بين المنظور واللامنظور

لو إصيب شخص بمرض جلدي ظاهر، فهو يعلم يقينا أن وراء ما يراه بعينه فيروس لا يُري من نوع معين يعمل في الجسم، فما يراه في جلده من إلتهاب أو أي عَرَض هو أمر منظور لواقع غير منظور. ولتصديق الإنسان لتلك الحقيقة، يذهب ببساطة المريض لطبيب متخصص، والذي بدوره يفحص العرض الظاهر، ثم تجده يترك العَرض ويكتب للمريض كبسولة ما أو حقنة يأخذها بإنتظام معين، ويتم الشفاء.

لقد إعتدنا علي هذا السيناريو في أمراضنا ولا نستغربه قط، لكن لو فرضنا أننا أتينا بشخص عاش حياته بعيداً عن المدنية، أو من زمن مختلف، ستجده يتعجب جداً… ما علاقة تلك الكبسولة الحمقاء المظهر بما أعانيه في جلدي؟!! ولماذا أخذ سائل شفاف داخل في عروقي لأجل مشكلة في جلد وجهي؟ أي جنون هذا… لقد كنت أتوقع من الطبيب أن يركز جهده في إلتهاب الجلد مباشره بأدوات، ينظف أو يزيل أو …أو!!

سنبتسم نحن من ولدنا في عصور التقدم والتكنولوجيا، ونشرح له بثقة أن تلك الكبسولة أو الحقن يتعامل مع جذور المشكلة ببراعة شديدة لن تراها أنت، ولو كان هو حكيماً، يجب أن يصدقنا بسبب ما يراه من حضارة يفتقرها هو وأيضاً بسبب إفلاسه وعدم وجود أي حلول عنده.

لكن العجيب جداً، أننا نحن في إحتكاكات حياتنا اليومية نمر بمثل هذه القصة عشرات المرات، فكل واقع منظور في حياتنا الشخصية، أو علاقاتنا، أو في خدماتنا، أو في ظروف كنيستنا أو بلادنا، خلفه واقع غير منظور وما نراه ما هو إلا أعراض…

فمشاكلنا في العمل الظاهرة من إحتكاكات وعبودية وضغط ورائها واقع غير منظور في توجهاتنا…
ومشاكل علاقاتنا من غياب محبة أو علاقاتنا منهارة ورائها واقع غير منظور في توجهاتنا…
ومشاكل خدمتنا في كنائسنا من فتور وإنهيار خدمة ورائها واقع غير منظور في توجهاتنا …
ومشاكل بلادنا من إنهيار وإرتباك وتدهور ورائها واقع غير منظور في حال الأغلبية…
نعم…فكل منظور ورائه واقع غير منظور هو الأصل والسبب…
ولن حدث تغيير حقيقي في حياتنا من الخارج المنظور.. يجب أن يبدأ بالداخل اللامنظور.

لكننا نعشق المنظور، نحب السطحية والجهل ونسميهما بساطة وروحانية، ونكره العمق وفحص اللامنظور ونسميها تعقيد وكبرياء، الحقيقة أن نفوسنا ترتجف من الغوص للعمق وتهرب من الأعماق الغير منظورة، وترتاع قلوبنا لأننا نعلم أن أعماقنا المظلمة بها أمور مخجلة ومفزعة، فلا نحاول الخوض في الأعماق خلف ما يحدث في حياتنا وحولنا ونكتفي بوضع بعض المسكنات الخارجية وندعي أن ذلك العلاج الذي من يد الله، فتكون النتيجة التدهور للأسواء.

مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ (أنبياء تنادي بالعلاج الظاهري) أَضَلُّوا شَعْبِي قَائِلِينَ: سَلاَمٌ وَلَيْسَ سَلاَمٌ، وَوَاحِدٌ مِنْهُمْ يَبْنِي حَائِطاً وَهَا هُمْ يُمَلِّطُونَهُ بِالطُّفَالِ (الطين الخارجي لحائط حجارته الداخلية تحتاج علاج). فَقُلْ لِلَّذِينَ يُمَلِّطُونَهُ بِالطُّفَالِ إِنَّهُ يَسْقُطُ. يَكُونُ مَطَرٌ جَارِفٌ، وَأَنْتُنَّ يَا حِجَارَةَ الْبَرَدِ تَسْقُطْنَ، وَرِيحٌ عَاصِفَةٌ تُشَقِّقُهُ. لِذَلِكَ هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: إِنِّي أُشَقِّقُهُ بِرِيحٍ عَاصِفَةٍ فِي غَضَبِي، وَيَكُونُ مَطَرٌ جَارِفٌ فِي سَخَطِي وَحِجَارَةُ بَرَدٍ فِي غَيْظِي لإِفْنَائِهِ فَأَهْدِمُ الْحَائِطَ الَّذِي مَلَّطْتُمُوهُ بِالطُّفَالِ، وَأُلْصِقُهُ بِالأَرْضِ، وَيَنْكَشِفُ أَسَاسُهُ (الغير منظور) فَيَسْقُطُ (لأنه خـَرب)، وَتَفْنُونَ أَنْتُمْ فِي وَسَطِهِ، فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ. (حز 14: 11 – 14)

لقد تم رفض كل رجال الله الذين يتحدثون عن عمق مشاكل الشعب اللامنظورة، إيليا النبي وصفه أخاب أنه مكدر إسرائيل ، حزقيال الذي أراه الله خفايا مخادع الكهنة ونجاساتهم كرهه الشعب جداً ولم يسمعوه، أرميا النبي رفضوه وحاولوا قتله عدة مرات لأنه كان يكشف اللامنظور من فساد الحال لأجل تنقيته، لكنهم لم يريدوا ذلك، وكذلك أشعياء  وكل أنبياء السبي تقريباً… وأخيرا…السيد المسيح حصد سبع محاولات قتل ونجحت الثامنة.

هذه هي حقيقتنا التي لن يحدث تغيير لها في حياتنا وظروفنا إلا حين نعترف ونقر بها من عمق قلوبنا…
هذا هو نحن…
نحن لا نحب الذهاب للطبيب… ولا نريد أن يدخل بنا للعمق… حتي لو قلناها بشفاهنا!!
نحن نعلم أنه سيتكلم علي المشكلة الداخلية لا الخارجية…
نحن نتيقن أنه سيعطي علاج داخلي لا خارجي…
وأحياناً كثيرة… نحن لا يروق لنا هذا…
أحياناً نريد أن يبقي واقعنا المظلم  كما هو ولا نتواجه معه…
بلا عمق …بلا أساس… بلا جدية…نريد الكثير
نريد أن نكتفي بالسطحية في ديانتنا (إن جاز تعبير ديانة) ونقنع نفسنا أنها أحسن ديانة…
نريد أن نكتفي بالسطحية في طائفتنا ونراها أحسن طائفة…
نريد أن نكتفي بالسطحية في كنيستنا ونراها أحسن كنيسة… وخدمتنا أحسن خدمة…
نوهم أنفسنا أن كله تمام ولا بأس به، وندعي أن هذا الهروب المخجل ودفن الرؤوس في الرمال هو إيمان وبساطة…
بل ونحاول التصالح مع واقعنا المظلم…تجنباً للألم… لكن للأسف يبقي الألم بل ويزيد…

