صغير وكبير | 2 | الأعماق

إِنْسَانَانِ صَعِدَا إِلَى الْهَيْكَلِ لِيُصَلِّيَا وَاحِدٌ فَرِّيسِيٌّ وَالآخَرُ عَشَّارٌ. (لو 18: 9)

في داخلي كلاهما وفي أحشائي يرقدان، وحولي كلاهما وفي أحشاء الأخرين أيضا يسكنان …
فريسي وعشار … واثق بنفسه يجمع التحيات في الأسواق، وآخر مُـحتَقر يحصد الإحتقار أينما ذهب…
فريسي وعشار …  كبير وصغير
يصعد كلاهما ليكلما الرب..
إنهما صوتان قائمان ومتصارعان داخلي، وإتجاهان متضادان ومتصارعان حولي …

أَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هَكَذَا: اَللَّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ وَلاَ مِثْلَ هَذَا الْعَشَّارِ.أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ.(لو 18: 10 – 12)

وَكَانَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ يُرَاقِبُونَهُ (أي يسوع المسيح ): هَلْ يَشْفِي فِي السَّبْتِ لِكَيْ يَجِدُوا عَلَيْهِ شِكَايَةً.(لو  6 :  7)

وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُوراً مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً وَهِيَ مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ.هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً: مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَاراً وَلَكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِلٍ مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْماً! (مت 23 : 27 – 28)

بداخلي وحولي ذلك الفريسي الكبير، الذي يري نفسه باراً… وقلبه يحتقر الأخر، لا يقولها بلسانه أبدا! فهو أخبث من هذا بكثير، بل إنه قد يعلن ضَعِفه أمام الأخرين لكسب إحترامهم وتَعميق صورة التقوي. وكثيرا يترفق بالخطاة وبالعشارين بلسانه في حديثه أمام الناس، وقد يلتمس له العذر في كلامه معهم لتعضيد قناع الرحمة المزيف الذي يرسمه ببراعة وإتقان.

لكن قلبه المرتفع يقولها في نفسه صريحة وواضحة لا يسمعها إلا الله وهو[1]، يقولها بثقة: أنا أبر منه ومنهم! هم خطاه أشرار، هم زناة فاسدين، هو عشار، أما أنا … فخادمك الكبير، أنا المفرز لك … أنا الدارس لكتبك وكلمتك … أنا من أفعل وأفعل لأجلك ولأجل خدمتك … أنا من لي صورة التقوي، حتي لو كان قلبي ينكر قوتها[2].

ينظر لنفسه ولتاريخة الطويل مع الله، فيبتسم في ثقة وثبات، فهو حقاً إبن أصحاب الإيمان السليم، المختلفين عن بقية البشر[3]، معرفته بالكلمة وفكر الرب يجعله واثق في نفسه، لا في الرب، دراسته الكثيرة، وتعبه وأسهاره، تُــشعره أنه شيئاً، حلته ذات الأهداب تشهد له[4]، تحيات الناس له في الأسواق هدفه الخفي وعشقه، شهادة الأخرين له هي طلبته، ومبتاغاه وجود مجموعة خلفه تتبعه بثقة، يعطيه قوة، رغبه الناس أن يكون في المتكأ الأول مصدر مكانته لدي الله، وجهه المتواضع، وإبتسامته الهادئة لا تعكس ما في قلبه، هذا هو الفريسي وهذه هي أعماقه وخبايا قلبه.

وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: اللهُمَّ ارْحَمْنِي أَنَا الْخَاطِئَ. (لو 18: 13)
وَكَانَ جَمِيعُ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ يَدْنُونَ مِنْهُ (أي يسوع) لِيَسْمَعُوهُ.
 فَتَذَمَّرَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ قَائِلِينَ: «هَذَا يَقْبَلُ خُطَاةً وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ»(لو  15 :  1)

وبداخلي وحولي العشار الضئيل … الذي أحتقره أنا ويحتقره الأخرين ولا سيما الفريسي، ذلك العشار الذي يري نفسه خاطي وقلبه عارف بخطيته، غير منكر لها، يأتي للرب في مزيج عجيب من الخجل والرجاء، خجل شديد حتي أنه غير قادر أن يرفع وجه أو يتكلم من كثرة تلامسه مع ثقل الخطية، ورجاء أشد، حتي أنه قاوم خجله ووقف لكي يعلن خطيته ورجائه في رحمة الرب، كان في أعماقه معركة ، حتي لو كان مهزوماً علي الدوام.

