صغير وكبير | 4 | الصغير

 

أَمَّا أَنَا فَدُودَةٌ لاَ إِنْسَانٌ. عَارٌ عِنْدَ الْبَشَرِ وَمُحْتَقَرُ الشَّعْبِ.(مز  22 :  6)

مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. (أش 53 : 3)

ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَلٍ وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالْمِنْشَفَةِ الَّتِي كَانَ مُتَّزِراً بِهَا.(يو 13: 5)

لأَنَّ الأَصْغَرَ فِيكُمْ جَمِيعاً هُوَ يَكُونُ عَظِيماً  (لو 9: 48)

كما كان دائماً في كل كلماته، يجوز فيها أولاً وتنطبق عليه…
كما كان في كل كماته سر خفي، يحمله هو في أعماقه ويعلنه لنا…
هكذا كانت تلك الكلمات في سرها الخفي تنطبق عليه …
فمنه كل كلمه إستمدت حياة ومعني، وفيه قد أُكمل كل بر…
فهو بالحقيقة – إن جاز التعبير – أصغر صغير… لذا كان أعظم العظماء…
عظمته الأزليه تركها ولم يحسبها شيئاً[1]… فإقتني العظمة بإخلائه لذاته العليا..
هو بالحقيقة أصغر صغير في تنازله وتصاغره الإرادي، لذلك رفعه الله…

الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ اسْماً فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ،  وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ. (في 2: 6 – 11)

هكذا كان متقدما في كل شئ[2]… بكر بين أخوة كثيرين[3]، كلهم أخذو من ملئه نعمة فوق نعمة، فإختاروا أن يكونوا متصاغرين ومتنازلين، فصاروا كلهم عظماء في السماويات، وهو سيدهم ومعلمهم.
فكما أن الكبير وضع إختياري… كذلك الصغير أيضاً.

هو بالحقيقة رجاء وشفاء وعزاء كل الصغار…
كل الضعفاء والمنبوزين والمحتقرين في ذلك العالم الشرير…
كل من يشعرون أن تحديات الحياة أكبر منهم ويبحثون عن مخلص … يحتمون به من ذلك العالم الفاسد…
العالم الذي يحب الكبار ويفرح بإرتفاع قلوبهم ويقبله، ويرفض المساكين والبسطاء…
العالم الذي يعشق الكبار وأصحاب الألقاب والمناصب والحلل ذات الأهداب، ويكره الصغار والمذدري والغير موجود…
العالم الذي يمجد المظاهر والقوة والسلطة والقيادة، ويحتقر القلوب النقية ومن هم من أواخر القوم…

لأجلهم… أخلي ذاته وجاء كصغير…بل كأصغر صغير..
وقيل عنه أنه محتقر…لم يعتد به أحد ولم يعتبروه شيئاً[4]
إختار ذلك بملء إرادته… أن يكون لا صورة له ولا جمال[5]
كان يستطيع أن يأتي في أجل صورة وأبهي حلة وأرفع نسب  وأعلي منصب…
كان يقدر أن يبهر العيون… لكنه كان يبحث عن القلوب…
فإخفي مجده في قلبه لكي يجده الحقيقيون لا المزيفون…

ولد من أصغر قرية [6]…لا يخرج منها شئ صالح حتي تعجبوا[7]
عمل في أصغر مهنة…النجارة[8]
وفوق كل هذا…كان سنه في الثلاثين يوم بدأ خدمته…شاب صغير …
وبلغة الشارع… وبفكر المتكبرين”عيل” أمام الكبار العظماء أصحاب الخبرة والشعر الأشيب واللحي الطويلة…

فجمع في نفسه كل العثرات للكبار… للجسدانين المرتفعي القلوب…
وحمل في ذاته كل أسباب الرفض من جهه المنتفخين المتكبرين…
شاب صغير…غير متعلم…مجهول الهوية …
لا نسب أو نسل عظيم معلوم عنه…نجار وإبن نجار…

من يسمع له؟
من يصدقه ويكذب الكبار؟
لنسمع كلمات النبوة تجيب وتتنبأ عنه وتتعجب وتتسائل؟ هل يُعقل أن يصدق أحد هذا الصغير؟

مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟ (اش 53 : 1)

من يعطي كلامه وزناً وثقلاً وقيمه؟

مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحُزْنِ وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا..مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. (أش 53 : 3)

هذا هو أعظم صغير… ملك المرفوضين والمنبوذين والمحتقرين والمرذولين…
وقد إختار أ يجوز في وسط هذا… فرفضه الكبار والعظماء…
إتهموه أن به شيطان[9]… كاسر للسبت[10]…أكول وشريب خمر[11]
يتكلم بتجاديف[12]..يهيج الشعب… يفسد الامة[13]… يضل الشعب[14]

واليوم… تتكر القصة…
لو بحثت عنه غالباً لن تجده بين العظماء ومشارف القوم ولا في المتكأ الأول…
لن تجده غالباً أعلي المنابر… لا يوجد في الواثقين بأنفسهم…
علي غير التوقع.. كما لم يأت في شخص كبير ومتعظم…. لم يكن موجودا في أعظم الكبار والمتعظمين حتي يومنا هذا…
علي غير التوقع…. كما جاء في شخص يسوع البسيط الفقير…مازال يحل في أخر من تتوقعهم…
مازال موجود في الخارج… في الطرقات يعلم… في المدن يجوبها ويشفي…
وعلي غير التوقع وجده صيادين… ورفضه متعلمين…
عرفه الصغار… وصلبه الكبار…
ومازال الكبار يصلبوه …والصغار يعرفوه.
 

