من لمس هدب الثوب…لقبلات الزواج

العلاقة مع الله تاخذ أشكالا كثيرة ومختلفه وتَتَدخل أمور كثيرة فيها لتقوم بنحت ذلك التشكيل لتصل به إلي شكل معين، في الدائرة الواسعة تكون الديانة (إن جاز هذا التعبير) من أهم العناصر التي تقوم برسم تلك العلاقة، ثم تأتي بعدها دائرة أصغر قليلاً وهي دارة الموروث الحضاري من ثقافة وتراث يختلف من مكان لمكان ، ثم الظروف الحياتية من غني أو فقر …مرض أو صحة، وبعدها الخلفيات العائلية كدائرة أصغر واٌوقوي إرتوت من الدوائر السابقة في تصورها نحو العلاقة مع الله، وقامت بضخ ذلك التصور في قلب إنسان تلقاها مع خبرات شخصية أخري لترسم صورة نهائية في قلب الإنسان نحو علاقته مع الله.

للأسف كل هذه الدوائر تعمل معاً لرسم صورة غاية في التشوه نحو العلاقة مع الله، فيصل في النهاية الإنسان إلي تصور الله والعلاقة معه بحسب ما وصل له من تلك الدوائر، وهو تصور يكون بالحقيقة بشعاً. 

فمنهم من يراه غامض ومجهول، وأخرين يروه منعزل تمام الإنعزال عن خليقته، والبعض يرأه ماسكاً بسوط يجلد به البشرية إن لم تلتزم بقائمة من المتطلبات والممنوعات ويرجمها ويقطع يديها إن لزم الأمر، واخرون يروه قاسٍ يتوقعون عقابة بين لحظةٍ واخري، والبعض يراه ماكر متكبر يستمتع بإذلال البشر، قادر أن ينقذهم لكنه لا يتدخل ويضحك في السماء علي بليتهم.

فاقت التشوهات كل الحدود…وبقي في أعماق قلب الإنسان نفخة من الروح تصرخ…من المؤكد أن هناك خطأ ما…ليس هذا هو الله الذي أتوق إليه، وإذا تجاول الإنسان مع ذلك الصوت الطالب الرب…يظهر ويُستَعلن السيد المسيح ليحطم كل التشوهات، ويعيد العلاقة بين الإنسان والله لرسمها السليم… فالمسيح هو الطريق الوحيد لتصحيح وإسترداد العلاقة المكسورة والمشوهة مع الله… هو إعلان الله للبشرية الذي فيه تتبدد كل التشوهات.

في قصة تجسد المسيح يمكننا أن نري كيف كان يصحح هو كل تشوه تدريجياً بكل فطنة وحكمة وبراعة حتي تُذهل أنفسنا…ففي كل فعل في تجسده يوجد تصحيح وتوجيه وإسترداد للعلاقة السليمة بين الله والإنسان في شخص المسيح.

لو تأملنا قصة التجسد في الأناجيل بصورة سرية وتخيلناه الرب يسوع في طرف… والبشرية الساقطة ذات العلاقة المشوه في طرف أخر…وتتبعنا كيف سارت العلاقة وتدرجت خطوة خطوة نحو ذلك الإله المتجسد ليرد البشرية لعلاقة صحيحة سنتعجب أشد العجب.

يتدرج التصحيح لتلك التشوهات من رؤية الله قريب لنا بالتجسد بعدما كانت الصورة أنه بعيد ومنعزل في السماء …بعدما كانت الألسنة تهتف : ليتك تشق السموات وتنزل (أش 64: 1).

