حتمية استعلان الفساد قبل قيامة الكنيسة

يريد كل شخص أن يصدق ما يهواة، لأن في ذلك راحة للنفس، فما أقسي أن تجد أن الحق والواقع هو عكس ما ترجوه، وأنا مثل قلة إختارت الباب الضيق، فأخترت من خلال ذلك الباب ألا اصدق ما أتمناه، بل أبحث عن الحق حتي لو كان عكس ما أريد… أو عكس ما أرجو… أو ضد ما أنتظر، لثقتي أن الحق يحمل الحرية والحياة ولو كان مؤلم في أوله… بينما الخداع والتجميل يحمل القيود والموت ولو كان مريحاً في مظهره، ولعل هذا هو صعوبة الباب الضيق, والآخر سهولة الواسع.

«ادْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ!مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ! (7: 13 – 14)

كلما قرأت في الإنجيل عن كنيسة المسيح التي بلا عيب ولا غضن…رأيتها بكلمات الوحي وفي قلب الله وإشتياقه  كعروس مفدية مزينة للقاء عريسها…عذراء عفيفة نقية لا تعرف ولا تبتغي إلا مخلصها…جالسة معه في السماويات لا تنتمي لهذا العالم وإن كانت تحياه فيه، منارة عالية يهتدي بنورها الكل، سفينة نجاة في عالم مضطرب مملؤ فيضانات، هذه هي صورة الكنيسة  – جماعة المؤمنين – كما فداها المسيح، وكما أعلن عن حلمه فيها.

كنت أتمني أن تكون كنيستي القبطية في أجمل حال وتحيا في ملئ تلك الصورة وتنمو إليها، لكن حق الإنجيل وواقع كنيستي يشهد بالعكس، فالتغرب الشديد عن المسيح هو المسيطر علي الوضع للأغلبية، والموت الروحي والحرفية كالنار في الهشيم، والممارسات السطحية الخاوية أصبحت أمراً عادياً لا يقلقنا… والتعصب والطائفية والظلمة متفشية، والإنغماس في نجاسات السياسة والتلاعب بكروتها وسفقاتها الرخيصة أصبح ظاهرة نسميها حكمة وحنكة، والعبودية للعالم والعمل والمال والإجتماعيات وكل شئ سادت وحكمت قيودها بمنتهي القوة والقسوة علي الأغلبية كنتاج طبيعي للتغرب عن العريس…والكارثة، كل الكارثة، أن كل ما سبق أصبح أمرا عادياً نتعايش معه يومياً ولا نتأذي من رائحة الموت والعفن والنجاسة المستعلنة بقوة وسط كل ذلك.

إن كنت شخصاً أميناً لا تخدع نفسك وتري ذلك المشهد المؤلم حولك أو حتي فيك علي حقيقته بدون تجميل، فإنه ليس أمامك إلا خيارين علي ما أعتقد.

الأول: أن تري أن الكنيسة عروس المسيح التي بلا عيب هي موجودة لكنها في أقلية مربوطين برباط الروح الغير منظور للعين، موجودين لكنهم مطرودين ومنبوذين ومحتقرين ومطروحين، أو علي أحسن تقدير قلة غير ظاهرين، يحيوا ككنيسة حقيقية تمجد الرب وترتاح وتتعزي عند هذا خصوصاً لو كنت واحد من هؤلاء الحقيقيين.

الثاني: ألا تقف وترتاح عند الحل الأول كما أرتاح غيرنا عند  محطة أسهل وإفترضوا أن الكنيسة بأحسن حال، بل تكمل المشوار الصعب للنهاية كما أكمله رئيس إيماننا، الذي يقيم المائت وإن أنتن، وأنظر بعين الرؤيا لتري أن ما سبق هو جزء ينبض بالحياة ينتمي لجسد مسكين كله مريض وسقيم، من أسفل القدم الي الرأس ليس فيه صحة، بل الموت علي وشك التملك الكامل فيه، لولا أن أبقي الرب لنا البقية الصغيرة الحية, لكنا مثل سدوم, وشابهنا عمورة.