خطيته قد لا تكون سقطه أو زله، فخطيته المعروفة لنا هي مهنة شريرة يدبر ويخطط لها، لكنه في نفس الوقت، لا يُجملها أو يٌنكرها، قد يكون كارهاً لها، قد يكون مقيد لها، أو مُستعبد نحوها… لا نعلم، لكن ما نعلمه أنه كان يتحرك وسط هذا نحو الله، وقلبه أمين لأنه لا يُجَمل فساده ولا يُقلل من بشاعة خطيته، نعلم أنه قرع صدره، ولم يقدر أن يرفع عينيه للسماء، فقد كان منسحق النفس والروح، نعلم أنه طلب أن يري يسوع مَن هو، نعلم أنه كان يدنو منه ليسمعه، والفريسيين تذمروا علي يسوع لأجل ذلك.

أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ هَذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّراً دُونَ ذَاكَ لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ». (لو 18: 14)

وَبَيْنَمَا هُوَ مُتَّكِئٌ فِي الْبَيْتِ إِذَا عَشَّارُونَ وَخُطَاةٌ كَثِيرُونَ قَدْ جَاءُوا وَاتَّكَأُوا مَعَ يَسُوعَ وَتَلاَمِيذِهِ. فَلَمَّا نَظَرَ الْفَرِّيسِيُّونَ قَالُوا لِتَلاَمِيذِهِ: «لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُمْ مَعَ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ؟»  (مت  9 :  10 – 11)

وأخيرا… خرج الفريسي غير مُبرر، والعشار مُبرر …
الفريسي يطيل الصلاة لعله، فُترفض ويدان ، والعشار يلقي بإعتراف قصير من القلب فُيًقبل ويُبًرر …
الفريسي كان يراقب المسيح ليشتكي عليه وهو يشفي، والعشار كان يدنو منه ليسمعه وهو يتكلم…
الفريسي رفض المسيح، والعشار قُبله في بيته فرحا …
الفريسي حارب بشارة الإنجيل … والعشار كتب الإنجيل …
الفريسي صلب المسيح… والعشار مات لأجله …

فيا أيها الفريسي المرتفع … الكائن في داخلي، أو الموجود حولي …
أنا لا أريد أن أكون كبيراً في عيني نفسي أبداً، ولا أريدك …
أريد أن أرفضك أنت وكبريائك، وعيونك المتعالية …
أرفضك أولاً في داخلي وساعتها سأميز أن أرفضك وأنت كائن من حولي …
أشتهي أن أفضح خبثك المستتر وتلونك علي الدوام …
أفضحك داخلي أولاً، وساعتها… سأميزك وأدرك خبثك وأنت كائن من حولي  …
أنت في قساوة قلبك حاربت الإنجيل وأنت لا تعلم، ومازلت تحاربه …
أنت في شرك رفضت الخلاص، وأنت تدعي حمايته
أنت في عماك صَلبت المسيح دون أن تدري، ومازلت تصلبه …
أنت مائت وإن كان لك إسم أنك حي …

ويا أيها الخاطئ المعترف … الكائن في داخلي، والموجود حولي …
يفرح الرب بقلبك المعترف، ونفسك المنسحقة[5]
يا ليتك تدرك قبول الرب لك، لا لأجل حسن فعلته أو ستفعله …
لكن لأجل قلبك التائب، ولأجل صدرك الذي تقرعه وعيونك التي لا تقدر أن تنظر لعلو السماء …
صلاتك القصيرة قُبلت لانها من القلب، بينما الكلمات المنمقة والمرصوصة رفضت …
أنت في بصيرتك نلت التبرير، وبإعترافك زرع المخلص حياته فيك …
أنت ترنو إليه وتبغاه من القلب، وتدريجيا سيرفعك من المزبلة[6] لتجلس علي مائدة البنين …
أنت من كتب الإنجيل وستحياه …
أنت حي فيه، وإن كنت لا تدري …

