سرطان… أم أنفلوانزا؟

كانت تئن وتتألم وحياتها تتدهور كل يوم.
وكثيراً ما حاول عريسها أن يقول لها أنها مريضة بالسرطان, بكل الطرق, الرقيقة والصارمة.
فكانت ترفض بشدة, بل وتتهمه بمحاولة هدمها وتكسيرها.
كان يئن! لا لأجل نفسه المرفوضة, بل لأجل حياتها المكسورة.
وأخيراَ وبعد طول إنتظار…جائت وقالت له: حبيبي…عندك حق فيما قلته, أنا فعلاً مريضة.
إحتضنها وعينيه تملأها دموع الفرح.
وقال لها أنه كان يثق أنها ستصدقه يوما ما, فهو حبيبها الذي يريد أن يراها دائما صحيحة.
وقال لها: لنذهب لعيادة الأورام السرطانية وأنا سأقوم بعلا…
قاطعته في تعجب وقالت: من قال أني مريضة بالسرطان؟
فقل لها: لقد قلتي الأن ذلك!
فقالت: لا, إقتنعت أني مريضة, لكنه فقط أنفلونزا … أحتاج لبعض المسكنات والمقويات وسأكون علي ما يرام, هل يمكن أن تحضرهما لي يا حبيبي؟
تألم وقال: لا يا حبيبتي… صدقيني, المسكنات والمقويات لن تنفع حالتك أبداً, نحن في حاجة لجراحة عاجله وعلاج عميق.
صممت المحبوبة بشدة, ووصفت حبيبها بالعناد والقسوة, وحزنت أنه أحبطها جداً.
فقد كانت تتوقع منه أن يفرح بتصديقها لكلامه, فها هو مازال حزينا.
فقال حبيبها متألمنا: لست حزيناً لاجل نفسي وعدم تصديقك لي كما ينبغي, أنا حزين لان ذلك لن يشفيك يا محبوبتي بل سيزيد الألم.
إزداد تصميم العروس, و لجأت للمسكنات, لكنها لم تنفع وصارت لحال أردأ, وحبيبها يتألم معها, وينتظر أن تصدقه.
حتي هلكت كل قواها, وإعترفت أخيرا أنه مستحيل أن تدمر الأنفلونزا البسيطة حياة شخص.
فأخذها حبيبها ليعالجها… في عيادته, فهو طبيب أورام سرطانية!!!

+++

ما أعمق الفساد المستشري في قلب الإنسان وفي خباياه كورم خبيث
وما أعمق حب الله ونعمته.. الذي يفحص الكلي والقلوب وينقيها
ما أبشع النجاسة التي تتخلل حتي توبتنا وتريد أن تشوهها وتقتلها
وما أروع طول أناه الله ومحبته التي تنقي توبتنا وتستحيها

يريدنا الله أن نتوب لأن التوبة الحقيقية هي موت وقيامة مع المسيح, هي تجديد للمعمودية, هي مدخل للحياة الجديدة.
ولأن التوبة الحقيقية أمر مؤلم جداً… تريد ذواتنا أن تهرب منها كما تهرب الذبيحة الحية من المذبح.
أحياناً… تحاول ذواتنا إخماد صوت الروح القدس الذي يبكتنا عن حالة الخطية والفساد, والتي يئن بها الروح في قلوبنا.
فنحاول تمثيل التجاوب, والإتفاق الشفاهي الخارجي مع حقيقة أننا خطاة نحتاج توبة.
فمن يقول أنه ليس خاطي, مؤكد متكبر!!! ولأني ذاتي متواضعة جدا!!!…أتفق…نعم!! أنا خاطئ, بل وكلي خطية.
وبهذا يتخدر الضمير ويحاول أن يرشي الروح القدس بذلك الإعتراف المزيف[1].
فيحزن الروح جداً, فالمريض بالسرطان… إعترف اخيراً… أنه مريض بالأنفلونزا.
وهذا الإعتراف أسوأ من عدمه, فلو كان غير معترف, لكان هناك أمل أن يسمع
نعم, فالتخفيف من الإعتراف بالخطية أبشع من رفض الإعتراف
فذلك الإعتراف خطورته أنه يَسكن الصوت, ولا يَسكن الألم
ومريض الأنفلونزا يكمل حياته بصورة عادية جداً, فقط بعض المسكنات والمقويات.
بل والأخبث أن تعترف شفاهنا أننا مرضي سرطان, وتكمل قلوبنا مسيرتها كمرضي الأنفلونزا.
بينما من يكتشف أنه مريض بالسرطان بحق, تتوقف حياته فوراً, ويوم يعرف تلك الحقيقة يصبح ذلك اليوم فاصلاً, فيُجمِدٌ كل نشاطاته, ويصب كل تركيزه علي كيفية التخلص من ذلك المرض الخبيث المنتشر في الجسد, من خلال طبيب ماهر لا من خلال مسكنات.

تنتشر داخل قلوبنا وعلي أفواهنا إعترافات تتفق أننا خطاه علي رتبه الأنفلونزا, فلا نتضرر كثيراً, ونكمل حياتنا ببعض المسكنات…بينما هي تحتاج لوقفة قوية جداً, وصرخة أقوي لكي ينقذنا من جسد هذا الموت
فتكون النتيجة هي الإنفاق والتدهور إلي حال أرد
لكن شكراً لله الذي يظل أميناً ينتظر إعترافنا ويبكتنا بروحه حتي تعترف قلوبنا.
ووقتها … يكون وقت موتنا الحقيقي, وولادتنا الحقيقية
وقتها يكون ألم كبير كألم الصليب, بسبب تلك الحقيقة المفزعة.
لكنه متبوع بمجد عظيم لقيامة من قبل الألم فصار في المصلوب.
فيا لفرح مريض السرطان بشفائه بعد إعترافه للطبيب الشافي.
ويا لتعاسة مريض السرطان ببقاء مرضه بعد تزييفه.

