نحن أبر منهم

كانت صرخة كبيرة تلك التي صرخها حبقوق النبي، حين رأي شعبه يُظلم من شعب أخر شرير وقاسي(الكلدانيين)، والله صامت لا يتدخل ليحامي عن شعبه، فصرخ قائلاً:

عَيْنَاكَ أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تَنْظُرَا الشَّرَّ وَلاَ تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى الْجَوْرِ فَلِمَ تَنْظُرُ إِلَى النَّاهِبِينَ وَتَصْمُتُ حِينَ يَبْلَعُ الشِّرِّيرُ مَنْ هُوَ أَبَرُّ مِنْهُ؟  (حب 1: 13)

كانت صرخته هي لسان حال كل الشعب، وكانت صرخته تحمل في كلماتها سر مشكلة الشعب، وسر صمت الله.
فالشعب يطلب من الله التدخل ليس لأنهم أبرار ويسلكون في طريق الرب ويحيون معه. وهو معهم… كلا
هم فقط أبر ممن يحاولوا إبتلاعهم …
فقط؟!
نعم… كانت هذه هي طلبة الشعب.
ولكن هل هذه وجه نظر الله؟ هل يتدخل الله ليحامي عن من هو بره نسبيا أكثر من الآخر؟… والتي يمكن ترجمتها أنه أقل شراً من الأخر؟

لو فكرنا بالمنطق البشري، سنجد أن الإجابة قطعاً هي لا، لأنه دائما يوجد من فساده أكثر وشره أقوي نسبياً، ولو تدخل الله ليحامي عن الأقل فساداً، لحامي عن الكل، ولأكمل الكل في طريقة ظاناً أنه أفضل.

ولو فكرنا بفكر الله، سنجد أيضاً أن بر الإنسان هو وضعه السليم والصحيح مع الله، والذي يستمده من العلاقة الشخصية مع الله، ووضعه الذي يجب أن يكون فيه، فهو أمر لا دخل له بحال من حولي.
لقد رفض الرب الفريسي رجل الدين المدقق، حين شكره أنه ليس مثل العشار الخاطئ يصوم يومين ويعشر كل ما له، فكانت النتيجة أنه صار مرفوضاً، بينما العشار الذي نظر لحاله فقط فقرع صدره وطلب الرحمة، خرج مبرراً.
بينما الإنسان الفريسي ينظر بطريقة عكسية تماماً، فطالما أنا ذو أخلاق جيدة مقارنة بالآخرين، وملتزم دينيا مقارنة بالآخرينً، ولا أرتكب فظائع وجرائم كالأخرين، إذن فأنا بار!! ووضعي سليم مع الله.

كانت هذه مشكلة الشعب أيام حبقوق، أنه قاس نفسه علي الأخرين، فتوهم أنه يستحق تدخل الله وهو في وضع خاطئ لمجرد أن الأخرين أكثر خطأ منه من ناحيه، وأن إسم الرب دعي عليه من ناحيه اخري حتي لو هو لا يحيا له.
وتوقع ذلك، ولم يحدث شئ، صمت الله… وفتكه أعدائه فتكاً.
وليس هذا فقط، بل تصميم شعب الله علي موقفهم في ذلك الوقت ، جعلهم مرفوضين وسبقهم الأمم للدخول لمملكة المسيح، وطُرح أبناء الملكوت خارجاً لانهم بظلمتهم حين جاء المخلص طرحوه خارجاً، وتحقت الأية، أن اخرون يكونون أولون.
فهل تتكرر القصة في زماننا وفي بلادنا؟  إنه إختيارنا، فكما كان، هكذا يكون…من جيل إلي جيل

فالله يقيس الشعب من حالته ومن خلفيته، من علاقته مع إلهه، يقيسه علي الوزنات التي أعطاها لهم، وعلي بعدهم عنه أو قربهم منه بعد كل ما فعل لهم، هكذا أجاب الرب حبقوق، أنه جعل ذلك الشعب الشرير يكون لتأديبه:

… يَا رَبُّ لِلْحُكْمِ جَعَلْتَهَا وَيَا صَخْرُ لِلتَّأْدِيبِ أَسَّسْتَهَا. (حب 1 :12)

 بل بروح العهد الجديد، تكلم السيد المسيح وأقر أن شعبه قد يضرب أكثر ممن لا يعرفونه، لأن وزناتهم أكثر.

