هل تأديب الرب لنا ضد محبته الأبوية؟


أحد إخوتي الناضجين، قال لي أنه توَّجب عليه أن يترك أبنه يمر بظروف صعبة، بعد ان رفض عدة توجيهات وتحذيرات، لكي يتأدب تأديبًا تربويًا سليمًا، وتلك الظروف ستكون موجعة، والاب يقدر أن يمنعها.  لكنه اختار أن يتركه يمر بها، لن يقف متفرجاً بل يتألم معه، حتي أنه من شدة تأثره وحبه، أنه كان يترك ابنه في وسط الظروف الصعبة التي اختارها الفتي لنفسه، ليبكي بعيدًا عنه، لأنه يحبه جدًا، لكنه في محبته توَّجب عليه أن يفعل ذلك لمصلحة الابن لكي يعي الدرس الذي لم يعيه بالكلام، وهو خلال الظرف الصعب الذي ترك أبنه يمر به، يتحرك حوله لعل الابن يعي المشكله ويطلب تدخله فيتدخل وتتغير الأمور.

تأثرت جدًا وقتها، وتذكرت قصة الابن الضال، وآية: في كل ضيقهم تضايق (إش 63 : 9)، مع أنه هو مَن سمح بضيقهم وبكلمة منه يقدر أن يفكهم من ضيقهم أو يمنع الضيق بقدرته، لكنه بمحبته الناضجة كأب محب، يعلم حتمية التأديب لبنيان الابن.

لعل تلك القصة الحقيقية والمختصرة، تجيب على السؤال المحير، وتكشف أسرار قلب الله الآب نحونا نحن أولاده، ولنحاول معاً أن نأخذ صورة سريعة عل محبة الرب وموقفه من الشرور.

انتشر تعليم يصور الله غاضب وينتقم ويذبح اعدائه قدامه وهو بذلك يجري عدله ويقيم الدينونة وكأنه قاضي قاسي لا أب.. ونسي أن أجرة الخطية موت(رو  6 :  23) وأنها تحمل في ذاتها ثمارها، ونسي أنه لو العدل سينفذ فينا سنكون اموت  كلنا من سنين، بينما الكتاب يقول علانية أن الرحمة تفتخر علي الحكم (يع  2 :  13).. ذلك التطرف اسقط الصليب والمسيح المصلوب من تفسيره، وأين لطفه وامهاله وطول اناته وجعلها تنفذ ومحدودة لها آخر ونهاية، ورسم إله شرير بلا صليب وبلا رحمة وبلا حب،  وذلك التطرف يجعل الناس تحيا في رعب غير مسيحي من إله منتقم من الخطاه، فكلنا خطاه وتحت الإنتقام في أيه لحظة، فيهرب السلام والسكينة حتي من أبناء الله طالبيه ومحبيه.

وكنتيجة.. انتشرت  تعليم عكسه تماماً في الفترة الأخيرة من أصوات تحاول أن تخرس كل فم يتكلم عن تأديب الرب المحب لنا، وتحاول أن تضع التأديب ضد المحبة، وتسعى تلك الأصوات لنشر نغمة تجعل المحبة ضد الحق الكتابي وأن فكرة التأديب قسوة وشر ليست من الله وانه لا دخل له (وذلك جزء من الحقيقة لكنهم بكلامهم ينسبون لله السلبية والمشاهدة الصامتة )، مع أن أشهر آية تتكلم عن التأديب تتكلم عن المحبة أيضاً لكي يبقي أمام أعيننا دومًا حب الله الأبوي.

وَقَدْ نَسِيتُمُ الْوَعْظَ الَّذِي يُخَاطِبُكُمْ كَبَنِينَ:«يَا ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ، وَلاَ تَخُرْ إِذَا وَبَّخَكَ. لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ».7إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ التَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ اللهُ كَالْبَنِينَ. فَأَيُّ ابْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟ وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلاَ تَأْدِيبٍ، قَدْ صَارَ الْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ، فَأَنْتُمْ نُغُولٌ (أبناء غير شرعيين)لاَ بَنُونَ (عب 12 –  6 : 8)

ذلك التطرف يقول أن “الآلام تأتي على الجميع ولا تفرق بين مؤمنين وفجار” وإن كان ذلك جانب من الحقيقة لكنه يحتاج تفسير اعمق، وإلا ينسب لله بصورة غير مقصودة السالبية، وينتقص من ابوته لأنه لا يتدخل ليحمينا من الشرور بينما هو يقدر أن يوقفها بكلمة.. ويأتي بالسؤال الشهير لكل من يتبع الرب بأمانة ويمر بضيق : إن كان الله أب فلم يتركنا نحن أولاده نتألم؟ ولم لا يرفع الضيق عن أولاده المحبوبين الضعفاء؟ ولم يترك المرض والظلم !

