رؤيا لاهوتية للعلاقات | 1 | مقدمة

تتلخص كل أمور الحياة في كلمة واحدة: العلاقات
علاقة الإنسان مع  الله، ومع نفسه، ومع الآخرين بكل اختلاف درجاتها وأشكالها، بل وحتى مع الأشياء، كلها علاقات، وكل أمور الحياة يمكن أن يتم تفسيرها بمنتهى الوضوح والسلاسة، من منظور العلاقات.

لكن كيف نفهم علاقاتنا بشكل سليم، يفيد ويبني، ويغير في حياتنا، ونحن لا نرى حولنا إلا كل تشوه؟ فأغلب العلاقات ممزقة، ومشوهه، متداخلة ومربكة! كيف يمكن أن نزيل تراب الخطية ونبدله بنظرة السماء لكي تتقدس علاقتنا وترتفع للسماء وتعلو فوق الواقع الأليم الذي تئن منه أنفسنا؟

سنحاول في وضع بعض الأسس، لكل نفس تشتاق وتئن لتصحيح علاقاتها وتغيرها، كي تتهيأ النفس لاستقبال الاستنارة والاستعلان [1]، فذلك الموضوع ليس دراسيًا بحتاً أو وجهة نظر رؤية“ شخصية، بل هو استعلاني بحت رؤيا لكل من يقرأه، ومن الاعلان جاء البحث والدراسة، وذِكر المراجع في تلك السلسلة لم يكن هو مصدر كتابتها بشكل أساسي، على قدر ما كان مصدر تأكيد ما يعلنه الله.

أولاً: ارتباط أنفسنا بالله

لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ… (أع  17 :  28)

يجب أن نفهم أن علاقاتنا هي انعكاس مباشر لعلاقتنا بالله[2]، بمنتهى القوة والبساطة والعمق، فكل أمر إيجابي وسليم في علاقتنا مع الله، ينعكس بصورة مباشرة وبنفس الدرجة، في علاقاتنا مع الآخرين ومع أنفسنا.. وكل أمر سلبي ومشوه في علاقتنا مع الله، ينعكس بنفس الطريقة ذاتها في علاقاتنا، سواء أردنا أو لم نرد، شئنا أم أبينا، انتبهنا أم لم ننتبه، ذلك واقع لا مفر منه.

لذا.. مهما كانت ديانتك أو عقيدتك، ستعكس الله الذي تختبره وتعرفه رغما عن أنفك في جميع دوائر تعاملاتك

لذا، لو كنت مختبر ومنفتح علي محبة الله، سوف تنفتح علي محبة الأخرين بنفس الدرجة والطريقة والقوة وسوف تختبر المحبة معهم، ولو كنت متلامس مع تقدير الله لقيمتك، سوف تقدر أن تقدر الأخرين تقديراً سليماً بنفس الكيفية التي تلامست بها مع تقدير الله لك.

وعلى النقيض، من يري نفسه في حالة عداوة وعدم تصالح مع الله، تجده في حالة عداوة تلقائية مع غيره بل ومع نفسه، ومن يري الله متسلط قاسي علي نفسه الضعيفة، ستجده يمارس القسوة ويتسلط على الأخرين الضعفاء، ويقبل تسلط الأقوى منه عليه.

بل حتي لو كنت في حالة فاترة، ليست محبة ولا عداوة مع الله، بل تري الله بعيد، فانت لن تستطيع أن تدخل لعلاقات عميقة، بل ستكون بعيد عمن حولك، كما أنت والله بعيدين. والعكس صحيح، فلو كان الله قريب منك، ستقدر أن تكون قريب لأعماق من حولك ولك علاقات عميقة مشبعة معهم، تمامًا كما أن علاقتك بالله حميمة ومشبعة، وبنفس الدرجة

لو كنت متلامس مع رعاية الله لك بفرح وتختبر كيف يرعاك ويعولك بحق، سوف تكون شخصاً قادرًا على رعاية الأخرين وتحمل مسؤوليتهم بنفس الدرجة والكيفية والفرح. ولن تحمل هموم الغد، وسترعي غيرك وتعوله تلقائيًا، ودون أدني توجيه او ارشاد ستوف تتحرك من خلال ما اختبرت.

أما لو كنت تراه بعيد وأنت متروك منه، ستحمل هم نفسك بنفسك، ولن تهتم بغيرك كما رأيت ان الله لم يهتم بك، ولن تستطيع ابدا الاهتمام بغيرك ولو تغصبت على ذلك سوف تكون في قمة الضيق والتعب والتذمر.

لو كنت تري الله منتقم ستنتقم من غيرك.. ولو كنت تراه محب للضعفاء ستقدر أن تلتمس لهم العذر وتحبهم. ولو تراه صارم على المزيفين والغير أمناء لكنه لا يؤذيهم. ستعرف كيف تكون صارم عليهم لخيرهم دون أن تضرهم، وستعرف أن تعكس ذلك بنفس الدرجة والطريقة التي تري بها الله في تعاملاته معك، سواء كانت صحيحة، ام خاطئة، ام تحمل درجة ما من التشويه، ستعكسها كما هي.

