صغير وكبير | 3 | الكبير

 

لأَنَّكَ تَقُولُ: إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَائِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ.(رؤ 3: 17)

وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ….لَكِنَّكَ انْحَدَرْتَ إِلَى الْهَاوِيَةِ إِلَى أَسَافِلِ الْجُبِّ. (أش 14: 13 – 15)

قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ. (أم 16: 18)

اَلرَّبُّ يَقْلَعُ بَيْتَ الْمُتَكَبِّرِينَ (أم 15: 25)

“الكبير” ….
في اللغة العربية كلمة “كبير” هي أحد مصادر كلمة “كبرياء”!!

“الكبير” جزء داخلي  يعبد إله أسمه “ذاته”، وكل محور تصرفاته وأفكاره هو نفسه… وبالطبع ذلك الجزء لا يقول صراحة لي:”أعبد ذاتك” أو “تمحور حول نفسك”، فهو ليس بأحمق لكي يفعل ذلك،بل هو خبيث ومتلون.

“الكبير” موجود حولي ويعبد نفس الإله وقد إمتلكَ في الكثيرين وهم يدرون…أو لا يدرون.. وبالطبع لسان حالهم لا يقول أبدا أنهم يعبدون ذواتهم، فهم ليسوا بحمقي بل مناورون ومرتدون لأقنعة تخفي فسادهم.

فحولي وداخلي يوجد دائما ذلك ال”كبير”

“الكبير” يري نفسه يستحق الإكرام والتقدير، الإطراء والإثناء، التبعية والخضوع… وهذه الأفعال كلها أفعال عبادة..فهو يطلب العبادة والسجود له.. حتي لو أنكر لسانه فأفعاله تعلنها!
ولأنه يري نفسه “كبير” فكثيراً جداً ما يصل إلي مشتهي قلبه وحلم ذاته…المتكأ الأول والقيادة، حيث يستطيع أن يستقبل العبادة والإكرام من الأخرين… أو …يفرضها عليهم!! وحين يصل… تظهر رائحتة النجسة ويفوح عفنه وهو يفعل كل شر ومكر..بإسم الله وتحت راية حماية الإيمان.. لذلك ليست مشكلته في تصرفاته الظاهرة، بل في دوافع قلبه الخفية النجسة.

“الكبير” خبايا قلبه محورها نجاسات الكبرياء والإرتفاع والتعالي علي الاخرين… حتي لو كان الظاهر هو العكس!
“الكبير” يعبد ذاته بكل القلب وبكل الإخلاص، من الإنجيل الآخر المكتوب في خبايا قلبه… حتي لو كان لسانه يقول العكس!
“الكبير” خبيت ومتلون ويختفي خلف أقنعة كثيرة… أقنعة ماهرة وجميلة!

“الكبير” يختفي دائما خلف وجه يرسم الوداعة لكن ورائه قلب ذئب مملؤ غضب، أو حلة مقدسة ورائها قلب نجس، أو صليب كبير يراه الجميع في اليد بينما القلب خلفه يهرب من أصغر صليب وألم، أو لقب خادم الرب بينما هو طالب خدمة ذاته… أو حتي جلباب أبيض خلفه قلب أسود… لافارق…الكل يري نفسه “كبير”.
“الكبير” مملؤ طموح وأحلام تبدو روحية وصالحة وهدفها الخير، لكن في خباياها يختفي مجد الذات والأنا…
“الكبير” يستخدم الله لأجل ذاته ببراعه ودهاء منقطعي النظير، فما أصعب أن تعكس الأمور وتقنع الأخرين بعكس الحقيقة…
“الكبير” مهما حاول رسم التواضع المزيف… تجده دوماً يشتهي المديح والإكرام ، ويشتهي المنصب والسلطة.