يقولوا أيضًا أن “الله محبة ويحترم حرية الإنسان حتي الأشرار”، وذلك ينفي عن الله أنه “ضابط الكل”، وبينما هو يتوهم أنه يدافع عن محبة الله، نسب لله الشر حين يصفه أنه يحترم حرية الاشرار وهم يدمرون اولاده الضعفاء ويقف متفرجا صامتاً، ومرة اخري نعود للخوف والرعب ربما ليس من بطش الله كما في التطرف الأول، ولكن من سلبيته التي تجعله شريرًا أيضا.

تلك التطرفات النظرية البغيضة خارجها كلها من أفكار خاصة أو فهم خاطي لشخص الله ويسمونه فكر كتابي، نظريات تتجاهل حقائق وتركز علي حقائق اخري، تفتقر التمييز بين شكل الحياة في المسيح وخارجه، والأهم من كل هذا أن بها افلاس في الاختبار الشخصي، فمن هو ابن بالحقيقية واختبر التأديب يعرف ما هيته.

“تأديب الرب” مصطلح كتابي كنسي لا يعني أن الرب يأتي بالشرور، بل يعني أنه يعلمنا ويؤدبنا أولا بالكلمة وبأفعال المحبة، ثم إن صممنا السلوك الخاطئ والبعد وسلكنا معه بالخلاف، فأنه ذلك ياتي علينا بشرور بحكم  أن”أجرة الخطية موت”  والخطية تحمل داخلها سمومها، وهنا يد الله الحانية تؤجل وتحذر وتنبه، ولكن حين يصر الإنسان مثل الابن الضال ان يسلك في الشر، تبدأ الضيفات تأتي، والله سيكون إله فاسد لو أكمل في التأجيل والمنع لحصاد ما نفعله ونريده، لكن لانه محب وصالح ويحترم حريتنا، يأتي عند نقطة يعرفها ويسمح بحكمة وفطنة بجزء من حصاد ما زرعنا، وليس هذا فقط، بل هو الرب في محبته يستخدم ذلك (تأديب العالم والجسد لنا) لكي يرجعنا بمحبة… هذا هو التأديب الإلهي، ليس شر يفعله الله نحونا وانتقام، ولا هو فقط نصح ووعظ، ولا هو مشاهدة لنا والناس تلهو بنا بحجة احترام حرية الآخر.

ليس كل شر يأتي علينا بسبب اخطائنا بالطبع بل احيانا يكون اضطهاد من ابليس بسبب سلوكنا في المسيح، فالضيقات في الكتاب المقدس يمكن تقسيمها لتوجهين كبيرين: إما اضطهاد وإما تأديب، وكلاهما يستخدمه الرب المحب للخير.

التأديب قمة المحبة، قمة حصار الله لأنفسنا لأجل تجديدها.
قمة حصار الله لأنفس أولاده لأجل أغلى أمر مات له… خلاص نفوسهم الغالية.
التأديب هو أن تأتي طرق الابن الضال علي رأسه.. ويحصد ثمر افعاله.. فهو من اختار أن يكون خارج دائرة الحماية
التأديب هو فقط تفعيل لمحة من قانون الزرع والحصاد لامور سلبية زرعناها والرب في امهاله وطول أناته كان يحجز اثمنا وحصادنا عنا

في التأديب، الله يقف معنا ضد فسادنا الذي يدمر حياتنا [1] وحياة مَن حولنا.
في التأديب، الله معنا لكي ينضجنا ويُبطل جسد الخطية (رو  6 :  6) وسلطانه.
في التأديب، الله يتألم جدًا لآلامنا، ويجوز فيها معنا، ويحملنا ويعزينا لو قبلنا.
التأديب هو أحد قراعات الله التي يقرع بها علي أبواب أولاده [2]، بعدما تجاهلوا صوته الرقيق وكلمته التي تنادي: تعالوا إليَّ.
هو افتقاد الله المحب ليونان الرافض للدعوى، لكي يُرجعه للطريق والحق والحياة.
التأديب هو علامة رفضنا للكلمة، ومحبة الله لنا وعدم يأسه منا وسط ذلك الرفض.
التأديب ليس عقابًا أو قصاصًا، فالعدل والقصاص  يقضي بالموت الأبدي لأجل أصغر خطية.
وللعدل مكانين : الصليب حيث مات المسيح عنا، والجحيم حيث يُطرح للموت كل مَن ليس في المسيح.
فالتأديب ليس انتقامًا، ولا هو عقابًا للموت:
تاديبًا أدبني الرب وإلى الموت لم يسلمني (مز  118 :  18)
التأديب هو صليب إجباري وضعه الرب لمَن هرب من اختيار الصليب والمصلوب.
التأديب هو فقط أن تأتي طرقنا علي رؤوسنا  (حز  7 :  4)…
التأديب هو سماح من الرب لكي يأتي علينا حصاد ما زرعنا من تكاسل وتراخي ونوم وخطية…
التأديب هو أن يرفع يديه ويرفع السياج الإلهي بمقدار قد يسبب لنا ألم لكنه حتمي لكني نرجع بعد ان نفذت كل الوسائل الهادئة بسبب قساوتنا…