نحن نحاول إصلاح الجانب المنظور سواء من حياتنا أو بيوتنا أو كنائسنا أو مجتمعنا أو بلادنا…
في حياتنا الشخصية نجتهد في تجنب الخطية ونزيد من صلواتنا وقرائاتنا وأصوامنا وخدمتنا، بينما أعماقنا لا تجد المحبة والشبع والسلام وقلوبنا متغربة عن المسيح والروح منطفئ ومشيئة الأب غير واضحة…
في بيوتنا نحاول أن نحتفظ بمظهر معين فيه القليل من المحبة بينما العلاقات مشروخة بسبب جراح الطفولة وتشوهات الزمان…
في كنائسنا نشجع الناس لمزيد من الحضور ونُغير الأنظمة ونقلبها يميناً ويساراً ونفتقد هذا وذاك ، ونبتدع طرقاً جديدة لجذب الناس، بينما المحبة الحقيقية غائبة والتحزب والإنشقاق سائد ومتفشي في العمق اللامنظور.
وفي بلادنا نتظاهر وتغير النظام وننظم المسيرات وونحشد الشعب ونُجَمع الأصوات في الإنتخابات وننادي بالحملات…بينما المشكلة اللامنظورة هي غياب النور والحرية الحقيقية وإنتشار الفساد في الأغلبية.

كل ما سبق كان يمكن أن يكون جيد لو كان ثمر تغيير داخلي غير منظور، لكن كله باطل لو كان فقط تغيير خارجي، فالمشكلة ستبقي بل ستسوء، والعمل إن كان ليس له أصل سينهار مع أول مشكلة.

وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى مَكَانٍ مُحْجِرٍ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تُرْبَةٌ كَثِيرَةٌ فَنَبَتَ حَالاً إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمْقُ أَرْضٍ.وَلَكِنْ لَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ احْتَرَقَ وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ.(مر 4: 5-6)

وَأَنْتِ أَيَّتُهَا الْخَرِبَةُ (من الداخل) مَاذَا تَعْمَلِينَ؟ إِذَا لَبِسْتِ قِرْمِزاً إِذَا تَزَيَّنْتِ بِزِينَةٍ مِنْ ذَهَبٍ إِذَا كَحَّلْتِ بِالأُثْمُدِ عَيْنَيْكِ (كلها أمور خارجية) فَبَاطِلاً تُحَسِّنِينَ ذَاتَكِ (أر 4: 30)

لقد كان والد المطرب مايكل جاكسون يسخر من أنفه الضخم عندما كان طفلاً، فحين كبير مايكل، قام بعمل عدة عمليات تجميل لأنفه لعله يرتاح.. لكنه لم يرتاح أبداً.. حتي أنه كان ينفق 150 الف دولار شهرياً علي المهدئات النفسية، بينما نيك فيوتيتش المولود بدون قدمين ويدين مستمتع بحياته لأنه واجه مشكلته وعمقها، لقد جمعت في فيديو مقارنه بين أعماق كلاهما الصادمة لنا والتي عكس كل توقع فمايكل جاكسون كان تعيساً ومات بجرعة مخدرة زائدة، بينما نيك كان سعيداً.

والذين أصروا علي معالجة المنظور وتجنب العمق اللامنظور، مع التصميم ورفض يد الله الشافية الحانية الممتدة للعمق، أصبحوا فريسيين وقال عنهم المسيح:

وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ لأَنَّكُمْ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ وَهُمَا مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوآنِ اخْتِطَافاً وَدَعَارَةً!أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّ الأَعْمَى نَقِّ أَوَّلاً دَاخِلَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ لِكَيْ يَكُونَ خَارِجُهُمَا أَيْضاً نَقِيّاً.وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُوراً مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً وَهِيَ مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ.هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً: مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَاراً وَلَكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِلٍ مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْماً!(مت 23 : 25 – 28)

فيا ليت قلوبنا تتشدد ولا تخاف من ظلام أعماقنا…
فمسيحنا دخل لظلمة القبر وخرج منها حياً وغلب الظلام والموت لأجلنا…
يا ليتنا لا نهرب وتكتفي بالسطحية وتغيير المنظور…
فمسيحنا واقف يقرع القلوب ويشق طريقه للعمق وهو قادر علي هزيمة ظلام قلوبنا…
لنفتح أبوابنا الدهرية ولنسمح لملك المجد بالدخول لأعماقنا فتستنير قلوبنا أولاً…
لنقبل تطهيره علاجه للخبايا ولو كان مؤلماً ألم الصليب…فبعده قيامة مفرحة…
فألم أمراضنا أخطر وأكثر قسوة ولو تركناه سيستمر ويبتلعنا…
ولو تعاملنا مع الأعراض الخارجية فلن نفلح…
بينما صليبه المطهر ينقي دواخلنا ويقيم ويحينا ويجلسنا في السماويات…
فلنحارب به ومعه، فهو خرج غالب ولكي يغلب… يغلب فينا قبل حولنا!!