وَهُوَذَا آخِرُونَ يَكُونُونَ أَوَّلِينَ وَأَوَّلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ (لو  13 :  30)

فقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ (أي للفريسيين): «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ الْعَشَّارِينَ وَالزَّوَانِيَ يَسْبِقُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ اللَّهِ (مت  21 :  31)

Romany Joseph
15th February 2012

 


[1] أَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هَكَذَا: اَللَّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ وَلاَ مِثْلَ هَذَا الْعَشَّارِ. أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ. (لو 18: 10 – 12)

 [2] وَلَكِنِ اعْلَمْ هَذَا أَنَّهُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ سَتَأْتِي أَزْمِنَةٌ صَعْبَةٌ، لأَنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ مُحِبِّينَ لأَنْفُسِهِمْ، مُحِبِّينَ لِلْمَالِ، مُتَعَظِّمِينَ، مُسْتَكْبِرِينَ، مُجَدِّفِينَ، غَيْرَ طَائِعِينَ لِوَالِدِيهِمْ، غَيْرَ شَاكِرِينَ، دَنِسِينَ، بِلاَ حُنُوٍّ، بِلاَ رِضىً، ثَالِبِينَ، عَدِيمِي النَّزَاهَةِ، شَرِسِينَ، غَيْرَ مُحِبِّينَ لِلصَّلاَحِ، خَائِنِينَ، مُقْتَحِمِينَ، مُتَصَلِّفِينَ، مُحِبِّينَ لِلَّذَّاتِ دُونَ مَحَبَّةٍ لِلَّهِ، لَهُمْ صُورَةُ التَّقْوَى وَلَكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتَهَا. فَأَعْرِضْ عَنْ هَؤُلاَءِ (2تي 3: 1- 5)

 [3] فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ قَالَ لَهُمْ: «يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي؟ فَاصْنَعُوا أَثْمَاراً تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْراهِيمُ أَباً. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هَذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاَداً لِإِبْراهِيمَ. (مت 3: 7 – 9)

[4] وَكُلَّ أَعْمَالِهِمْ يَعْمَلُونَهَا لِكَيْ تَنْظُرَهُمُ النَّاسُ فَيُعَرِّضُونَ عَصَائِبَهُمْ وَيُعَظِّمُونَ أَهْدَابَ ثِيَابِهِمْوَيُحِبُّونَ الْمُتَّكَأَ الأَوَّلَ فِي الْوَلاَئِمِ وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ وَأَنْ يَدْعُوَهُمُ النَّاسُ: سَيِّدِي سَيِّدِي! (مت 23: 5 – 7)

 [5] … وَإِلَى هَذَا أَنْظُرُ: إِلَى الْمِسْكِينِ وَالْمُنْسَحِقِ الرُّوحِ وَالْمُرْتَعِدِ مِنْ كَلاَمِي. (أش 66: 2)

 [6]  جَمِيعُ عِظَامِي تَقُولُ: [يَا رَبُّ مَنْ مِثْلُكَ الْمُنْقِذُ الْمِسْكِينَ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَالْفَقِيرَ وَالْبَائِسَ مِنْ سَالِبِهِ؟]. (مز35: 10)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in صغير وكبير and tagged . Bookmark the permalink.

4 Responses to صغير وكبير | 2 | الأعماق

  1. Marina Francis says:

    الفريسي حارب بشارة الإنجيل … والعشار كتب الإنجيل …
    الفريسي صلب المسيح… والعشار مات لأجله …
    to7fa awiiiiiiiiiiiii

  2. Marina Francis says:

    bas a7yanan by7sal labs
    الاشفاق على الفريسي مع ان الدافع هو رفع العشار فاهمني يعني احيانا الدنيا بتتلخبط

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s