إخوتي الأحباء
نحن نبشر بإنجيل الراحة، بينما عمق رسالة الإنجيل أن الراحة في حمل الصليب كما قال المسيح في أحد أشهر أقواله التي نتذكر نصفها الأول فقط، ونتناسى نصفها الثاني.

تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ.لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ.  (مت  11 :  28 – 29)

الملكوت والحياة الجديدة لا يمكن أن ندخلها إلا بضيق كثير ومن خلال باب ضيق.

 يُشَدِّدَانِ أَنْفُسَ التَّلاَمِيذِ وَيَعِظَانِهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ، وَأَنَّهُ بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ (اع  14 :  22)

اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ! مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ، وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ! (مت  7 : 13 – 14)
 

فالمسيحية شركة لآلام المسيح وقوة قيامته

لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ (في  3 :  10)

نحن نُمات معه كل يوم متألمين، فنحيا معه كل يوم فرحين.
ففي كل يوم مع المسيح، تحدث إماتة لحياتنا القديمة، وولادة متجددة لحياتنا الجديدة في المسيح.

كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ». (رو  8 :  36)

حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا. (2كو  4 :  10)

فننمو ونتجدد من خلال الصليب والقيامة.
فَهم البعض ذلك السر، سر المسيح وصليبه وقيامته، واختاروا طوعًا السلوك فيه، فجاءت إليهم الآلام في صورة اضطهادات ومضايقات.
وهرب البعض الآخر منه، فحاصرهم الله المحب من خلف ومن قدام، وجعل يديه عليهم (مز  139 :  5)، ومررهم بتأديبات ليجوزوا بالصليب ويختبروا سر الإماتة والحياة الجديدة.

وبقيت حقيقة للكل…
أن الصليب هو سر الخلاص لمن قبلوه، والطريق الوحيد للقيامة، سواء في اضطهاد أم تأديب.
وبقيت عثرة الصليب قائمة للكثيرين، فبرفض الألم يتم رفض الصليب ورفض المصلوب [3]، ويبقى الإنسان محبوس في موته.

فيا أبناء الله الحي، تفكروا في ذاك الذي احتمل الألم وسار قبلنا في نفس الدرب.
واكرزوا بالصليب والقيامة، ولا تكرزوا بإنجيل آخر.(غل  1 :  6)
لا تجعلوا مقياس محبة الله مشاعرنا وانفعالاتنا وضعف بشريتنا، بل حق الإنجيل وشخص الرب.
تلامسوا مع قلب الله المحب محبة مثالية النضج وغير مُدركة الكمال، يتعب هو فيها، ويتألم معنا وعنا.
فسوف ترون في التأديب قلب أب يتألم، وسوء إستغلالنا لحريتنا كان سر ألمنا وألمه معنا وفينا.
رفضنا لكلمات فمه جعل حبه يحاصرنا ويؤدبنا.
وإدراكنا لذلك الحق يجعلنا نطلب تأديب وفحص الرب المحب لنا

اخْتَبِرْنِي يَا اَللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي. وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ، وَاهْدِنِي طَرِيقًا أَبَدِيًّا (مز 139 : 23)

Romany Joseph
20th October 2011 

[1] يبدأ الله منذ لحظة الميلاد بالماء والروح ( بالمعمودية ) سواءكانت فى الصغر حينما يشب الإنسان ويتعرف على معنى التوبة _ أو فى الكبر ، بمحاصرةالذات لكبتها ثم إبطال سلطانها، ثم تجريدها وإماتتها.