 Romany Joseph
17th March 2012
 


[1] “لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ ” تعني أنه لم يحتسب (أي الإبن) كونه مساو للأب غنيمة ينبغي الإحتفاظ بها

[2] وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّماً فِي كُلِّ شَيْءٍ. (كو  1 :  18)

[3] لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ لِيَكُونَ هُوَ بِكْراً بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ. (رو  8 :  29)

[4]   مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحُزْنِ وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ (اش 53: 3)

[5]  نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْقٍ مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيهِ.  (اش 53: 2)

[6] أَجَابُوا: «أَلَعَلَّكَ أَنْتَ أَيْضاً مِنَ الْجَلِيلِ؟ فَتِّشْ وَانْظُرْ! إِنَّهُ لَمْ يَقُمْ نَبِيٌّ مِنَ الْجَلِيلِ». (يو  7: 52)

[7] فَقَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ: «أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟» (يو 1: 46)

[8] أَلَيْسَ هَذَا هُوَ النَّجَّارَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأَخَا يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَيَهُوذَا وَسِمْعَانَ؟ أَوَلَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ هَهُنَا عِنْدَنَا؟» فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ. (مر 6: 3)

[9]  فَقَالَ الْيَهُودُ: «أَلَسْنَا نَقُولُ حَسَناً إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ؟» (يو 8: 48)

[10] فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ: «هَذَا الإِنْسَانُ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ لأَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ السَّبْتَ».(يو 9: 16)

[11] جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فَتَقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ. (لو 7: 34)

[12] وَإِذَا قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ قَدْ قَالُوا فِي أَنْفُسِهِمْ: «هَذَا يُجَدِّفُ!» (مت 9: 3)

[13]    وَابْتَدَأُوا يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ: «إِنَّنَا وَجَدْنَا هَذَا يُفْسِدُ الأُمَّةَ وَيَمْنَعُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ قَائِلاً: إِنَّهُ هُوَ مَسِيحٌ مَلِكٌ»…فَكَانُوا يُشَدِّدُونَ قَائِلِينَ: «إِنَّهُ يُهَيِّجُ الشَّعْبَ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ مُبْتَدِئاً مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى هُنَا». (لو 23: 2، 5)

[14] قَائِلِينَ: «يَا سَيِّدُ قَدْ تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذَلِكَ الْمُضِلَّ قَالَ وَهُوَ حَيٌّ: إِنِّي بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ (مت 27: 63)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in صغير وكبير and tagged . Bookmark the permalink.

5 Responses to صغير وكبير | 4 | الصغير

  1. Marina Ramzy says:

    روماني, أنا فعلاً مش عارفه ألاقي كلمات أوصف بيها مشاعري ناحيه النوت دي. الصغير ده رائع .
    شدني قوي الجزئين دول : ” كما كان دائماً في كل كلماته، يجوز فيها أولاً وتنطبق عليه
    كما كان في كل كماته سر خفي، يحمله هو في أعماقه ويعلنه لنا…
    فمنه كل كلمه إستمدت حياة ومعني، وفيه قد أُكمل كل بر…
    فهو بالحقيقة – إن جاز التعبير – أصغر صغير… لذا كان أعظم العظماء…
    هو بالحقيقة أصغر صغير في تنازله وتصاغره الإرادي، لذلك رفعه الله… ”
    “كان يقدر أن يبهر العيون… لكنه كان يبحث عن القلوب…
    فإخفي مجده في قلبه لكي يجده الحقيقيون لا المزيفون…”
    ربنا مش بعيد و لا صعب الوصول ليه لو انا دورت عليه بقلبي فعلاً هو هيعرفني و لكن لو دورت عليه بما يبهر عينيي يبقي انا مش هعرف أشوفه لأني ببساطه ماشيه في طريق هو لم يسلك فيه.
    بشكرك بجد علي النوت ربنا يباركك

  2. Marina Francis says:

    great article brother
    ملك المرفوضين والمنبوذين والمحتقرين والمرذولين

  3. Pingback: صغير وكبير | 5 | الأسلحة | Romanyjoseph's Blog

  4. Pingback: بين عرش الكرسي وعرش الصليب | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s