فيلم ألف مبروك… حين يدرك الإنسان بشاعة الفساد وقداسة الفداء

أهوي متابعة الأعمل الفنية الهدافة، لثقتي التامة أن الناس الأنقياء في كل الخليقة يئنون ويتطلعون للحق والحياة والنور والحب، وكثيرا ما أري أعمال فنية تناقش مشكلة الإنسان والبشرية بمنتي الأمانة، ثم تقف حائرة لا تعرف الحل، فاشعر أن الله يؤكد لنا عظمة الرسالة التي بين أيدينا، والوزنات التي نلناها ويئن العالم بحثا عنها. 

لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضاً سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ.فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعاً إِلَى الآنَ. (رو 8: 21-22)

وكل شخص نقي يحمل في ضميره الحق وإن كان مخبأ ومكتوم، فالضمير هو جزء من تكوين الإنسان الروحي ويحمل داخله الحق والنوروالحياة، ولو تجاوب الإنسان معه ولم يهمله ويلوثه، ستجده يصل لحقائق سامية ومحيية، فكل كتاب وعمل به نفخة ووحي من الله هو نافع للتعليم.

كُلُّ الْكِتَابِ  هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ اللهِ(الأصل اليوناني للكلمة هو “كل كتاب وعمل به انفاس الله”  وليس الإنجيل فقط)، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، (2تي 3:  16)

شاهدت منذ وقت فيلم “ألف مبروك“، ولم أتوقع أن أري عمل يشرح مشكلة الإنسان بتلك الطريقة ويقفز للصورة التي يجب أن يكون عليها الإنسان الكامل.

فبطل الفيلم ليس شريراً، ولا سفاحأ أو مدمناُ، ولا كاذبا أو لصاً، ولا مرتكباً للمعاصي والأثام،، هو فقط … “أناني”…شخص يحيا لذاته…و لأجل ذاته… ويصوره الفيلم بذكاء في ليله زفافه، حيث قمة مشغوليته بنفسه، وبالطبع، من يحيا لأجل ذاته، حين تتعارض مصالح ذاته مع الأخرين (وحتما سيحدث ذلك) ستجده يختار نفسه ويدوس علي الأخرين ويدهسهم دهساً لأجل مصلحته، حتي لو أراد عكس ذلك فأنانيته ستقيده وتجعله عاجزاً أن يختار أي شئ أخر إلا مصلحة ذاته المسجون فيها.

بطل الفيلم لا يحركة الا مصلحته الشخصية، ومحاولاته المستميته للسيطرة علي الأمور تحت تحكمه وسلطانه.

هذه الصورة المبدعة التي رسمها الفيلم ضربت كل تصور سطحي ونمطي عن الإلتزام الأخلاقي أو التدين، فالشخص الذي أمامنا مشكلته أكثر عمقاً من سطحيات التصرفات الأثمة… بل مشكلته هي جذر كل الخطايا وسر الألم والتعب… مشكلته هي الأنانية والتمحور حول الذات. …إنها مشكلة البشرية كلها سواء أدرك الناس ذلك أو لم يدركوا.

بطل الفيلم يري كل شئ حوله بطريقة خاطئة ومغلوطة، يجرح من حوله دون أن يدري، فبسبب الأنانية والتمحور حول الذات، هو في حالة عمي تام وكامل عن رؤية حقيقة الأشخاص والأشياء، أبدع كاتب الفيلم بدقة في توصيل عماه وجهله، فحتي حدوث سرقة عابره في الطريق يلتبس عليه الأمر فيها، ويظن أن من يساعد السيدة المسروقة هو السارق! قلبه الأناني لا يهتم برجل مسن يموت في الطريق لطالما هذا سيعطله عن مخطط حياته وترتيبات يومه، وطالما أن دماء الرجل يمكن أن تلوث سيارته الفاخرة، يستخدم كل الأمور والأشخاص لمصلحته. نري فيه أنفسنا ونكره تلك الشخصية الأنانية العمياء الجاهلة فنعلن حقيقة بشاعة نفوسنا الأنانية التي تري في الجميع معطلاً لها ولأحلامها، بل وتستخدم الكل لأجل ذاتها كما فعل بطل الفيلم.

يتكرر يوم بطل الفيلم بطريقة كوميدية مأساوية، إنه محبوس في ذاته، أسير في زنزانة أنانيته وسجن نفسه، له إسم أنه حي وهو ميت، وقليلا قليلاً، يدرك فساده وأنانيته، فكل تصوراته شريرة ونجسة، عمياء وخاطئة، وغير متلامسة مع الأخرين ولا مدركة لما يحدث، بطل الفيلم غارقاُ في الأنانية حتي التخاع، يشرب منها كالماء، وهو لا يدري انها سر كل ألم وشر وإثم.