وَأَمَّا ذَلِكَ الْعَبْدُ الَّذِي يَعْلَمُ إِرَادَةَ سَيِّدِهِ وَلاَ يَسْتَعِدُّ وَلاَ يَفْعَلُ بِحَسَبِ إِرَادَتِهِ فَيُضْرَبُ كَثِيراً. وَلَكِنَّ الَّذِي لاَ يَعْلَمُ وَيَفْعَلُ مَا يَسْتَحِقُّ ضَرَبَاتٍ يُضْرَبُ قَلِيلاً. فَكُلُّ مَنْ أُعْطِيَ كَثِيراً يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ وَمَنْ يُودِعُونَهُ كَثِيراً يُطَالِبُونَهُ بِأَكْثَرَ.  (لو 12: 47: 48)

هذه هي محبة إله السماء، إنه يؤدب أولاده ليقومهم ويكونوا له، ويتمم مشيئته في حياتهم، فهم الأقرب للحياة، ورسالتهم نحو خلاص إخوتهم وديعة ثمينة يستحيها الله بعد أن دفنوها، وساعتها.. يصبح من هم أكثر شراً منا، هم أكثر المحتاجين إلينا.

عجيب أن أري مسيحيين مصر يشعرون بالشمئزاز من التيارات الدينية… ويصدقون في اعماقهم أنهم أبر منهم وأفضل حالاً.. مع أننا كأقباط نفعل ما يفعلوه وأكثر… ويا للعجب… نحن مؤتمنين علي ما هو أكثر.

لكن بالطبع نحن لا نريد أن نري ذلك
هم تجار دين.. أما نحن فنتبع المسيح بلا ادني تجارة أو مصلحة وحاشا لنا من أن نجعل بيته مغاره لصوص والعياذ بالله.

هم يمسكون بحرف الدين.. اما نحن أبرار نحيا بالروح ونسلك به.
هم يكذبون ويزيفون… أما نحن فلا نزيف ابداً ابداً..
هم يؤلهون أشخاص وقيادات مهما فعلوا… أما نحن فنقول الحق بلا محاباه في وجه أي قائد روحي.
هم متعصبون يكرهون الشيعة.. ونحن نحب الطوائف ونحيا في وحدة الجسد كما قال المسيح.
نعم… نشكرك يا ربن أننا لسنا مثل بقية الناس الخطافين الظالمين الزناه..

نحن بلا عذر فيما ندين غيرنا نحكم علي أنفسنا.. نحن لسنا أبر منهم…بل أكثر فساداً.

فيا شعب الرب…
هلم إدخل إلي مخادعك وإغلق أبوابك خلفك
إغلق أبواب طلب المعونة السمائية بدون فهم

إغلق أبواب اللبر الذاتي، والبر النسبي
 لا تتكلوا علي كلام الكذب… قائلين أن الرب سينقذنا بينما نحن تركناه
إرجعوا للرب بكل القلب، إرجعوا بالصوم حتي يشبعكم حضوره
إرجعوا بالبكاء حتي يمسح دموعكم، بالندم حتي تجدوا باب الرجاء

فحضن الحبيب ينتظركم ليطهركم، ويحي موتكم بروحه، ويجدد وديعتكم
ويده تشتهي أن تعطيكم رسالتكم المجيدة…خلاص النفوس
فتشتهون معه خلاص الشعب الذي يقلقكم، ويبتلعكم
وتتبدل رؤيتكم… وترون من يعادوكم محتاجون لكم
فتقلقوهم أنتم بمحبتكم، وتحاربوهم بسلاح البر لليمين و لليسار
البر الحقيقي الذي كساكم به إلهكم العظيم
تهدمون حصونهم وتستأسروهم بمحبة لطاعة مسيحكم
وتبتلعوا موتهم..وتفيضوا عليهم بحياة يسوع

Romany Joseph
29th December 2011

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in مقالات روحية, أمور تلخبط, الكنيسة, الكنيسة ومصر and tagged , , . Bookmark the permalink.

6 Responses to نحن أبر منهم

  1. Pingback: صغير وكبير – 2 – الأعماق | Romanyjoseph's Blog

  2. Marina Francis says:

    i wish u go deeper in this topic
    the one to one point of view
    not group to group point of view

  3. Pingback: بين حال الكنيسة… وحال البلاد | Romanyjoseph's Blog

  4. Pingback: وقالت الصناديق للدين: نعم… وقالت السماء للمستنيرين:لا | Romanyjoseph's Blog

  5. Pingback: كيف صارت القرية الامينة زانية | Romanyjoseph's Blog

  6. Pingback: ولم أجد مَنْ أثق فيه.. إلا أنت وحدك.. ومَنْ هم فيك | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s