تبدأ التبعية نحو ذلك الإله المعطاء الذي حل وسطنا وأخذ جسداً مثلنا بتبعيه طالبة العطايا والخيرات والمعجزات…وهو يقبل ذلك في هدؤ شديد لأنه يعلم أنها مرحلة سيعبر بهم منها…أراه يبتسم وهو يفرق العطايا ويصنع المعجزات…كصياد نفوس يلقي بطُعم لكي يجذب النفس..لكن علي عكس العادة…يصطاد النفوس بطُعم العطية والمعجزة لا ليهلكها…بل ليعطيها أكثرجداً مما تطلب او تفتكر….ليعطيها ما لا تتخيله علي الإطلاق…. يعطيها نفسه….كل كيانه!!

وَتَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ لأَنَّهُمْ أَبْصَرُوا آيَاتِهِ الَّتِي كَانَ يَصْنَعُهَا فِي الْمَرْضَى.(يو  6 :  2) أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: أَنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي لَيْسَ لأَنَّكُمْ رَأَيْتُمْ آيَاتٍ بَلْ لأَنَّكُمْ أَكَلْتُمْ مِنَ الْخُبْزِ فَشَبِعْتُمْ. (يو 6: 26)

ثم تدريجيا…تتطور العلاقة لأن يسمع الإنسان صوت الله يتكلم بعدما كان الإنسان مقطوعا عن كلمات الحياة…وتبدأ الكلمات تحيي نفسه… وتتعلق نفس الإنسان بكلمات الحياة التي تقيمها من رقادها اكتر من التعلق بمن يسدد الإحتياجات.

اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ حِينَ يَسْمَعُ الأَمْوَاتُ صَوْتَ ابْنِ اللَّهِ وَالسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ. (يو 5: 25)

ويبدأ شخص ذلك الإله المقترب لنا في جسد…والذي يتحدث إلينا…يجذب النفوس نحوه وتتبعه القلوب تدريجياً…وكلما تكلم تصححت علاقة البشرية بالله في شخصة بهدوء…سواء كان الإنسان يدري أم لا يدري…فالحياة عاملة..وتدريجيا…تلتفت الإنسانية لما هو أعظم من العطايا…كلمات الحياة التي ترد النفس وتفتح القلب وتنير الذهن.

فَمَضَى مَعَهُ وَتَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ وَكَانُوا يَزْحَمُونَهُ.(مر  5 :  24)
وَفِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ إِذِ اجْتَمَعَ رَبَوَاتُ الشَّعْبِ حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يَدُوسُ بَعْضاً (لو 12: 1)

تدريجياً…. يترك الإنسان حياته القديمة المتمحور حول نفسه وإحتياجاتها، ويسير خلف ذلك الإله…وفي البداية…يكون قلبه مكتفي وفرح أن يسمعه فقط وهو يُعَلِم ويتكلم بكلمات الحياة… حتي أنهم يجوعون ويبيتون في الخلاء لأجل فقط سماع كلامه، وينسون الطعام ويتذكر هو.

فِي تِلْكَ الأَيَّامِ إِذْ كَانَ الْجَمْعُ كَثِيراً جِدّاً وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ دَعَا يَسُوعُ تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ لَهُمْ:«إِنِّي أُشْفِقُ عَلَى الْجَمْعِ لأَنَّ الآنَ لَهُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يَمْكُثُونَ مَعِي وَلَيْسَ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ. (مر 8: 1 -2)

يتبعوه بكل قلوبهم وكفي…لكن في قلبه إبتسامه… لا…مازال في أعماق يسوع ما هو أكثر بكثير من التبعية…ما لم يخطر علي بال بشر…الذي أعده لنا..يا تري يا يسوع ما هذا الذي أعددته… كفانا رؤيتك وسطنا…ويكفينا كلامك المحيي لنا.

لكن القلب يلهث ولا يشبع من ذلك الجمال الفائق…وتدريجياً…تبدأ مرحلة مختلفة…يشتهي الإنسان أن يقترب أكثر من ذلك الإله الجذاب المقترب لنا في جسد…فيبدأ الإنسان يحاول أن ينتقل من مرحلة الإستماع إلي مرحلة أخري…وهي التلامس.