لو كنت تري العلاقة مع الله على أنها علاقة إرضاء ومصلحة متبادلة (اعطي الله فيعطيني)، ستجده يتعامل مع الأخرين بنفسك الكيفية، وستسيطر فكرة المصلحة والإرضاء والأخذ والعطاء علي كل علاقاته. أما لو كنت تراها علاقة محبة بلا شروط يعطي فيها بسخاء، سوف تقدر ان تحب غيرك بلا شروط وبلا مصالح، وستتعامل معهم بنفس الكيفية والطريقة.

لو كنت تري نفسك قريب من الله وبالحقيقة تحيا كجزء منه، ستعامل زوجتك على أنها جزء منك، لحم من لحمك وعظم من عظامك، ولو كنت تري نفسك مقطوع عن الله وناقص عقل ودين بالنسبة له، ستري زوجتك ناقصة عقل ودين بجانبك، لو تري الله يصلك به ويجعلك فيه وهو فيك، ستري زوجتك جزء منك وتجعلها تحيا فيك، اما لو كنت بالنسبة لله كائن آخر وبينكم حسابات، ستكون زوجتك كائن آخر بالنسبة لك وبينكم نفس الحسابات.

لن تستطيع زوجة أن تخضع لزوجها.. او اخ يخضع لأخيه، او صديق لصديقه، ما لم يكن تعلم الخضوع لله واختبره، وعرف كيف يخضع لله ويناقشه ويحاجه و، لو كان الإنسان يري خضوه لله قهري سيخضع لغيره مقهورا، ويجعل الآخرين يخضوع له مقهورين.

لن يستطيع كرجل أن تكون أب حقيقي لأولادك إلا إذا اختبرت كيف يكون الله أب لك بصورة شخصية، أما لو كنت تري الله سيد وأنت عبد… ستستعبد أولادك وتقهرهم كما التمست في الإله الذي يستعبدك.

ستعكس الإله الذي تختبره سواء أردت أم لم تريد.. وفي كل دوائر حياتك، بل حتي لو كنت لا تؤمن بإله وتلغيه من حياتك، فانت ستكون تائه وحائر وبلا هدف وبلا معني، وكنتيجة، سوف تكون في علاقاتك كلها بلا هدف ولا معني، علاقات كلها تيهان وعدم شبع.

ليس ما سبق مبالغة، فنفس كل إنسان علي وجه الخليقة، مرتبطة بالله بصورة بالغة القوة، صورة لا تُصدق، فنحن به نحيا ونتحرك ونوجد[3]، هو محور حياتنا سواء أردنا أم لم نرد. وارتباطتنا السليم به يبني علاقاتنا وحياتنا ووجودنا وتحركاتنا.. وتشوه تلك الرابطة السرية، يشوه كل ما سبق.

فلا وجود حقيقي بلا شركة ’لا شيء ولا شخص يوجد كفرد يحيا في عزلة تامة، ولا يمكن لمَن يوجد من أجل ذاته فقط أن يفهم وجوده[4] بل سيكون ذلك الإنسان أسير في الفردية[5] التي هي الموت.

ثانيًا: علاقة الآب بالابن في الروح القدس (علاقة الثالوث)[6] هي أصل وسر كل العلاقات

فإن كانت أنفسنا تتوق لعلاقة سليمة  مع الرب ومع النفس ومع الآخر، بل ومع الخليقة كلها، وجب علينا أن نطلب بكل كيننا أن تُستعلن لنا علاقة الآب بالابن في الروح القدس (علاقة الثالوث)، فهي أصل كل العلاقات، والعلاقة الوحيدة السوية السليمة والمثالية منذ الأزل وإلى الأبد.

يجب أن تستنير أذهاننا وتنفتح أرواحنا على أبعاد تلك العلاقة وسموها، وكيف أنها هي النموذج الذي أودعه الله فينا لتكون كل علاقاتنا على هذه الصورة، والتي جعلته يخلقنا على صورته كي تسري فينا نفس الحياة ونحيا نفس العلاقة.

يجب أن نعيد اكتشاف الحياة التي كانت عند الأب وأُظهرت لنا[7]، حين أعلن لنا الله عن لاهوته، أي طبيعته وشخصيته الحية الفعالة في الكنيسة وفي الإنسان[8]. يجب أن نطرح عن أنفسنا اللاهوت النظري الجامد المائت، والذي نجسه الإنسان وسحب منه روح الحياة، وحوّل الإله المعاش إلى نظرية صماء، فخربت حياته وعلاقاته.

هذه مقدمة لسلسلة من المقالات، حول طبيعة الله، وعلاقة الآب بالابن في الروح القدس (علاقة الثالوث)، وكيف خرجت من تلك العلاقة كل العلاقات: علاقة المسيح بالكنيسة، وعلاقة الرجل بالمرأة، وعلاقة الأب بابنه، والخادم بالمخدوم، والأخ بأخيه، وكيف خرجت عائلة الله كلها من حضن الآب بالمسيح في الروح، لتصير في صورة رأس وجسد، بل وكيف انشق إبليس حين تشوهت داخله تلك العلاقة وصنع مملكة خاصة واستبدل نموذج الرأس والجسد السماوي ولاهوت الوحدة في الرب،  بنموذج الكبير المتسلط علي صغير ولاهوت المقارنات، وخرجت وراءه مملكة الظلمة كلها، بل وكل منطقة مظلمة في حياة المستنيرين لم يشرق عليها المسيح بنوره.

