أخذَ الذي لنا… وأعطانا الذي لَهٌ

الإثم: الشراب الذي كان لنا

فَبِالْحَرِيِّ مَكْرُوهٌ وَفَاسِدٌ الإِنْسَانُ الشَّارِبُ الإِثْمَ كَالْمَاءِ! (اي 15 : 16)

الإثم… مشروب الإنسان المفضل والمحبب بل والأوحد، يشربه كالماء… لا يستطيع أن يحيا بدونه، أو بمعني أدق، لا يستطيع أن يحافظ علي موته بدونه… إنه كالماء يدخل في تكوين كل خلية من خلاياه، وكالماء لا يستطيع موته أن يصمد بدونه!!

أشربه أنا ولا أستطيع أن أتوقف عنه، الحصول عليه سهل للغاية. فهو داخلي وحولي، طعمه في الفم حلوا، لكنه في  يملأ القلب بالمرارة والحسرة، حتي حين أكرهه ولا أطيقه، أجد نفسي عاجزاً أن أتركه، وأذهب إليه كل مره أعطش، فلا بديل في حياتي الموحشة عن ماء الخطية والإثم ولا حل أراه غير شربها حتي أرتوي، حتي ولو كنت سأعطش مرة أخري، حتي ولو امتلا قلبي مرارة منه. 

فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ أَيْ فِي جَسَدِي شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. (رو 7: 18-19)

شرابي هو الأنانية والفساد، وثمره خوف وعدم سلام، عبودية وضعف، جهل وضلال، ظلمة وتخبط، غضب وحقد، عداوة وخصام، زني ونجاسة، كذب وخداع، خبث ومكر، رياء وكل تزييف، غش وخداع.

شرابي حين أقف وقفة صريحة مع نفسه إجده سماً يسري في أعماقي، لا أطيقه ولا أطيق نفسي… شرابي حين أنظر لحياتي وما ضيعته منها يعتصر قلبي المرارة والألم، ولا أطيق حياتي… شرابي حين أتذكر أخوتي الذين جرحتهم وخربتهم بسمي وموتي، يرتجف كياني من هول أفعالي، وأشتاق للموت ألف مرة،هذا هو فسادي… هذا هو أنا.

الإثم: الشراب الذي أخذه عنا

«يَا أَبَتَاهُ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ». (مت 26 : 42)

حقاً….من صدق خبرنا؟ ولمن إستعلنت زراع الرب (اش  53 :  1)…  من يصدق ذلك الحب؟ إن الصليب عثرة  لمن يبغي التدين المنطقي أو الظاهري، وجهالة للعقل الذي يرفض الألم والتضحية لأنه لا يفهم المحبة…

كثير من الأديان لا تقبل موت المسيح عنا لأنها لا تدرك قوة الفساد وسلطان الموت من ناحية البشر، وقوة الحب وسلطان التضحية من ناحية الرب… كثير من الأديان تستعفي أن يكون الرب تجسد ومات لأجلنا ويعتبرون ذلك إهانه لشخصه ويكرمونه بالشفاه إكراما فيه كبرياء…إنهم يضعون حدود لمحبة الله، لكن أحيانا نحن أيضا نضع حدوداً مشابهة، وحين نتعمق في الصليب  قد نعتبر ما فيه من أهوال هو إهانة للقدير، وقد نرتبك من هول ما لقاه المخلص وقد نجد صوتا في أعماقنا يرفض ويعتبر قوة الألام الصليب وقسوته مبالغة.

فالتعمق في الصليب يكشف ضعف إدراكنا لأسراره، بينما إدراك أسرار الحب في الصليب هي الحل الوحيد لكي نرتمي في حضن الرب وننال سر الخلاص، فسر الخلاص موجود في الصليب ويسري فينا حين تنفتح العين علي اسرار ما لاقاه المخلص البار القدوس، فتكره النفس الخطية ولا تطيق أن تعود إليها من كثرة الحب، لا يمكن لأي شخص يريد أن يتعمق في عمل المسيح الخلاصي ألا يقف عند بداية استعلان الصليب في بستان جثسيماني[1]، حين قبل المسيح أن يشرب كأس خطايا البشرية، والتي أعطاها الآب له[2]، لقد ارتجفت نفسه وجزعت واضطربت لا لخوفه من الألم [3]، بل لقداسته التي لا تحتمل رؤية الخطية، والأن هو مقبل أن يشربها ويحملها في نفسه!!!