إنه لمدهش أن الله أقترب، ، وأعطي وشفي، وتكلم وعلم، فهل من الممكن أن نقترب أكثر ونتلامس معه؟

وحتي التلامس كان تدريجيا بطريقة عجيبة…من رجل بار وتقي (يوحنا المعمدان) يري نفسه غير مستحق أن يتلامس مع سيور حذائه ويحلها رغم تقواه…إلي امرأة (نازفة الدم) تتجرأة أن تحلم ان تلمس ولو هدب ثوبه في خوف لأنها مريضة ومرضها يحسب نجاسة…ثم أخري تأتي وتبل قدميه بدموعها وتمسحهما بشعرها ثم تقبل قدمه.

هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي الَّذِي صَارَ قُدَّامِي الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقٍّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ». (يو 1: 27)
وَطلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَلْمِسُوا وَلَوْ هُدْبَ ثَوْبِهِ. وَكُلُّ مَنْ لَمَسَهُ شُفِيَ! (مر 6: 56)
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَرْأَةِ وَقَالَ لِسِمْعَانَ: «أَتَنْظُرُ هَذِهِ الْمَرْأَةَ؟ إِنِّي دَخَلْتُ بَيْتَكَ وَمَاءً لأَجْلِ رِجْلَيَّ لَمْ تُعْطِ. وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ بِالدُّمُوعِ وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا. (لو 7: 44)

تزيد الخطية ويزيد الإقرار بها، فتزداد النعمة جداً… ويزيد التلامس مع شخص الرب!!! حتي ان البار استحي من حل سيور الحذاء…والمريضة تحركت ولمست هدب ثوبه…والزانية تجرأت وقبلت قدميه…عجيب حقا هذا…حقا ما كشفه المسيح نحو علاقتنا بالله…يا تري هل من مزيد؟

ماذا بعدما سمعت البشرية ورأت الرب قريب…بل وتلامست معه علي إستحياء…هل من مزيد؟ كانت البشرية متغربة…فها هو قد اقترب… وتكلم… وشفي وغفر…هل نكتفي؟ الإجابة داخلنا:لا….لا نكتفي، لا نستحق ما سبق وما هو أكثر….لكننا نريد المزيد من ذلك النهر الذي لايعبر؟

بقي مستوي آخر….القبلات!!
أن ترتمي النفس في أحضان الرب، وتتلقي قبلاته …
قبلاته التي تعني الكثير جداً…
فكل محاولاتي للإقترب… من السماع للتلامس… كانت تعني إشتياقي أنا لذلك الجمال الفائق…
لذا كان أقصي موضع تتجرأ له النفس هو تقبيل قدميه بدموع…
أما قبلاته لي…فهي تعني أمر مذهل تحتاجة نفسي كما لم ادرك قبلاُ….
تعني إعلان إشتياقه هو لنفسي.. وإعلان لنفسي عن جمالها وروعتها بين يديه…
إنه يشتهيني أنا… ويحبني أنا…
يقبلني أنا… بالحقيقية قبلاته هي اطيب من كل خمر…

لِيُقَبِّلْنِي بِقُبْلاَتِ فَمِهِ لأَنَّ حُبَّكَ أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْرِ. (نش 1: 2)

وتنسي النفس كل ما سبق ويصغر في عينيها…بل وتراه خمراً كان يخدرها ويلهيها عن ذلك الحب…
هذا بالحقيقة مشتهي نفسي…هذا بالحقيقة ما تشوه نحو علاقتي بالله…وإنكشف تدريجيا في شخصك أيها الحبيب…
لم أفهم نفسي لكنك أنت فهمتها…وعلمت عمق إحتياجها…وكان إحتياجها هو شوقك نحوها ولهفتك لها…
كانت العلاقة زيجة… إتحاد بالرب، أن يكون الإنسان مع الرب كعروس مع عريس…

وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي إِلَى الأَبَدِ. وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ وَالإِحْسَانِ وَالْمَرَاحِمِ. أَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بِالأَمَانَةِ فَتَعْرِفِينَ الرَّبَّ. (هو 2: 20)
وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ (النفس البشرية) نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ (مخلوقة من فوق لا من تراب) مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا (المسيح الذي صارت النفس لحم من لحمة كما حواء لأدم).
(رؤ 21: 2)

تتلذذ بحبه، بقبلاته…
نصير واحد…متحدين…لحم من لحمك…وعظم من عظامك؟
آه… وأنت من جذبتني بعطاياك…حين كانت العطايا هي أعظم احلامي…
بينما ما في قلبك نحوي هو العرس والزواج؟
أيتزوج البار من الأثيم؟ النقي بالنجس؟
أراك جددت نفسي وخلقتها وغيرتها بالتمام حتي تليق أن تكون عروس لك…
فلم تحتمل نفسي كل ذلك الصنيع…
حقاً… قدرت أن تفعل أكثر جداً مما نطلب أو نفتكر، وأنا في جهلي دوما أحاول تصورها مع أن الأية تقول العكس.

وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ أَكْثَرَ جِدّاً مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا، (أف 3: 20)

نحن في حياتنا نختبر كل هذه الامور…
نتبعه للعطايا…تم نسمع كلامه…كلام الحياة …فنحيا…
تتعلق نفوسنا به وتتبعه… وعيوننا علي ما هو اثمن من العطايا…
وبعدها نريد أن نلمس ولو هدب ثوبه..لعلنا نشفي ونبارك بتلك الحياة…
ونحيا خدامين تحت قدميه مقبلين لها..فهو مستحق كل خدمة وعبادة…
ويزداد شوقنا… وتلتهب قلوبنا…
حتي ينكشف لنا أن عنده شوق مماثل خبأه عنا…
ويصارحنا أنه جاء ليتزوجنا…
لا تحتمل نفوسنا تلك الطلبة…لذا لا يصرح بها منذ البداية لأننا لن نحتمل..
نعم…ما في قلبه نحونا أن نصير لحم من لحمه…

لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ. (اف  5 :  30)

Romany Joseph
4th May 2012

 

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in مقالات روحية, تميز الأمور المتخالفة and tagged . Bookmark the permalink.

7 Responses to من لمس هدب الثوب…لقبلات الزواج

  1. Marina Ramzy says:

    تزيد الخطية فيزيد التلامس مع شخص الله!!! حتي ان البار استحي من حل سيور الحذاء…والمريضة تحركت ولمست هدب ثوبه…والزانية تجرأت وقبلت قدميه…عجيب حقا هذا…

    كل محاولاتي للإقترب…من السماع للتلامس…كانت تعني إشتياقي أنا لذلك الجمال الفائق…
    لذا كان أقصي موضع تتجرأ له النفس هو تقبيل قدميه بدموع…
    أما قبلاته لي…فهي تعني أمر مذهل تحتاجة نفسي كما لم ادرك قبلاُ….
    تعني إعلان إشتياقه هو لنفسي.. وإعلان لنفسي عن جمالها وروعتها بين يديه…
    إنه يشتهيني أنا…ويحبني أنا…

    حبيت جداً الجزئين دول… تدرج العلاقه مع الله من الله صانع المعجزات و معٌطي الخيرات ( منفعه) لعلاقه شخصيه حميمه. نقله غريبه و متدرجه تلك التي ينقلها ربنا لنفوسنا.
    ميرسي جداً ليك ربنا يباركك

  2. Marina Francis says:

    i love the introduction a lot it goes into the topic so simply ……… فرحانة اوي بالمقالة

  3. marina philip says:

    I love I love 🙂
    7elwa awiii…
    God bless you romany 🙂 🙂 rbna yoshbe3 a3makak mn 7obo akter we akter we yoskob sakebo 3lek.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s