤال بلا إجابة, وهو لماذا نخدم؟

أيضاً تلك الفكرة المتطرفة التي خلفها قلب يؤمن بمحبة الله وإفتقادة, حتماً تبعث التهاون والتقصير في الخدمة, سواء أردنا أم لم نرد, بل وستجعل روح اللا مبالاه تظهر, وسيكون حل كل مشكلة تواجهنا في الخدمة, هي أن الله سيتدخل ويصلح كل شئ.

دور الخادم

إن الله محب ومتواضع, خلق الانسان علي صورته منذ البداية, ثم فداه وضمه لجسد إبنه ليكون لحم من لحمه, وعظم من عظامه (اف  5 :  30), ويحيا في وحدة مع الثالوت, وشركه فيه (يو  17 :  21), لذا, فالله يريد أن يشترك أولاده معه في كل شئ (عب  2 :  14), وأن يعمل من خلالهم وبهم, لعلنا نري ذلك بوضوع في مفهوم الوحي, فهو في الأديان الاخري إنزال ميكانيكي ليس للكاتب أي دور فيه, بينما في المسيحية, الوحي هو عمل مشترك بين الله الإنسان, يملي فيه الروح القدس علي قلب الإنسان الرسالة, ليصيغها هو بشخصيته وثقافته ولغته وإسلوبه وطريقته, فالله يحب ويحترم الإنسان, ويشركه في العمل.

إن للخادم دور واضح ومحدد أعلنه الكتاب المقدس في مواضع كثيرة, وهو ببساطة أن يسمع من الله ما يريد الله أن يقول, ثم ينقل تلك الرسالة الي من يريد الله أن يقول لهم (اش 6), وهو في دوره, يصلي ويتكلم ويصمت ويتحرك ويتألم ويفرح, ويمر بالكثير خلال خدمته, لكي تصل الرسالة ويؤمن الشعب أو الشخص ويصدق الكلمة المرسلة لهم من قبل الرب, أو لا يؤمن!!

 قال بولس الرسول:

لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ. فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ (رو 10: 13 – 14)

للخادم أيضا دور أخر, وهو الصلاة عن من يخدمهم والوقوف أمام الله بالتضرعات والطلبات لاجلهم, حتي يعمل الله في قلبهم ويتحد هو بهم من خلال صلاته, وكأنهم هم من يصلون, من خلال أنات قلبه نحوهم.

لكن…
ماذا لو لم يجد الله من يسمع في محضره ويقف أمامه, ويقول رسالته للشعب أو لمن يُخدمون,الذين غالبا ما يكونوا في مرحلة غير قادر علي السماع مباشره من الله؟
ماذا يحدث لو لم يجد الله من يقف ليصلي يقلب متحد مع شعبه؟
لنري في الأيات التالية ماذا يفعل الله حين يغيب دور الخادم نقل الكلمة أو الصلاة

وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ:يَا ابْنَ آدَمَ, قُلْ لِبَنِي شَعْبِكَ: إِذَا جَلَبْتُ السَّيْفَ عَلَى أَرْضٍ, فَإِنْ أَخَذَ شَعْبُ الأَرْضِ رَجُلاً مِنْ بَيْنِهِمْ وَجَعَلُوهُ رَقِيباً (خادم) لَهُمْ,فَإِذَا رَأَى السَّيْفَ مُقْبِلاً عَلَى الأَرْضِ نَفَخَ فِي الْبُوقِ وَحَذَّرَ الشَّعْبَ,وَسَمِعَ السَّامِعُ صَوْتَ الْبُوقِ وَلَمْ يَتَحَذَّرْ, فَجَاءَ السَّيْفُ وَأَخَذَهُ, فَدَمُهُ يَكُونُ عَلَى رَأْسِهِ.سَمِعَ صَوْتَ الْبُوقِ وَلَمْ يَتَحَذَّرْ, فَدَمُهُ يَكُونُ عَلَى نَفْسِهِ. لَوْ تَحَذَّرَ لَخَلَّصَ نَفْسَهُ.فَإِنْ رَأَى الرَّقِيبُ السَّيْفَ مُقْبِلاً وَلَمْ يَنْفُخْ فِي الْبُوقِ وَلَمْ يَتَحَذَّرِ الشَّعْبُ, فَجَاءَ السَّيْفُ وَأَخَذَ نَفْساً مِنْهُمْ, فَهُوَ قَدْ أُخِذَ بِذَنْبِهِ, أَمَّا دَمُهُ فَمِنْ يَدِ الرَّقِيبِ أَطْلُبُهُ.وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ فَقَدْ جَعَلْتُكَ رَقِيباً لِبَيْتِ إِسْرَائِيلَ, فَتَسْمَعُ الْكَلاَمَ مِنْ فَمِي وَتُحَذِّرُهُمْ مِنْ قِبَلِي.إِذَا قُلْتُ لِلشِّرِّيرِ: يَا شِرِّيرُ مَوْتاً تَمُوتُ! فَإِنْ لَمْ تَتَكَلَّمْ لِتُحَذِّرَ الشِّرِّيرَ مِنْ طَرِيقِهِ, فَذَلِكَ الشِّرِّيرُ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ, أَمَّا دَمُهُ فَمِنْ يَدِكَ أَطْلُبُهُ.وَإِنْ حَذَّرْتَ الشِّرِّيرَ مِنْ طَرِيقِهِ لِيَرْجِعَ عَنْهُ وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ طَرِيقِهِ, فَهُوَ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ. أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ خَلَّصْتَ نَفْسَكَ. (حز 33: 1 – 9)