وسنتعرض أيضًا لبعض المفاهيم من ذلك المنطلق؛ مثل مفهوم السلطة، وازدواجية الكبير والصغير، والتكافؤ.. لن يكون الموضوع نظريًا أو مائتًا، بل معاشًا وعمليًا، مملوء حياة.

من المهم جداً أن يعي القارئ أن تلك السلسلة من المقالات لا تهدف إلي إثبات أي أمر لاهوتي أو الرد علي إنحرافات أو هرطقات، فلن يكون تركيزنا مثلاً علي إثبات مساواه الآب بالإبن، أو الرد التشكيك في الوهية المسيح، أو التجسد، فتوجد كتابات متخصصة وكنوز كثيرة ضحدت كل فكر غير سليم وأنارت حقائق إيمانية غالية جداً، وهذا البحث سيعتمد عليها كثيراً، لكنه لن يتطرق لإثبات أو تفنيد، بل من خلال ما أثبتته الكنيسة وأبائها ومن خلال ما فندته، سنحاول السباحة في معرفة شخص الرب وعلاقتنا به.

أطلب من الله أن تنفتح أعيننا على الروح المُعطى لنا، الذي يفحص كل شيء حتى أعماق الله[9]، لكي تكون لنا شركة مستنيرة مع شخص الله في المسيح، وشركة فعالة مع إخوتنا بكل الحب والفهم.

 
Romany Joseph
9th October 2011
 
 

[1] كلمة إعلان هي باليونانية أبو كالبسيس“ وتُرجمت في سفر رؤيا يوحنا الاهوتي بـ الرؤيا، والمقصود بالإعلان هو كشف حقيقة كانت غامضة أو التعريف بسر كان مخفيًا أو مكتومًا، أو التعريف بحقيقة أعلى من مستوي إدراك الإنسان، فهنا يتحتم أن ينفتح الوعي الداخلي للإنسان ليبلغ إلى معرفتها بالروح( شرح رسالةأفسس – الأب متى المسكين اصحاح 1 آية 15-18)
[2]
   “ربط الله بين كيانه الإلهي وكياننا الإنساني والكون كله برابطة كيانية أو وجودية” (الوجود شركة  – المطران يوحنا زيزيولاس – ص 11 – الترجمة العربية)
[3] (اع  17 :  28)
[4] الوجود شركة  – المطران يوحنا زيزيولاس – ص 23 – الترجمة العربية
[5] “الفردية هي رغبة في إشباع الذات دون شركة في حياة الآخرين، ودون الإقدام على التضحية من أجل الآخرين، ولذلك تؤدي إلى الانفصال والعزلة، أي أنها صورة الموت” (الوجود شركة  – المطران يوحنا زيزيولاس – ص 86 – الترجمة العربية
[6] يخطئ من يظن أن علاقة الثالوث هي علاقة بين ثلاثة أطراف، فتساوي الأقانيم لا يعني أن كل أقنوم طرف؛ فهي علاقة بين طرفين هما الآب والابن في الروح القدس، وسنتعرض لذلك لاحقًا.
[7] (1يو  1 :  2)
[8] علم اللاهوت هو فهم كل ما يخص طبيعة الله الفعَّالة في الكنيسة وفي الإنسان عامةً (الأب متي المسكين – الإفخارستيا – ص 29)
[9] (1كو  2 :  10)

 

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in رؤيا لاهوتية للعلاقات and tagged . Bookmark the permalink.

13 Responses to رؤيا لاهوتية للعلاقات | 1 | مقدمة

  1. elcoptic says:

    اكشف عن عيني فاري عجائب من لاهوتك….

  2. Marina Francis says:

    keeeeeeeeeep going

  3. Pingback: أهمية بطئ النمو وبطئ طرد الخطية في حياة أولاد الله | Romanyjoseph's Blog

  4. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 2 | الآب والطريق إليه | Romanyjoseph's Blog

  5. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 3 | علاقة الآب بالابن | Romanyjoseph's Blog

  6. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 4 | علاقة الابن بالخليقة | Romanyjoseph's Blog

  7. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 5 | علاقة الابن بالإنسان قبل السقوط | Romanyjoseph's Blog

  8. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 6 | علاقة الإنسان بالخليقة قبل السقوط | Romanyjoseph's Blog

  9. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 7 | إبليس : أول من كسر العلاقات | Romanyjoseph's Blog

  10. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 8 | دخول الخطية وإنهيار العلاقات | Romanyjoseph's Blog

  11. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 9 | انتشار الفساد وتفشي الموت | Romanyjoseph's Blog

  12. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 10 | وقفة: غرباء.. بدون مسيح | Romanyjoseph's Blog

  13. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 6 | علاقة الإنسان بالخليقة قبل السقوط | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s