أي عقل يمكن أن يصدق هذا؟… أخذ المسيح كأس شراب الإثم، وشربه، وذاق كل المرار الكائن فيه، الذي لم يعرف خطية صار خطية، لكي نصير نحن بر الله فيه، وبه.

لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ. (2كو 5: 21)

لم يمت من الآلام الجسدية فقط، بل من الضغطة والدينونة أُخذ، فأجرة الخطية موت، وهو حمل خطايانا في جسد وفي جسم بشريته فمات من ثقلها، لم يكن موته تمثيلية، ولم يكن حمله للخطية وشربه لكأس الخطية مسرحية، بل كانت حقيقة علي كل المستويات، موت للنفس، وللروح، وللجسد.

كلمة الله الذي من قداسته عيناه أطهر من أن تنظر الشر ولا يستطيع النظر للجور (الظلم)، لم ينظر فقط الخطية، بل حمل في نفسه كل مفاعيل الخطية التي لم يرتكبها! 

عَيْنَاكَ أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تَنْظُرَا الشَّرَّ وَلاَ تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى الْجَوْرِ (حب 1: 13)
وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا.كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا (اش 53: 5 -6)
الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ (1بط  2: 24)

في مرة شاهدت فيديوهات لمجموعة إرهابية في العراق تذبح بسكين وبمنتهي البشاعة الأسري الأجانب، كان المشهد بشعاً بكل ما تحمل الكلمة من مقاييس، وأنا الإنسان في ضعفي وفسادي لم احتمل النظر إليه ، وتساءلت..كم بالحري نقاء وطهر المسيح !!

لكن العجيب والمذهل، والذي لا يصدقه عقل، أن السيد المسيح لم يتألم كمشاهد أبر وأنقي مني بما لا يقاس، كلا، بل تألم كقاتل وفاعل شر أثيم أشر مني بما لا يقاس!!! ودخلت نفسه السيل، وجاز داخله ما في أعماق الإرهابي القاتل في ذلك الموقف، فلكي يكون لذلك الإرهابي حياة وشفاء وغفران مما فعل إن طلب التوبة، أخذ المسيح بالحقيقة الخطية عنه بكل مفاعيها وقسوتها، دخلت في نفس المسيح مشاعر القاتل الشريرة وأفكاره الأثمة وإرادته النجسة، وكأن نفسه الطاهرة مسكت السكين وذبحت الضحية وجاز داخل نفسه البارة سيل شعور ذلك القاتل بالإثم والنجاسة، فصار خطية دون أن يخطئ!! وصار القاتل إن تاب وأمن، بر الله في المسيح، له رجاء أن يحيا دون عبودية ذنب أو خوف عقاب أو قيد الجرم الذي افتعله، فقد دفع المسيح الثمن علي كل المستويات، فنال القاتل عند رجوعه الشفاء من فعلته، والغفران من جرمه، والتحرير من ذنبه (وقد اختبر بولس ذلك بالتمام كمثال حي وعملي، فهو كان مشترك في قتل استفانوس، وعاش في ملئ حرية الشفاء والغفران والفرح بعد اختبار الصليب).

إن كان هذا ما سيجوز فيه لأجل خطية واحدة، فكم يكون وزن وثقل وبشاعة ونجاسة جميع خطايا البشرية التي وُضَعت علي الطاهر البار القدوس، من قتل وسبي، زنا ودعارة، كراهية وحقد وبغضة، تجديف وعبادة أوثان، سرقة وإغتصاب وظلم، كذب وحسد وافتراء، وكل شيء[4].

نكررها مرة أخري لعل قلوبنا ترتجف من بشاعة ثمن شفائنا الذي تحمله هو، لقد ذاق بالتمام مشاعر وفكر وإرادة القاتل، والزاني، والمجدف، واللص والمغتصب والظالم والفاسد والخبيث والشهواني والسارق والكاذب والطماع وكل مرارة الخطايا دخلت في نفسه وملأ مرارة الخطية أعماقه دون أن يقترب منها.