وأيضا, تلك الاية التي تتكلم عن غياب دور الخادم في الصلاة لاجل المخدومين

وَطَلَبْتُ مِنْ بَيْنِهِمْ رَجُلاً يَبْنِي جِدَاراً وَيَقِفُ فِي الثَّغْرِ أَمَامِي عَنِ الأَرْضِ لِكَيْلاَ أَخْرِبَهَا, فَلَمْ أَجِدْ!فَسَكَبْتُ سَخَطِي عَلَيْهِمْ. أَفْنَيْتُهُمْ بِنَارِ غَضَبِي. جَلَبْتُ طَرِيقَهُمْ عَلَى رُؤُوسِهِمْ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ(حز  22 :  30 – 31)

يخبرنا الكتاب المقدس بمنتهي الوضح, أنه لن يهلك الناس لو لم نقم بخدمتنا, ولكن لن يتعامل الله كأن شئيأ لم يكن ويجد حل بديل وسهل لتوصيل الكلمة, أو للصلاة لأجل الاخرين.

كلا, أنه إن لم يجد الله خادم يرسله بالرسالة والكلمة التي يريد أن يقولها, إن لم يجد خدام يصلون عن الشعب, سيترك الله ثمار السلوك الخاطئ ونتائجه  لكي تأتي علي الشعب او الشخص السالك في طريق الخطأ، اي أن الله سيترك التجربة أو التأديب علي الشعب (والتجربة والتائدب في الفكر المسيحي السليم هم ثمار السلوك) لكي تصل الرسالة ويتهيأ لما يريد الله منه.

فالدم والفناء هنا في أسفار السبي, لا تعني الهلاك الابدي, لكنها تعني التأديب كبديل للكلمة في حالة عدم وصول الرسالة للشعب, أو في حالة وصولها وعدم سماعهم لها, فالدم هو النفس (لا  17 :  14), أي أن الله هنا سيأتي بما يهلك النفس (الذات الفاسدة ) ويؤدبها لكي يصل لها ما يصل بالكلمة والصلاة عنها أي رسالة الحياة الجديدة, وسيكون ذلك الألم والتأديب هم نتيجة مباشرة إما لعدم كلام الخادم بالرسالة, او لكلامه وعدم قبول الشعب لها؟

يظن البعض أن الله سيتكلم في القلب بدل الخادم بالرسالة: لكن, الإجابة أنه في أغلب الأحوال لا يفعل ذلك!! (وسنشرح ذلك بالتفصيل في دور الله, فكلام الله في القلب ومحاولته لجذب الإنسان أمر دائم ومستمر ليس له علاقة بالرسالة الخادم).

 دور الله

 لله دور لا يقدر به أن يقوم به أي شخص, وهو الإعلان  وإجتذاب النفس نحو الأب, فلا أحد يستطيع أن يجذب الإنسان نحو الله إلا الله نفسه, ولا أحد يستطيع أن يعلن أمر ما لإنسان إلا الله تفسه, فالله دائم الكلام في قلوب الناس ومضاجعهم وحياتهم ليجتذبهم إليه.

لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ. (يو  6 :  44)

فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا إِنَّ لَحْماً وَدَماً لَمْ يُعْلِنْ لَكَ لَكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (مت  16 :  17)

توجد أمور أخري كثيرة من إختصاصات الله, لكننا هنا نركز علي أمور قد تلتبس علي بعض الخدام, ويظنوا أنهم قادرون أن أن يعلنوا امراً سمائيا لشخص, او أن يجذبوه لله الآب, هم فقط مرسلون من الله برسالة الكلمة للناس والصلاة عن الناس.