Romany Joseph
11th March 2012

 

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in تميز الأمور المتخالفة and tagged . Bookmark the permalink.

8 Responses to بين المنظور واللامنظور

  1. Marina Francis says:

    7elwa .. bashabeh 3aleha 🙂

  2. Marina Ramzy says:

    روماني النوت دي رائعه جداً ربنا يباركك . هيّ أزاي صح قوي و واقعيه قوي كدا؟ موضوع السطحيه ده حاجه الواحد كتير بيعملها بوعي او بدون وعي يمكن هروب من العلاج لأنه مؤلم او رفض للأعتراف بحقيقه المرض و انه مش ينفع يتعالج بمسكنات, تعودنا علي الحلول السريعه بيخلينا نتوقع ان يكون الحل السريع نافع لكل الأمراض و الجروح مهما كانت عميقه او متأصله
    و لكن في جزئيه تغيير المنظور دي احيانا بحس انها تلخبط, في قراءه احد شرايط الترانيم كان المتكلم بيقول علي الوسائل اللي بنظهر بيها ( المؤتمرات و السمكه اللي علي العربيه….ألخ) يجب ألا تكون طريقه و صلنا لربنا و لكن نتيجه حبنا ليه. المشكله ان احنا مقتنعين ان العلاج ( الظاهر) هيأثر علي الداخل. بس خليني استوضح منك نقطه معينه, طريقه العلاج الحقيقيه للداخل هل هي بتسليم القلب بس لربنا؟ هل هي فقط قبول الصليب في صمت؟ و كيف نميز أن ألم معين يكون صليب او لأ؟ هل هي القيامه المنتظره بعد الصليب؟ لو دي الحاجه المميزه طيب ما ممكن يكون قيامتي لسه مجتش؟
    ميرسي ليك و بعتذر للأطاله

    • RomanyJoseph says:

      شكرا يا مارينا لتعليقك… ومتأسف جدا للتأخير في الرد
      التصرف المنطور في حدا ذاته مش مشكلة… لان حبة الدواء أو الحقنة هي حاجة منظورة…لكنها ناتجة من عمق كبير
      عمق تلامس مع المشكلة وعرفها وقرر أن يتعامل معاها

      ومن هنا اعتقد مشاكل كتير تتحل
      هل التصرف المنطور هو شئ ناتج بجهل وسطحية ووراه إتجاه قلب جسداني بيهرب من العمق وبيبحث علي حل سطحي بجنون
      ولا ورا التصرف المنظور حد دخل للأعماق وهدي وفكر وصلي والله كشف له حاجة؟
      من هنا ممكن المؤتمرات تكون لامسة الناس… او بعيدة عن إحتياجهم
      وكذلك الخدمة والترانيم
      اتمني أكون جاوبتك
      ربنا معاكي

  3. Mina Hani says:

    ‎- المقارنه جميله جداً …. مايكل جاكسون كان مجرد عنده عيب في شكل مناخيره …… بينما نيك فويتيتش اتولد اساساً من غير ايدين و رجلين
    – مايكل جاكسون حاول يعالج مشكلته مجرد علاج سطحي (و هو عملية تجميل) .. عشان كده عاش تعيس رغم كل الشهره و الفلوس و عمليات التجميل …….. بينما نيك ركز على ما بداخل الاعماق عشان كده عاش سعيد رغم كل ظروفه

  4. karim ayoub says:

    7elwa gedan ya romany rabna ye3awadak

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s