لذلك كان المسيح يرتجف في بستان جثسيماني من الصليب مع أنه جاء لأجل تلك اللحظة، ويطلب أن يعبر كأس الخطية عنه حتي صار يزف دماً وهو يصلي بسبب اقتراب الضغطة والدينونة التي يعلم أنها ستوضع عليه. فلكي يصنع تطهيراً لخطايانا، أخذ الخطية في جسده، واحترقت نفسه لأجل التطهير الذي نحتاجه ولكي يعبر لنا الشفاء.

مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ …(اش 53 : 8)
الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ (1بط  2: 24)
وَامَّا جِلْدُ الثَّوْرِ وَكُلُّ لَحْمِهِ مَعَ رَاسِهِ وَاكَارِعِهِ وَاحْشَائِهِ وَفَرْثِهِ فَيُخْرِجُ سَائِرَ الثَّوْرِ(حامل الخطية) الَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ الَى مَكَانٍ طَاهِرٍ الَى مَرْمَى الرَّمَادِ وَيُحْرِقُهَا عَلَى حَطَبٍ بِالنَّارِ. عَلَى مَرْمَى الرَّمَادِ تُحْرَقُ (لا 4: 11 – 12)

إن كانت نفسي الشقية لا تحتمل أن تتخيل نفسها تمسك بسكين وتقتل، ترتجف من بشاعة وألم ذلك الفعل علي نفسي، أما مخلصي الصالح، لكي يرفع نير الخطية عن القاتل ارتضي أن تنتقل إليه كل مفاعيلها وقبل وشرب كل مفاعيل الخطايا.

لا يقف الأمر علي حمل العقوبة ووضع الإثم عليه، بل أصبح قادر أن يتلامس معنا بالتمام، فقد نظن أنه مجرب مثلنا في كل شيء بلا خطية، تعني أنه يشعر بنا حين يقع علينا ظلم أو اضطهاد أو تخلي أو ترك أو كراهية أو أمور خارجية…

يا لعمق النعمة، ليس هذا فقط، بل هو يشعر بالمرار والموت الذي يجتاحني حين أظلم أخي وأسرق وأبغض وأزيف وأفعل كل إثم، لأنه وهو بار بلا خطية جاز في مفاعيل الإثم والشر، ويعرف الأن عمق ألمي من الخطية الساكنة في.

لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ. (عب4: 15)

وأخيرا، ذلك المحب، اعتبر كل ذلك سرور، ولأجله احتمل الصليب والخطية، فهو كان يري ما لا نراه، كان يري القاتل باراً فيه، والزاني عفيفاً فيه، وكل فاجر بار بسببه، فكان الحب الذي لا يفكر في نفسه وألمه، بل محبينه الذي بذل نفسه عنهم وأحبهم ألي المنتهي.

نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِيناً بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ. (عب 12: 2)

الحياة: الشراب الذي فاض به لنا

وَفِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ الْعَظِيمِ مِنَ الْعِيدِ وَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَى: «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. مَنْ آمَنَ بِي كَمَا قَالَ الْكِتَابُ تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ». (يو 7 : 37) 
اَلْبَائِسُونَ وَالْمَسَاكِينُ طَالِبُونَ مَاءً وَلاَ يُوجَدُ. لِسَانُهُمْ مِنَ الْعَطَشِ قَدْ يَبِسَ.أَنَا الرَّبُّ أَسْتَجِيبُ لَهُمْ.أَنَا إِلَهَ إِسْرَائِيلَ لاَ أَتْرُكُهُمْ (اش41: 17)
فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فلاَ يَجُوعُ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فلاَ يَعْطَشُ أَبَداً. (يو 6: 35)