ومن الرؤيا الثانية تتسلح بالإيمان وتلتهب أن ينهض الرب من العظام والحطام جيش عظيم جداً جداً…
لا أريد أن تتهل بطفولية قائلاً: أمين…هليلويا…أريدك أن تهدأ وتعي أسرار الله كما أخفاها… وكما يريد أن يعلنها!

فلكي يقوم المائت… ويطلب القيامة التي يشتهي الله أن يعطيها له…يجب ببساطة أن يعرف ويعترف الشخص أنه مائت، أوعلي وشك الموت من كثرة المرض، أما مَن يدعي الصحة، فكيف يطلب الحياة والشفاء؟
فطالما كان العاري مغطي نفسه بورق التين الكثيف، فكيف يطلب أن يكسوه دم المخلص إن لم تهب ريح النهار ليسقط الورق ويظهر عريه له؟
وطالما كان المائت مختفي خلف جمال القبر الخارجي ويعتبره تحفة فنية ويتعامي عن العظام المائتة التي فيه، فكيف يتسني له الصراخ لطلب الحياة…
فلا شفاء إلا لمن يعترف بمرضه…
ولا كساء بر إلا لعرايا لا يتجملون…
ولا حياة إلا للموتي الذين يصرخوا ويطلبوا…

فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ لَهُمْ: «لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ» (مر 2: 17)

فماذا الأن؟
ألا ينبغي أن نُدرك أن إشتياق قلوبنا لنهضة كنيستنا وقيامتها من الموت والمرض…يتحتم عليه أن يسبقه إعتراف بحالة المرض؟
ألا ينبغي أن ندرك أنه حين يستجيب الله لصلواتنا، قبل أن يقيم الموتي، يجب أن يفتح الرب القبر أولاً لتظهر رائحة الموت الكريهة؟ ويستعلن إثمنا وفسادنا فنطلب الحياة والشفاء؟

حِينَمَا كُنْتُ أَشْفِي إِسْرَائِيلَ أُعْلِنَ إِثْمُ أَفْرَايِمَ وَشُرُورُ السَّامِرَةِ (هو 7: 1)

أَمَا تَذْكُرُونَ أَنِّي وَأَنَا بَعْدُ عِنْدَكُمْ كُنْتُ أَقُولُ لَكُمْ هَذَا؟ وَالآنَ تَعْلَمُونَ مَا يَحْجِزُ حَتَّى يُسْتَعْلَنَ فِي وَقْتِهِ.لأَنَّ سِرَّ الإِثْمِ الآنَ يَعْمَلُ فَقَطْ (أي في الخفاء)، إِلَى أَنْ يُرْفَعَ مِنَ الْوَسَطِ الَّذِي يَحْجِزُ الآنَ(2تس 2: 5-7)

وَجَاءَ إِلَى الْقَبْرِ وَكَانَ مَغَارَةً وَقَدْ وُضِعَ عَلَيْهِ حَجَرٌ.قَالَ يَسُوعُ: «ارْفَعُوا الْحَجَرَ». قَالَتْ لَهُ مَرْثَا أُخْتُ الْمَيْتِ: «يَا سَيِّدُ قَدْ أَنْتَنَ لأَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ» (يو 11: 38 – 39)

وحينئذ يستعلن الإثم وحامليه لكي يبيد الرب الموت بفمه…

وَحِينَئِذٍ سَيُسْتَعْلَنُ الأَثِيمُ، الَّذِي الرَّبُّ يُبِيدُهُ بِنَفْخَةِ فَمِهِ، وَيُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ (2تس 2: 8)