وهذه العملية من أشق ما يمكن ، لذلك يستخدم الله كافة الوسائل الممكنة المباشرة ضد الذات أو غير المباشرة التى تؤثر على الذات من بعيد. مع ضغط الله المتزايد الذى لا يكف ولا يهدأ، تتغير وسائله ولكن لا يتوقف عمله، والهدف واحد وحيد هو تحطيم كبرياء الذات وسلطانها وكسر غلافها الذى يسجن داخله روح الانسان الجديد.

لذات تكون متحصنة فى الجسد ، فهى لكى تتلافى الضربات التى يسوقها الله عليها تستخدم الجسد فيتمارض ويستعفى ، مما يجعل الله يغير وسائلة أولاً بأول.

هو يسلط الأب والأم والإخوة فى البيت ، والأصدقاء فى المدرسة والشارع , وإن أخفق فى هؤلاء يستخدم الرؤساء والأعداء والوظيفة والسمعة. وإن أخفق فى ذلك يستخدم الطبيعة والحيوانات والحشرات وجميع الظروف. وإن أخفق فى ذلك يستخدم الجسد نفسه فيضعفه ويمرضه. وإن أخفق فى ذلك يسلِّم الإنسان ليد الشيطان ليهينه ويؤدب ما عسر على يد الرب الحانية أن تصنعه ، فهذا يصنعه الشيطان بلا رحمة!! فيذل الإنسان حتى التراب !!

كل هذا والرب يتعامل مع الإنسان العتيق مباشرة ، إنما بوسائط مباشرة وغير مباشرة. والذى ألزم الله بهذا كله هو حبه الفائق للانسان من أجل خلاص نفسه وتوريثه الحياة الأبدية وضمه إلى مجده… حيث يكون مركز عمل الله فى الإنسان هو من داخل روحه التى يسكن فيها، لذلك فإن الله لا يكون غائباً عن الإنسان أثناء كل هذا التأديب والقمع والضرب والضغط المتوالى، فهو يكسر ويعصب وبضرب ويشفى ، يميت ليحيى ، كل ذلك من داخل الإنسان الجديد الذى أحبه وإتحد به.

كتاب حبة الحنطة – الأب متي المسكين – ص 11

[2] لا تفكر يا صديقي عندما تحل عليك واحدة من هذه المحن أن هذا نتيجة كره الله لك، فأرسل عليك هذه التجارب كعقاب، أو حبه قد تغير نتيجة لأفعالنا، بل إصغي إلى كلام الله من خلال حكمة سليمان قائلا: ” يا أولادي لا تبتعدوا عن التصاقكم بالله عند تأديبه إياكم لأن تأديب الرب هو علامة حبه لكم ” ( أم 3: 11 )، ( عب 12: 5 – 11 )، الوالدان لا يتوانيان في عقاب الابن المذنب الذي يحبونه جدا وكذلك المدرس غالباً يضرب التلميذ حتى يصلح سلوكه.
كذلك الله يؤدب الصدّيق حتى يجعله يعيش حياة أفضل في المستقبل، وأيضا ليؤنبه على أعماله السابقة. أنا سأثبت هذا الكلام من وحى الروح القدس، لكن قبل أن أفعل هذا سأريكم أن الله يسمح للصدّيق بالتجارب، حتى تظهر استحقاقاته بأكثر وضوح، كما قال معلمنا يعقوب في رسالته:
” احسبوه كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة عالمين أن امتحان إيمانكم ينشئ صبراً وأما الصبر فليكن له عمل تام لكى تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين في شيء ” (يع 1: 2-4)،
ثم قال ” طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة لأنه إذا تزكى ينال إكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه ” ( يع 1: 12 ).
ولهذا يا أصدقائي لابد أن نفرح عندما نعانى آلاما متعددة، أو نجّرب بحروب عنيفة من قبل الرب إلهنا العادل. فأننا لا نفرح فقط إذا كان كل شيء يسير على ما يرام، بل نفرح عندما يكون كل شيء ضدنا، ونتذكر كلام بولس الرسول ” نفتخر على رجاء مجد الله وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضاً في الضيقات عالمين أن الضيق ينشئ صبراً والصبر تذكية والتذكية رجاء والرجاء لا يخزى لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا ” ( رو 5: 2 – 6 ).
القديس باسيليوس الكبير – الطريق إلي الفردوس – المقالة الثانبة

[3] إن الألم بحد ذاته عثرة كُبرى لعقل الإنسان. فالعقل لا يُجيز الألم كواسطة لأي خير، لأنه يظن أن في المعرفة خلوصًا من الألم، وهو يجاهد في ميدان الطب مثلاً وفي الميادين الأخرى لكي يلغي الألم ويربح الإنسان. ولو دققنا التأمل، نجد أن محاولة التربية والتعليم بكل صنوفها من أول ما يحاول الإنسان تعلُّم الألف باء إلى الصاروخ، هي محاولة أساسية لتجنُّب الإنسان الألم والتعب والعوز.