وأخيراً… وقف ونادي كل نفس عطشي لتشرب مياة الحياة الخارجة منه…
كل نفس مائتة بالخطية…ها قد حمل إثمها عنها…
كل نفس ترقد في قبرها…ها قد فتح القبر وقام ليقيمنا…
ها الذليل أصبح له رجاء… والخطية تسد فاها…
وها هي الحياة أشرقت علي الجالسين في الظمة وظلال الموت…
ففيه كانت الحياة… وفيه تحولت العقوبة خلاصاً… واللعنة لبركة…
أخذ الموت الذي لنا… وأعطانا الحياة التي له…
فاضت الحياة التي فيه نحونا، وغمرنا النور…
أمواتاً كنا فنهضنا ونلنا الحياة الأبدية…
قامت أجسادنا المائتة من قبورنا… فقد فتحها وأطلقنا قياماُ فيه…
سمعت أذاننا ندائه حين نطقت شفتاه بكلام الحياة…
إنفتحت أعيننا علي الحياة… ورأينا فيه النور…
استنارت العقول بالكلمة… بعدما كانت مقيدة في ضلالات وأباطيل…
أستنشقنا أنوفنا عبير الحياة التي في يسوع… وصار نفس أنوفنا هو مسيح الرب
(مرا  4 :  20)
نبضت قلوبنا بالحب من بعد كانت متحجرة بالأنانية…
دبت القداسة في أعضائنا التي كانت الات أثم… لتصير أعضاء بر…
قمنا جيش له بعد أن كنا أعداء معه… ها قد صالحنا في جسم بشريته…
من يصدق تلك النعمة… ومن يقبل ذلك الخلاص العظيم…
بل من يقاوم فيضان النعمة…ومن يقدر أن يفلت من سبي الحب…
سبي ذلك الجبار الذي بالحب غلب سطوة الموت…

Romany Joseph
13th April 2012


[1]والآن نأتي إلى المرحلة الحاسمة من الفداء: كيف يفدي المسيحُ الإنسانَ من الموت واللعنة؟ وهنا نسمع المسيح وهو يصلِّي في جثسيماني إلى الآب » بصراخ شديد ودموع «كما يقول سفر العبرانيين (7:5). وكما تصفه الأناجيل الثلاثة أنه كان يصلِّي » بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض «(لو 44:22)! مصرِّحاً أمام تلاميذه أن نفسه قد بلغت من الحزن حدّ الموت! » نفسي حزينة جداً حتى الموت «(مت 38:26)، ثم انكشف السبب الذي زلزل هكذا نفسية المسيح ابن الله الكلمة المتجسِّد؛ إذ ظهر أن محور طلبة المسيح وتوسُّله الشديد إلى ثلاث مرات بصلاة وركوع هو لكي يُجيز الآب عنه «هذه الكأس».

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – ص الجزء الأول – ص 48

[2]أما ما هي هذه الكأس؟ فقد عجز علماء  اللاهوت عن التعرُّف على » هذه الكأس « إذ قالوا إنها كانت رعبة الموت، وأن المسيح جاء في النهاية وارتعب من الموت!! وهذا التفسير معيب لا يتناسب قط مع المسيح. فالمسيح ليس أقل من الشهداء الذين كانوا يسخرون من الموت ومن الجلادين ويقدِّمون أجسادهم للنار وللوحوش بفرح بسبب قوة الرجاء والحياة التي فيهم. فهل يقشعر المسيح من الموت ويتخاذل ويصرخ بدموع إلى الآب أن ينجيه من الموت؟ فلماذا، إذن، أخلى ذاته؟ ولماذا تجسَّد؟ وبحسب قوله: » لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة!! «(يو 27:12)

أما الحقيقة فهي أن هذه الكأس تعبِّر عن كيف سيشرب المسيح خطايا البشرية وعارها، ويظهر علناً على الصليب حاملاً فضيحتها من زنا وقتل وتجديف على الله. فأمام حَمْل الصليب كان عليه أن يقرِّر: هل يقبل أن يكون صانع كل هذه الخطايا حتى يمكن أن يُصلب ويموت؟ وإلا لو كان المسيح تقدَّم بجسده على أنه هو القدوس فكيف يُحكَم عليه بالموت؟ بل وكيف يموت؟ ولا يموت إلاَّ مَنْ كان خاطئاً. وكيف يقبل اللعنة على الصليب إلاَّ مَنْ كان مجدِّفاً على الله؟! والآن كيف يقبل ابن الله المتجسِّد كلِّي القداسة والمجد أن يقف أمام أبيه كإنسان زانٍ ونجس وقاتل ومجدِّف، ناهيك عن كل الخطايا الأخرى؟ كيف والعلاقة بين الآب والابن لا تسمح، فسمة الابن الأولى والعُظمى هي الطاعة لأبيه. فكيف يقف أمامه كمجدِّف؟! والطبيعة الواحدة للآب والابن تتَّسم بالقداسة، وكيف يقف الابن أمام الآب نجساً زانياً؟! إلى هنا ونعود إلى الصلاة والركوع والصراخ والدموع، لماذا كانت؟ والتوسُّل لثلاث مرات أن يعبر عنه هذه الكأس!