 “الكبير” إتجاه قلب إختياري… وليس وضع إجباري…
“الكبير” لايموت إلا بالفضح والتعرية…ويا للألم الناتج منهما… إنه كألم تعليق النفس علي الصليب.
“الكبير” يحتاج لخضوع شديد وإماتة لكي ينكشف وينفضح…فغالباً كشفه وتعريته صدمة مميته لنا، والإعتراف بفساده سواء حولنا أوفينا هو أمر قاتل ومؤلم …

ف”الكبير” داخلنا هو في الغالب ما نظن أنه أحسن ما فينا، هو موسي القاتل المعتقد أنه مخلص شعبه بعلمه، هو بطرس المندفع المتوهم أنه أحسن من إخوته، هو شاول الطرسوسي المتوهم حماية الإيمان…
تري…كم كانت الصدمة مميته حين أكتشف كل منهم أنه “كبير” فاسد!!

أيضا “الكبير” حولنا كثيراً ما يكون صاحب متكأ أول أو معشوق ومعبود الجماهير، هو مثل أعلي للروحانية والقيادة، هو شمشون القاضي صاحب القوة الظاهرة والعبودية الباطنة، هو شاول الملك ذو المظهر الجبار والقلب النجس، هو النبي الكذاب الذي يصفق له الشعب أيام أرمياء بينما هو يتنبأ بالكذب، هو مجلس الكهنة الذي رأه حزقيال في الخفاء يعبد الأوثات ويبخر لها، هو رئيس الكهنة ومجلس الكهنة الوقور الذي صلب المسيح والجميع يصرخ ورأه…اصلبه أصلبه!
تري..كم تكون الصدمة حين نكتشف أن من نتبعهم بعمي من أصحاب المتكأ الأول ونضع رجائنا وثقتنا فيهم ونظن أنهم بوق من أبواق الله .. قد يكونوا فاسدون مضلون… كبار متكبرون!

“الكبير” يحتاج إلي إعتراف أنه داخل كل واحد منا، وأولهم أنا…
“الكبير ” هو الجسد، الطبيعة الفاسدة التي تصارعنا، ف”الكبير” هو إله أعمال الجسد (الطبيعة الفاسدة) المذكورة في غلاطية الإصحاح الخامس:

وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ: الَّتِي هِيَ زِنىً عَهَارَةٌ نَجَاسَةٌ دَعَارَةٌعِبَادَةُ الأَوْثَانِ سِحْرٌ عَدَاوَةٌ خِصَامٌ غَيْرَةٌ سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقَاقٌ بِدْعَةٌحَسَدٌ قَتْلٌ سُكْرٌ بَطَرٌ، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الَّتِي أَسْبِقُ فَأَقُولُ لَكُمْ عَنْهَا كَمَا سَبَقْتُ فَقُلْتُ أَيْضاً: إِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هَذِهِ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ. (غلا 5: 19 – 21)

فأنا…داخلي يوجد “الكبير”… ولا يستهين من قوة ورهبة تلك الحقيقة… إلا من يري نفسه كبير!!!
ولا يهاب ذلك الكيان الشرير ويحتمي منه في دم المسيح دوماً إلي أخر لحظة في عمره، إلا من أدرك سطوته وملكه القوي الذي لا حل له إلا تدخل الأقوي منه: السيد المسيح لكي يفك قيوده  بصليبه… بل ويربطه.

وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا الْمَوْتِ؟ (رو 7: 24)

أَمْ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ الْقَوِيِّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ إِنْ لَمْ يَرْبِطِ الْقَوِيَّ أَوَّلاً وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ؟ (مت  12 :  29)

إِذْ جَرَّدَ (السيد المسيح) الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ اشْهَرَهُمْ جِهَاراً، ظَافِراً بِهِمْ فِيهِ. (كو  2 :  15)

“الكبير” وهو موجود داخل كل واحد منا، مالك في هدوء طالما أنت غير مهتم بأمور الله وغير مدرك لسلطة الموت التي تعمل فيك، لكن ما إن تبحث عن الله، حتي يظهر ليحارب سعيك الأمين نحو الله والحق والحرية، ليبقيك عبدا للظلام.

“الكبير”…قد تكتشف بشاعته وتصرخ لمخلصك الصالح ليخلصك من سطوته…وبعد وقت قد تتوقف عن الصراخ والحرص متوهماً أنه إنتهي… وتنظر لنفسك فتفرح بحالتك وتظن أنك أصبحت شيئاً…فتكتشف أن توقفك عن الصراخ وإكتفائك الذاتي بحالتك كان بمثابة الضوء الأخضر لفك قيوده وإنسحاب الحياة منك وعودة تملكه فيك وأنت لا تدري.