 لذلك، فحتمية الألم لدى العقل أمرٌ عسير وشاق جدًا، بل ومُحال قبولها، لأن الرضا بالألم هو بعينه إلغاء العقل وكل نشاطه. فالصليب جهالة وعثرة فعلاً لدى اليونانيين واليهود –كما يقول بولس الرسول (1كو 1: 22)– أي هو عثرة الفلسفة، لأن الفلسفة تحاول جاهدة الوصول إلى الله عن طريق التأمل الأفلاطوني الحر الخالي من التضحية، أي الألم المؤدي للموت. وهذا اللون من الاجتراء العقلي في محاولته البلوغ إلى الله، دخل المسيحية عن طريق التصوُّف الوثني ولوَّثها، فأوريجانوس يقول بإمكانية الاتحاد بالله عن طريق التأمل جاعلاً الله في الوضع الاستاتيكي، والعقل في الوضع الديناميكي، أي أنه ثبَّت الله في نقطة وجعل العقل هو الذي يسعى إليه. هذا اجتراء وثني ناتج عن عدم شعور الإنسان بأبوَّة الله ونزول المسيح وتودُّد الروح القدس ودخوله قلب الإنسان. والحقيقة عكسية، فالإنسان دائمًا أبدًا في الوضع الاستاتيكي، والله هو الذي يتحرَّك نحوه: “لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ”. منتهى تحرُّك الإنسان هو أن يكون يقظًا لتحرُّك الله مستعدًّا لمجيئه: “ثَابِتٌ قَلْبِي يَا اللهُ ثَابِتٌ قَلْبِي” (مز 57: 7).
الأب متي المسكين – مع المسيح في الأمة وموته حتي الصليب

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in مقالات روحية, تميز الأمور المتخالفة and tagged . Bookmark the permalink.

15 Responses to هل تأديب الرب لنا ضد محبته الأبوية؟

  1. owoodyandy says:

    فيا أبناء الله الحي، تفكروا في ذاك الذي إحتمل الألم وسار قبلنا في نفس الدرب.
    وإكرزوا بالصليب والقيامة، ولا تكرزوا بإنجيل أخر.(غل 1 : 6)
    لا تجعلوا مقياس محبة الله مشاعرنا وإنفعلاتنا وضعف بشريتنا، بل حق الإنجيل وشخص الرب.
    تلامسوا مع قلب الله المحب محبة مثالية النضج و غير مُدركة الكمال، يتعب هو فيها، ويتألم معنا وعنا.
    فسوف ترون في التأديب قلب أب يتألم، وسؤ إستغلانا لحريتنا كان سر ألمنا وألمه معنا وفينا.
    رفضنا لكلمات فمة جعل حبة يحاصرنا ويؤدبنا.
    وإدراكنا لذلك الحق يجعلنا نطلب تأديب وفحص الرب المحب لنا

  2. Pingback: مبروك!! … الأيام التي رجوناها أتت | Romanyjoseph's Blog

  3. Pingback: أنا أبر منه | Romanyjoseph's Blog

  4. Pingback: نحن أبر منهم | Romanyjoseph's Blog

  5. Pingback: نبؤات 2012 وإغفال الصليب | Romanyjoseph's Blog

  6. marlin says:

    hi, my name is marlin
    I wanna tell you thats fantastic articls . but I have some questions I cant finde answers about it and didnt find anyone support me to know Jesus . Could you please help me if you can do it , I will be so happy.

    God bless u
    Thanks

  7. Pingback: حتمية مجئ شاول قبل داود | Romanyjoseph's Blog

  8. Pingback: صغير وكبير | 5 | الأسلحة | Romanyjoseph's Blog

  9. Pingback: حين يُخرب الله حياتك | Romanyjoseph's Blog

  10. Pingback: بين قانون الزرع والحصاد… والصليب | Romanyjoseph's Blog

  11. Pingback: أزمنة الضيق… والعبور لرحب المسيح | Romanyjoseph's Blog

  12. Pingback: بين دور الخادم، ودور الله في الخدمة | Romanyjoseph's Blog

  13. Pingback: كلمة تعزية للمتألمين.. وتبكيت للآباء الغير تائبين في أحداث ماسبيرو | Romanyjoseph's Blog

  14. abona matta says:

    حقيقي مقال راااائع جدا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s