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – ص الجزء الأول – ص 49

[3]واضح هنا أن طبيعة الابن وذاته القدوسة وَجَفَتْ وارتعبتْ بحكم قداستها من أن تقف أمام الآب مجدِّفة. وظل الابن رافضاً كأس خطايا الإنسان وفضيحته أن تُنسب ذاتياً للابن، فهذا يطال علاقته بالآب فكيف يقبل؟؟ ولكن يدخل هنا عنصر التجسُّد، أي وضع الابن الجديد أمام الآب حاملاً أصلاً ما ليس له، وهو جسد الإنسان. فمشيئة الابن يدخلها عنصر ما ليس له، إذ يدخل فيها حال الجسد البشري الذي يلبسه، الذي امتنع عليه قبول هذه الخطايا وهو القدوس. وهنا بلغت المضادة أقصى توترها. وبعد رفض الآب لثلاث مرات أيضاً وهو يرفض اعتذار الابن وتمنُّعه، سلَّم الابن المتجسِّد المشيئة للآب، وقَبِلَ المسيح أن يشرب كأس خطايا البشرية طاعة للآب فقط: » لتكن لا إرادتي بل إرادتك «(لو 42:22). وكان هذا هو الفداء الأعظم، أو أعظم ما في الفداء.

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – ص الجزء الأول – ص 50

[4] أمَّا كيف، فهذه حتمية الصليب، فهو لا يمكن أن يُصلب إلاَّ من واقع تهمة اقتراف هذه الخطايا، وهو قادم لمحاكمة عسيرة معادية باغضة محترفة الإجرام، وحتماً ستنجح في أن تقدِّمه للحكم وعليه هذه الخطايا جميعاً، فماذا عساه عامل؟ هل يدافع؟ هل ينفي؟ هل يرفض؟ ولماذا جاء إذن، ولماذا تجسَّد وُولد إلاَّ 

ليُصلب ويموت؟! هل يمكن أن تصير المحاكمة صورية، وأن يصدر حكم الموت صورياً، ويكون الموت تأدية دور تمثيلي؟ أمر مستحيل! لأن صاحب سلطان الموت بالمرصاد ولا يمكن أن ينزل بمقصلته على رقبة الإنسان إلاَّ وهو ضامن موته وهلاكه. إذن، أصبح الموت ولا بد أن يكون حقيقة، ولكي يكون حقيقة لابد أن تكون جميع الخطايا الملزمة للموت حقيقة. إذن، لابد للمسيح أن يتقدَّم إلى الصليب وهو صاحب هذه الخطايا حقـًّا لا شكلاً، وأن تصير هذه الخطايا حقيقية لابد أن تقبلها نفسه وكأنَّها اقترفتها بإرادتها وحريتها وسكنت شعورها ولا شعورها، وإلاَّ استحال الموت واستحال الصليب. فالموت بالصلب أو بغيره هو نصيب الإنسان الشرير أصلاً، وهو حق على كل جسد. ولابد أن يكون وحتماً يكمَّل، حتى تُرفع الخطية ويُرفع الموت عن الإنسان. وهكذا تمَّ اختيار “ابن إنسان” ليتمِّم هذه القضية بكل أصولها وفروعها، دون أن يستعفي حتى آخر قطرة في كأس خطايا البشرية المثقَّل بأبشع صور التعدِّي.

الأب متي المسكين – شرح انجيل متي –   [36:26-46]

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in مقالات روحية and tagged . Bookmark the permalink.

16 Responses to أخذَ الذي لنا… وأعطانا الذي لَهٌ

  1. Mina Hani says:

    نكررها مرة أخري لعل قلوبنا ترتجف من بشاعة ثمن شفائنا الذي تحمله هو، لقد ذاق بالتمام مشاعر وفكر وإرادة القاتل، والزاني، والمجدف، واللص والمغتصب والظالم والفاسد والخبيث والشهواني والسارق والكاذب والطماع وكل مرارة الخطايا دخلت في نفسه.