حينئذ يصرخ الموتي أصحاب العظام فيعطيهم الحياة ويصعدهم من قبورهم…

ثُمَّ قَالَ لِي: [يَا ابْنَ آدَمَ, هَذِهِ العِظَامُ هِيَ كُلُّ بَيتِ إِسْرَائِيلَ. هَا هُمْ يَقُولُونَ: يَبِسَتْ عِظَامُنَا وَهَلَكَ رَجَاؤُنَا. قَدِ انْقَطَعْنَا. (حز 37: 11)

وساعتها لن يكون هناك مخدوعين بعد إستعلان الفساد، بل محبو الإثم الهالكين، أو الموتي الطالبين حياة…

لِكَيْ يُدَانَ جَمِيعُ الَّذِينَ لَمْ يُصَدِّقُوا الْحَقَّ(بعد إستعلان الشر)، بَلْ سُرُّوا بِالإِثْمِ. (2تس 2: 12)

وحينها يجيب الرب كل قلب أمين لمن أدركوا حقيقة موتهم وإشتهوا الحياة ويأسوا من حالهم…

لِذَلِكَ تَنَبَّأْ وَقُلْ لَهُمْ: هَكذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هَئَنَذَا أَفتَحُ قُبُورَكُمْ وأُصْعِدُكُمْ مِنْ قُبُورِكُمْ يَا شَعْبِي وَآتِي بِكُمْ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ. (حز 37: 12)

أخي الحبيب..
إن كنت تصلي طالباً أن يملك المسيح بحياته وروحه في الكنيسة وينهضها،وتتمني أن يستجيب الرب لطلبتك…
إعلم أنه حين يستجيب سيفتح القبر أولاً…
وها إني أراه قد بدأ يفتحه… ورأئحة الموت بدأت تظهر وتفوح…
فلا ترتبك ولا تضطرب… ولا تغلق القبر في وجه رئيس الحياة…
فلو هدأت ستجد أنك إختبرت ذلك بصورة شخصية في حياتك…
فإكمل رفع صلاتك لأجل إخوتك الموتي من الجوع والعطش لشخص المخلص
وهو سيحرك الحجر لكي يظهر الموت الخفي…
وسيزاد إستعلان الفساد في الأيام القادمة جداً جداً…
وقريباً سنري الموت المخفي الذي كان ينكره الكثيرون وإذ به إنكشف وتعري…
ستظهر رائحة موت شديدة داخل الكنيسة القبطية حتي لا يستطيع أن ينكرها إلا إبن الهلاك…
لا ترتبك وإفهم وأنر أفهام الأخرين…فهي كانت موجودة ومخفية…
أكمل الصلاة وإحتمل قسوة الموت التي ستستعلن…
وإعلم أن وقت القيامة قد قرُب…
وإشتهي أن تري القبر فارغ… فقد قام وأقامنا معه. 

Romany Joseph
19th March 2012
Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in الكنيسة, الكنيسة ومصر and tagged . Bookmark the permalink.