فَبِالْحَرِيِّ مَكْرُوهٌ وَفَاسِدٌ الإِنْسَانُ الشَّارِبُ الإِثْمَ كَالْمَاءِ! (اي 15 : 16)

ويحدث الإنقلاب… يتحول ذلك الشخص الذي كل هدفه خلاص نفسه ونجاتها من الموت حتي لو كان الثمن يدفعه من حوله، لشخص هدفه خلاص الأخرين ونجاتهم حتي لو كان الثمن يدفعه هو بنفسه…وفعلا… يضحي بحياته لاجل الأخرين.

ورغم روعة القصة وسموها ،وأمانة ونقاء الكاتب في تحليله لمشكلة الإنسان، يقف ذلك العمل الفني الرائع عاجزاً عن تقديم الإجابة الغالية جداً والمهمة لكل إنسان: كيف يمكن أن يحدث ذلك التحول الرهيب في أعماق الإنسان؟ من باحث أناني علي مصلحة نفسه ونجاته علي حساب الكل، إلي مُضحي من أجل الأخرين وباحث عن حياتهم علي حساب نفسه.

وذكرني بمسرحيته الفنان “محمد صبحي” الشهيرة “الهمجي” وخلال ساعتها الطوال عرض ببراعة فساد الإنسان وشره وكسره للوصايا واحدة تلو الأخري بمنتهي الفساد والتلاعب، لكنه أنهي المسرحية بصورة مفاجئة ومرتبكة وتفتقر حتي الحبكة الدرامية، وأيضا  لم يصل لإجابة للسؤال الذي تشتاق نفوسنا وتئن لأجل إجابته، ليؤئكد لنا أن سر التغيير وحل مشكلة الإنسان غير موجود بداخلنا… وطريقه مجهول!!

كيف يمكن أن يحدث هذا في حياتنا؟…فكلنا هذا الرجل… والأمين منا مع نفسه يعلم أن هذه حقيقتنا العارية المخجلة…
كيف يمكن أن تنفتح عين الإنسان ليري فساده؟…بطل الفيلم تكرر يومة عدة مرات فلاحظ، ماذا عنا نحن، كيف يمكن أن نري؟
أين النور الذي ينير علي تلك الظلمة الأنانية ويبددها؟
ثم لو رأينا  تلك الحقيقة، يبقي التحدي الأعظم….كيف يتغير واقع الإنسان المائت؟
كيف يتحرر من فخ الأنانية القاتل، وبئر الذات الذي يرقد في قاعه ؟
من يستطيع أن يكسر سجن الأنانية وقيودها وسطوتها عن نفوسنا؟
كيف يتحول الإنسان من أناني يضحي بالأخرين لأجل ذاته لباذل يضحي بذاته لاجل الأخرين؟
كيف يتحول السارق لمعطي، الزاني لعفيف، القاتل لواهب حياة، المظلم لشخص ينير غيره؟
من عنده الحل؟؟؟ و ما هو الحل؟

إن الحياة التي محورها العطاء والبذل هي عينها حياة الله، فهو الخالق المعطي الكامل النقي المملؤ حق ونور وحياة ومحبة، بينما الإنسان حياته محورها الأنانية والأخذ ويكره العطاء، فقد أصبح الإنسان مشوه، فاسد مخادع أناني كذاب مزيف مظلم مائت، لا يوجد إذا إلا حل واحد، وهو أن يكسو الله الإنسان بحياته وشخصه ويميت طبيعة الإنسان الفاسدة.
هذا هو الحل الوحيد…
وقد إسُتعلن هذا الحل في شخص المسيح… إعلان الله الكامل…ليكون شخص المسيح هو الحل الوحيد والأوحد القادر علي عمل تلك المعجزة في أعماق الإنسان

لقد صرخ بولس الرسول صرخة شهيرة حين أدرك بشاعة سجن الذات والفساد الذي يسجنه وصرخ باحثا عن من يفكه منه قائلاُ

وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا الْمَوْتِ؟ (رو 7 : 24)

لقد قام المسيح بصلب الطبيعة المائتة الأنانية التي لنا حين صعد علي الصليب، فكان المشهد الخارجي للعين أنه مصلوب، لكن بعين الروح كان المسيح يصلب ويضع المسامير في الطبيعة البشرية الفاسدة التي قبل أن يحملها في جسده وهو بار، فربطها في الصليب بالقوة الإلهية الكائنه فيه، وأمات سلطانها بموته، وقام من الموت ليقيم طبيعتنا الجديدة التي خلقها في نفسه من طبيعته هو…طبيعة الله الكلمة المتجسد

وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلاً حَسَبَ دَهْرِ هَذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ،الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضاً جَمِيعاً تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضاً،اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا،وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ – بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ –وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ،لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ (أف  2: 1 – 7)

في المسيح… أصبح هناك نجاة لكل من يئنون من طبيعتهم ويقرون بفسادهم فقد أمات المسيح تلك الطبيعة وأصبح لهم حرية وحياة…
في المسيح… تهيأ لنا جسداً جديدا، إنسان جديد له كل ما للمسيح، صانع للسلام، محب، باذل، قوي، نقي، طاهر، قديس، حكيم، فاهم،  مستنير، منير، خادم، إنسان جديد هو حلم البشرية كلها، خلقه المسيح في نفسه ووهبه لنا.

لِذَلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «ذَبِيحَةً وَقُرْبَاناً لَمْ تُرِدْ، وَلَكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَداً. (عب 10: 5).. لِكَيْ يَخْلُقَ الِاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَاناً وَاحِداً جَدِيداً، صَانِعاً سَلاَماً (أف 2: 15)

فيا ليت نفوسنا تدرك الحياة الكائنة لنا في شخص المسيح…
يا ليتنا ندرك أن ما عندنا يشتاق إليه العالم ويئن ويبحث عنه ولا يجد حل لمأساة الإنسان…
يا ليت عيوننا تنفتح علي أخوتنا العطاش للحياة والطالبين لها وهم لا يعرفون أن أنهار الحياة كائنة في شخص المسيح…
فتمتلئ نفوسنا من ذلك الكنز… ونخرج لنبشر بقيامة البشرية في المسيح وموت فسادها في قبره…
ويكون شغلنا الشاغل هو ذلك الخبر المفرح… بشارة الإنجيل.

Romany Joseph
20th April 2012

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in مقالات روحية and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.

10 Responses to فيلم ألف مبروك… حين يدرك الإنسان بشاعة الفساد وقداسة الفداء

  1. owoodyandy says:

    رائع ، كلنا نشتكى من تكرار أيامنا ، لسان حالنا يقول ” مفيش جديد ” ” اليوم بيعدى زى اللى قبله ” ” مش مبسوط من يومى ” كلام كتير زى دا بنردده ،

    من عنده الحل؟؟؟ و ما هو الحل؟

    وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا الْمَوْتِ؟ (رو 7 : 24)

    في المسيح… أصبح هناك نجاة لكل من يئنون من طبيعتهم ويقرون بفسادهم فقد أمات المسيح تلك الطبيعة وأصبح لهم حرية وحياة…
    في المسيح… تهيأ لنا جسداً جديدا، إنسان جديد له كل ما للمسيح، صانع للسلام، محب، باذل، قوي، نقي، طاهر، قديس، حكيم، فاهم، مستنير، منير، خادم، إنسان جديد هو حلم البشرية كلها، خلقه المسيح في نفسه ووهبه لنا.

  2. Marina Francis says:

    to7a geddan ….. 🙂
    3agabni di
    “لقد قام المسيح بصلب الطبيعة المائتة الأنانية التي لنا حين صعد علي الصليب، فكان المشهد الخارجي للعين أنه مصلوب، لكن بعين الروح كان المسيح يصلب ويضع المسامير في الطبيعة البشرية الفاسدة التي قبل أن يحملها في جسده وهو بار،
    لِذَلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «ذَبِيحَةً وَقُرْبَاناً لَمْ تُرِدْ، وَلَكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَداً.

    w di
    فنية تناقش مشكلة الإنسان والبشرية بمنتي الأمانة، ثم تقف حائرة لا تعرف الحل، فاشعر أن الله يؤكد لنا عظمة الرسالة التي بين أيدينا، والوزنات التي نلناها ويئن العالم بحثا عنها.

    w di ba2a awiii
    فالضمير هو جزء من تكوين الإنسان الروحي

  3. michael adel says:

    aktar 7aga 3agbany ya romany fel mkala de …. enha moshoka 3lshan est5dmt film 3ady bntfrg 3lih w wslt beeh afkar ro7ia ktabia haylaaa ! f mkntsh t2ela wla klamha nazry aw moml lkn kant mn wak3 el 7iah w moshoka en el wa7d yekmlha ll25r …
    3agbny el fkr wel rsala gdn w el ta2amol gameel awy .. rabna yebarkk ya 7biby 🙂

  4. RomanyJoseph says:

    شكرا يا مايكل…. علمني احد الخدام الرائعين اننا نستطيع ان نري الحق…أي الله… في كا امر حولنا لو حاولنا
    ربنا يبارك حياتك

  5. malak says:

    تامل غاية فى الروعه انا كنت اول مرة اعرف مدونة حضرتك من خلال تعليقك على القس داود لمعى كان حديث كل رواد الفيس بوك لكن لقيت تاملات ودراسات رائعة جدا تستحق المشاركة. ربنا يبارك خدمتك

    • RomanyJoseph says:

      ربنا يبارك حياتك يا ملاك.. صدقني غني المسيح وعمله موجود في كل لمحة في الحياة وفي الإنسانية حين تسعي نحو الحق والحرية
      اشكرك وربنا يبارك حياتك

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s