    ——-

    قبل كده كنت كل ما اعمل خطيه باقول ان خطيتي دي هي السبب في الام المسيح …. كنت بافتكر انها مجرد السبب في الام المسامير و الالام الجسديه ……. لكن دلوقتي بس فهمت الالام الحقيقيه اللي باسببها ليسوع بخطيتي 😦

    حقيقي لما قريتها بكيت من كتر الالام اللي سببتها و مازلت باسببها ليسوع 😦

  2. Marina Ramzy says:

    يا روماني, النوت دي أكتر من رائعه في مفاهيم كتير فرقت معيّ بشكل شخصي فعلاً. كنت كتير بتسأل عن الكأس اللي بيتكلم عليها السيد المسيح و كان الرد أنه كأس الصليب و كنت بسأل هل من الممكن أن يرفض المسيح الصليب؟ أليس لهذا جاء؟ّ أشكرك بجد علي توضيح الجزئيه دي
    _____________________________________________
    لم يكن موته تمثيلية، والأهم، لم يكن حمله للخطية وشربه لكأس الخطية مسرحية، بل كانت حقيقة علي كل المستويات، موت للنفس، وللروح،(وللجسد.
    (كلمة الله الذي من قداسته عيناه أطهر من أن تنظر الشر ولا يستطيع النظر للجور (الظلم)، لم ينظر فقط الخطية، بل حمل في نفسه كل مفاعيل الخطية التي لم يرتكبها! )
    (نكررها مرة أخري لعل قلوبنا ترتجف من بشاعة ثمن شفائنا الذي تحمله هو، لقد ذاق بالتمام مشاعر وفكر وإرادة القاتل، والزاني، والمجدف، واللص والمغتصب والظالم والفاسد والخبيث والشهواني والسارق والكاذب والطماع وكل مرارة الخطايا دخلت في نفسه.)

    انا دايما كنت أعرف أن المسيح دفع علي الصليب تمن خطايانا و لكن ان التمن يكون بالمنظر ده و بالعمق ده شئ مؤلم, ازاي بمحبه غير موصوفه قبل كل هذا الأثم في نفسه و هو القدوس و كيف تحمل ثٍقل الخطيه بهذا الوصف ليس عن مجموعه منتقاه من البشر بل صار عليها اثم جميعنا و كل هذا كي ما يعطينا حياه و خلاص. و كل هذا بسبب محبته الكامله. أدراك مثل هذه المحبه و مثل هذا الألم هو الذي جعل الشهداء يدفعون حياتهم للمسيح و أمام هذه المحبه لا اجد ألا ان اضع نفسي تحت قدميه عند الصليب و أفكر في كل مره أخطئ فيها كيف تألم المسيح و ذاق أحساس خطيتي حتي المنتهي

    ربنا يبارك حياتك يا روماني و من مجد الي مجد

  3. Marina Francis says:

    الصور جبارة

    وأشتاق للموت ألف مرة،هذا هو فسادي… هذا هو أنا.
    🙂
    فالتعمق في الصليب يكشف ضعف إدراكنا لأسراره

  4. ها الذليل أصبح له رجاء…والخطية تسد فاها…
    فتحت عيني على حاجات كنت عارفها من زمان و مش حاسس بيها خالص

  5. Pingback: بين الروحنة والروحانية | 1 | مقارنة | Romanyjoseph's Blog

  6. Pingback: بين أساس الإيمان… وصراعات الإيمان | Romanyjoseph's Blog

  7. Pingback: بين قانون الزرع والحصاد… والصليب | Romanyjoseph's Blog

  8. Pingback: عبادة الأشخاص وتأليه الأفراد | Romanyjoseph's Blog

  9. Pingback: بين عرش الكرسي وعرش الصليب | Romanyjoseph's Blog

  10. Pingback: غفران الخطايا في الصليب والقيامة | Romanyjoseph's Blog

  11. Pingback: أسبوع العبور(الآلام ) نبويًا.. بين سبي اسرائيل.. والآلام المخلص.. وسبي شعب الرب بمصر | Romanyjoseph's Blog

  12. Pingback: صلاة من القبر | Romanyjoseph's Blog

  13. Pingback: ولم أجد مَنْ أثق فيه.. إلا أنت وحدك.. ومَنْ هم فيك | Romanyjoseph's Blog

  14. randa ramzy says:

    صور معبرة جدا ورائعة وكلمات اروع
    كلمات تدخل بنا الى العمق

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s