9 Responses to حتمية استعلان الفساد قبل قيامة الكنيسة

  1. Maged Fawzy says:

    رومانى ،
    إزيك وحشتنى جداً
    . أنا معاك بنسبة 100% إننا محتاجين نهضة فى الكنيسة غير عادية و الخروج من ممارسة الطقوس الجوفاء دون فهم بس بجد أنا مش عارف إيه الحل ؟؟ لأنى أنا نفسى شخص بعيد جداً و تركت الكنيسة من زمن بعيد و للصراحة أكتر مش بأدخلها غير فى المناسبات يا إما فرح او جنازة و ربنا يعلم أنا نفسى أرجع أد إيه بس فعلاً إشتياقات العالم أكتر بكتير جداً من إشتياق الروح بس فعلاً أنا نفسى أعرف إيه الحل ، أنا شايف السلبيات بس برضه متعاطف مع قيادات الكنيسة لأنهم فى النهاية بيقودوا شعب معظمه بسيط الفكر و مساكين و حالهم رقيق ، يرزحون تحت الفقر و الذل و الحاجة الجسدية و يعيشون فى مجتمع فاسد و شرير يكره مجرد وجودهم ، أناعارف كويس جداً قوة المسيح لو إقنيناها هنقدر على كتير بس برضه مش عارف الحل إيه ، قولى يا رومانى إيه إللى المفروض نعمله نساعد نفسنا و نساعد الكنيسة لأن الكهنة صدقنى برضه مساكين و منهم من هو بسيط الفكر أيضاً و الناس البسيطة إللى تحت خالص دى محتاجة فكر تانى خالص فى التعامل معاهم لأن تعزيتهم هى فى الطقوس الجوفاء دى ، هى دى إللى بتحسسهم إنهم مسيحيين بجد و صدقنىى أنا نفسى زيك أشوف الكنيسة فى أحلى صورة و نتلم كلنا فيها و تنهض بينا من حالة الضياع و المنطقة الرمادية إللى مرمى فيها كتير و انا اول واحد و اكتر واحد قاعد فى الرمادى ده و مش عارف يخرج منه ، بجد يا رومانى قولى إيه الحلول و ان معاك
    ماجد فوزى

    • RomanyJoseph says:

      أوحشني أوي يا ماجد ومفتقدك جدا جدا
      انا متفق معاك في كل كلامك…
      يمكن انا متعاطف اكتر مع الناس الغلابة والمساكين… ومش متعاطف مع أي راعي قصر في توعية الشعب وما راعاش الناس الغلابة والمساكين
      الإننجيل في العهدين كان بينتقد الرعاه… وكان بيشفق علي الشعب المسكين
      رعاة كثيرون افسدوا كرمي داسوا نصيبي جعلوا نصيبي المشتهى برية خربة (ار 12 : 10)
      حزقيال 34 اصحاح كامل يتكلم عن فساد الراعاه وإفتقاد المسيح للغنم
      انا مش عارف إحنا ممكن نعمل إيه يا ماجد
      لأني حاسس إن الله بيحرك الأحداث بصورة قوية أوي اوي وهو بيتدخل شخصيا
      يمكن دا يكون فيه مزيج عجيب من إنه شئ مخيف وشئ مطمئن
      ربنا يكشفلنا دورنا
      انا لغاية دلوقتي حاسس إن دوري إني أفهم فكر الله, وبيحرك الامور ازاي علشان دا بيساعدني إني افهم دوري

      ربنا معاك يا ماجد

  2. Marina Francis says:

    7elwa awiii
    w bashabeh 3aleha bardo 🙂 rabena yebarkak brother

  3. Pingback: حتمية مجئ شاول قبل داود | Romanyjoseph's Blog

  4. george says:

    مين اللي خلي الناس ديه غلابه……….شيطان التبسيط والتوين والتسهيل…؟؟؟؟؟؟ …..وماشي ومايهمكش والمهم نرضي فلان ولا الانبا فلان ولا القس علان؟؟…………..مين اللي قال للناس ان العمل اهم من الايمان …….مين فهمهم ان الايمان ابسط شئ في الدنيا ………….اليس هؤلاء الذين اوقفوا التعليم علي اشخاص بأعينهم وكل انسان مملؤ بالروح والله اعطاه سلطان التعليم تشاركوا في وقفه واقناع الناس اللي هما عمولهم عنيهم عن الحق …….ان هذا وذاك هم ضد المسيح ………..اهوذا قد خرج المقتدر بقدرته يخرج ليملك وسيملك ………ولينتظروا هم ملك اخر ارضي يعطيهم مايشتهونه من اطماع ………

  5. Pingback: الإبن الأكبر… 2012 | Romanyjoseph's Blog

  6. Pingback: بين أساس الإيمان… وصراعات الإيمان | Romanyjoseph's Blog

  7. Pingback: بين حال الكنيسة… وحال البلاد | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s