 دور الشخص

يجدر بنا أن نذكر دور الشخص في قبول الرسالة, فلا يوجد شخص أخر يمكنه أن يقوم به بدلاً عنه, ولا حتي الله نفسه, فحين يقصر الخادم يتدخل الله الأب أيضاً بتدبير لكي يحاصر الشخص, وحين يقصر الشخص في فحص نفسه ومراجعتها في الرسالة التي وصلته له (في حالة وصولها) , يتدخل الله الأب أيضاً بسب محبته ليسمح بتجربة, كما حدث مع بطرس (فالمسيح نقل له رسالة أنه سينكر, وحين رفضها نبهه أن يصلي, لئلا يدخل في تجربة وحين لم يصلي ولم يسمع, دخل في تجربة الإنكار ليتعلم الدرس, والمسيح طلب له لكي لا يفني إيمانه).

ووسط كل هذا, وفي أي مرحلة, لا بديل عن أن تختار الإرادة الحرة التي سقطت أن تقبل الرسالة التي يقولها الله وأن تكون صريحة مع نفسها, ولا يستطيع حتي الله نفسه أن يقتحم ذلك الجزء, هو فقط يحاصر الاإنسان ويقف يقرع علي بابه بكل ما سبق, الله لا يطلب من الإنسان التغيير في السلوك, او عمل شئ ما, فهو يعرف عجزه, هو فقط يريد أن يختار الإنسان الله وطريقه ويطلب الله بقلبه.

فلنصلي ونطلب من الله أن يعطينا وضوح وإستعلان لدورنا في خدمتنا, حتي نفرح بدورنا ونعمله بحسب مشيئة الله, ولا يبكتنا الضمير الشرير علي أمر هو من دورنا, فنقع في يأس وإحباط لا يريده الرب لنا.

Romany Joseph
23rd August 2011
 

 

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in الكنيسة, تميز الأمور المتخالفة and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

4 Responses to بين دور الخادم، ودور الله في الخدمة

  1. Marina Ramzy says:

    “كلا, أنه إن لم يجد الله خادم يرسله بالرسالة والكلمة التي يريد أن يقولها, إن لم يجد خدام يصلون عن الشعب, سيأتي الله بالتجربة أو التأديب علي الشعب لكي تصل الرسالة ويتهيأ لما يريد الله منه.”
    أزاي ربنا يؤدب شعب علي رساله لم تصل لهم,؟ في حاله عدم وصول الرساله او عدم وجود خادم أمين يسعي لنقل رساله ربنا بوضوح هل هذا خطأ الشعب؟ و أذا كانت فكره التأديب مٌغيبه جداُ عن الشعب كيف يمكن أن يفهم تأديب الله و لا ينظر اليه علي اسس اخري ( عقده الأضطهاد المنتشره بين المسيحين )

    • RomanyJoseph says:

      سؤالك جميل يا مارينا,
      التأديب سببه السلوك الخاطي والاستمرار فيه, فكل من يعمل الخطية يعرف ذلك, والله يتكلم في القلب ليعلن خطأ الوضع الذي يعيشه الإنسان في الخطية, لدرجة أن الناس تتوقع العقاب, اي الجزاء المساوي للعمل, وليس التأديب الابوي
      فالناس تعرف حقيقة الخطية وعقابها وإن تجاهلوا او تعاموا, فذلك ناتج من إماتة الضمير والاصرار علي الخطية
      لان معاصينا كثرت امامك و خطايانا تشهد علينا لان معاصينا معنا و اثامنا نعرفها (اش 59 : 12)

      اريد أن ازيد شيئاً, ان التأديب ياتي حتي لو تم رفض سماع صوت البوق, اي الرسالة في قصة الرقيب
      ما معني ذلك الكلام, أن التأديب ياتي بسبب الاصرار علي الوضع الخاطي
      دور الخادم أنه يتحد مع الخاطئ بصلاته عنه, وبنقله الرسالة التي يريدها الله
      دخول الخادم في المشهد يغير المشهد, فالله يري شخص يقف عن الشغب
      او يقف متحدا مع المخدوم لو كان شخص
      لكن حتي إصرار الشعب او الشخص ورفض التجاوب, يفصله ثانية عن الخادم, ويعيد الصورة الاولي, وهي التاديب لعدم سماع صوت الله في القلب, والاستمرار في الخطية

      اتمني أن اكون اوضحت وجهه نظري,
      الرب يباركك

  2. Pingback: مهاربنا من الحق خلال الحوار | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s