“الكبير”… لو أعطيته الأمان – سواء داخلك أو حولك – … لنهض ليمتلك ويبتلع نفسك إبتلاعاً.. وأنت لا تدري…
“الكبير” حين ينتصر ويتملكك، يحولك لشخص مائت مُمتلك للإرتفاع والتكبر والعجرفة والكبرياء، تضطهد المسيج وتصلبه وأنت تظن أنك تحمي الإيمان…  وتقتل أتباعه وأنت تظن أنك تقدم خدمة لله.

حقاً..من ذا الذي يقدر علي الدخول لظلمة قبر نفسه ويري موتها، إلا من أحتمي برئيس الحياة القائم لاجله من الموت والقبر؟
من ذا الذي لا يهاب مواجهه الموت الكائن فيه وحوله..ألا من يحب الحياة ويبحث عنها ويعرف أن الحياة تسعي نحوه لتخلصه؟
من ذا الذي يؤمن ويترك طبيعته القديمة  لتموت لكي يخرج بدلاً منها حياه تفيض؟ إلا من يشتهي الحياة والنور؟
من ذا الذي يتنازل علي ذاته ويطرحا لتموت مثل حبة الحنطة  فتاتي بثمر كثير؟ إلا من يكره الظلمة والفساد؟

“الكبير”…
إتجاة قلب…فهل نرفضه بقوة فينا وحولنا؟ ونبحث عن ذلك الصغير.. النجار المُحتقَر؟
هذا هو تحدي البشرية كلها وقلب كل صراع في الحياة…
صراع الكبير مع الصغير.

 Romany Joseph
17th March 2012
Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in صغير وكبير and tagged . Bookmark the permalink.

4 Responses to صغير وكبير | 3 | الكبير

  1. Marina Francis says:

    “الكبير” يري نفسه يستحق الإكرام والتقدير، الإطراء والإثناء، التبعية والخضوع
    و كتير بياخد دا من نفسه يعني لما بيعل حاجة صالحة بيكبر ي عين نفسه جدا
    و دي بقى طقوس عبادته هو لنفسه

    “الكبير” مملؤ طموح وأحلام تبدو روحية وصالحة وهدفها الخير، لكن في خباياها يختفي مجد الذات والأنا…

    تــــــــــــــــــــــــــــــحفة
    مش هينفع اعمل
    copy&paste
    كل شوية يا إما هنقل المقالة هنا 🙂

  2. Mina Hani says:

    “الكبير” مملؤ طموح وأحلام تبدو روحية وصالحة وهدفها الخير، لكن في خباياها يختفي مجد الذات والأنا
    ————-

    جميله اوي … حسيت ربنا عايز بالجمله يشيرلي لحاجه فعلاً موجوده جوايا ……. لأني من جوايا عندي امنيات باتمناها جداً … بتبدو روحيه … لكن قلبي من جوايا مش بيتمناها من اجل المسيح …. انما من اجل ذاتي انا
    زي مثلاً ان من اكتر امنياتي ان كنيسة المسيح ترجع كنيسه واحده بس … و باحزن على الصراعات اللي كانت مابين المسيحيين ….. لكن كتير بتبقى الامنيه اللي جوايا دي مش من اجل المسيح و حزني ده مش من اجل حزن المسيح … انما بتبقى امنيات من اجلي انا عشان اقعد بقى اتفاخر بالكنيسه الواحده و كده … و حزن من اجل ذاتي انا مش من اجل المسيح

    فعلاً زي مانت ماقلت : بداخلي يوجد دائما ذلك ال”كبير”

    • RomanyJoseph says:

      احلي حاجة يا مينا بتطمني انا شخصيا
      إني طول ما لأنل معترف من قلبي بالتوجه الفاسد دا
      ربنا بيحميني منه… وباعيش صغير
      ويوم ما احس إني كبير و تصالح مع التوجه دا
      العما بيركبي
      بولس قال : لئلا ارتفع من الإعلانات
      بولس كان خايف يبقي كبير
      وعاش صغير

      ربنا يدينا نعيش صغيرين

  3. Pingback: صغير وكبير | 5 | الأسلحة | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s