Romany Joseph
25th December 2011


[1]  تزييف عمل الله: فنتظاهر بموت الإنسان العتيق وهو لم يمت ونتظاهر بإكتمال نضج الإنسان الجديد وهو لا يزال جنيناً
هذا يعتبر أخطر أنواع العراقيل التى نضعها أمام الله، فنصعب عليه خطة خلاصنا من الإنسان العتيق ، وربما يتسبب فى توقف العملية برمتها!!
هنا الذات تتظاهر بموتها لكى لا تموت ، وتتقمص الإنسان الروحى الجديد وتزيف أعماله، لكى تسد الطريق أمامه ، وتنضم إلى زمرة الروحانيين وصفوفهم لكى تتجنب كل وسائل الإماتة المناسبة لقامتها

هذا العمل خطر جداً على الإنسان ، لأنه فى لحظة يتخلى الله، فيفقد الإنسان قدرته نهائياً على إدراك حقيقة نفسه وغشها وخداعها، لأن العدو يمده حينئذ بقوة ومهارة للتظاهر والغش ولإفساد ليس حياته هو فحسب ، بل وحياة الأخرين: ملاحظين لئلا يخيب أحد من نعمة الله، لئلا يطلع أصل مرارة ويصنع إنزعاجاً فيتنجس به كثيرون.

أما مواصفات هذه النفس فهى كالآتى :

تتكلم عن محبة الله وليست فيها أية حرارة لمحبة الله .والمخدع يشهد بذلك
تكرز بالصليب والآلام ، وليست فيها أية رغبة على تحمل الظلم أو الإهانة أو الألم
– تكلم وتبشر بالقيامة وببهجة القيامة وليست فيها أية حركة داخلية تفيد إنها بدأت تقوم من قبر شهواتها وزناها
تكرز وتعظ وتبدى غيرة وحماساً لخلاص الخطاة وهى من الداخل قلبها كالثلج لا يحس لا بالخطاة ولا بالخطية ولا بأية غيرة على خلاص الناس
تدعى بالتصريح وبالتلميح إنها لا تتكلم عن نفسها بل هى نعمة الله المتكلمة على لسانها. وفى كشف الضمير وفى نور الروح القدس يتضح لها وللناس إنها فى الحقيقة إنما تحب الوعظ والكلام للظهور وتزكية الذات. وهكذا يتضح إن العمل ليس نعمة ، ولكن ذكاء ومهارة ومواهب طبيعية، إستخدمتها الذات ضد نعمة الله لكى لا تموت!!وإستخدمت كلمة الله ضد الله لكى لا يكمِّل خطته لإهلاك الذات، حتى لا يستطيع الله أن يعمل عمله الحقيقى بواسطة الإنسان الروحى الجديد فيها!

وهكذا نعلم الآخرين ولا نقبل نحن أى تعليم، وإن قبلنا التعليم فنقبله بعقلنا فقط، لا لكى يؤول التعليم إلى موت الذات بل لكى يصير ذخيرة عقلية للتعليم لحساب انتفاخ الذات. وهكذا يفلت الإنسان من سيف كلمة الله الكاشفة.
نعيش فى وسط الإخوة كعضو فى جسد المسيح، ولكن لا نحس بأى عضو آخر. لا نئن بأنين الآخرين ، ولا نريد أن نحزن بحزن الآخرين، بل على العكس تسعى الذات لترتفع على أكتاف الآخرين وتستغل وجودها فى وسط الأعضاء لتتمجد على حسابهم وتترأس عليهم. وهكذا بغبائها وكبريائها تفقد نعمة وبركة الشركة مع القديسين
قلنا إن الله يتصعب عليه جداً كشف مثل هذه الذات وإبطال نشاطها المزيف حتى يمكنه ان يطلق الروح من سجنها الداخلى
هنا يلح علينا المسيح جداً أن ننتبه : هل يجتنون من الشوك عنباً
الأب متي المسكين – حبة الحنطة

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in قصص قصيرة, مقالات روحية, أمور تلخبط and tagged , . Bookmark the permalink.

3 Responses to سرطان… أم أنفلوانزا؟

  1. Marina Francis says:

    بل والأخبث أن تعترف شفاهنا أننا مرضي سرطان, وتكمل قلوبنا مسيرتها كمرضي الأنفلونزا
    ……….
    وهكذا نعلم الآخرين ولا نقبل نحن أى تعليم، وإن قبلنا التعليم فنقبله بعقلنا فقط، لا لكى يؤول التعليم إلى موت الذات بل لكى يصير ذخيرة عقلية للتعليم لحساب انتفاخ الذات. وهكذا يفلت الإنسان من سيف كلمة الله الكاشفة
    نعيش فى وسط الإخوة كعضو فى جسد المسيح، ولكن لا نحس بأى عضو آخر. لا نئن بأنين الآخرين ، ولا نريد أن نحزن بحزن الآخرين، بل على العكس تسعى الذات لترتفع على أكتاف الآخرين وتستغل وجودها فى وسط الأعضاء لتتمجد على حسابهم وتترأس عليهم. وهكذا بغبائها وكبريائها تفقد نعمة وبركة الشركة مع القديسين
    true

  2. Pingback: بين المنظور واللامنظور | Romanyjoseph's Blog

  3. Pingback: تخفيف شوكة موتنا يفقدنا قوة القيامة | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s