صغير وكبير … 2012

جلس الأب مع إبنه الأصغر بعد أن تناولا طعامهما معاً وقال الأب لإبنه الصغير في هدؤ:إبني الحبيب، أريد ان اكلمك في أمر شاق قد تكون لاحظته وحدك، لكني أريد ان اكشفه لك أكثر

إلتفت الإبن إليه في إهتمام وقال لأبيه: تكلم يا أبي…كلي اذان صاغية.

فقال الأب في أسئ: إسمع يا ولدي الحبيب.. أغلبية إخوتك في بيتنا منقادون خلف مجموعة من الأجراء والعبيد الفاسدين، ويريدون أن يقلبوا الأوضاع في البيت، ويخططون أن يحكموا كل مقاليد الأمور ويستولوا عليها، وذلك سيكون شئ مؤلم عليك وعلي أخيك الأكبر وعليَ لأنهم يكرهوننا بشدة.

كان الإبن الأكبر يسترق السمع كعادته لكلام أبيه مع أخيه الأصغر من خلف ستار، فهو لم يكن يتكلم مع أبوه إلا للضرورة، فضم الإبن الأكبر قبضته بقوة وقال في نفسه بغضب وغيظ: أوغاد، نصحتك يا أبي كثيراً أن تقتل هؤء العبيد البطالين وتطرد هؤلاء الأخوة الفاسدين….لكنك لا تسمع لي.

أكمل الأب كلامة نحو إبنه الأصغر وقال وهو متاسفاً: وقد قررت أن أتركهم يفعلوا ما يريدونه وأصمت.

شهق الإبن الأصغر في ذهول وقال: تصمت؟ ولماذا تصمت يا أبي؟ كنت أظنك ستوقفهم!!! أنت تقدر أن تفعل، وها أنت قد عرفت نواياهم، فلماذا تتركهم يفسدون البيت ويخربون حياتنا؟!!

دمعت عيني الأب وقال: قررت أن أصمت يا بني، ولو إلي حين.

جن جنون الإبن الأصغر وقال: لماذا يا أبي…لا أفهم؟

سأل الأب إبنه في هدؤ:

–          ماذا لو كان ثمن خلاص نفوس إخوتك هو أن تحيا لوقت مضغوط ومضطهد ومتألم منهم حتي يفيقوا ويدركوا بشاعة ما هم فيه؟

أجاب الإبن الأصغر وقال:

–          أعلم أهمية الخلاص فقد إختبرته يا أبي، لكن لماذا يكون الثمن فادح؟ …نريد أن نحيا حياة مستقرة وهادئة….ما العيب في ذلك؟

–          لم أقل عيباً …لكني فقط سألت؟ ماذا لوكان ذلك هو الثمن؟

قال الإبن محاولاً الهروب من الإجابة: سأجاهد كل الجهد أولاً لكي أوازن بين الأمرين، لكن لو كان هذا هو الثمن، فلا مفر، فأنا أعرف كم هي ثمينة فدية النفوس وخلاصها.

صمت الأب ولم يتكلم…فسأل الإبن الأصغر في مرارة: ألا يوجد حل أخر؟ ألا يمكن التوفيق بين الأمرين يا أبي؟ لماذا يجب أن تسير الأمور هكذا.

نظر الأب لعيني إبنه في حنان وقال: هل تتذكر يوم قررت أن تأخذ كل ميراثك وترحل بعيداً عني؟

أجاب الإبن في خجل: نعم أتذكر جيداً.

قال الأب وهو يضع يده علي كتف الإبن الأصغر: كان الثمن فادحاً يا ولدي، كنت أتألم بشدة لأني أحبك، وتأثر البيت كثيراً بغيابك وبضياع جزء الميراث الخاص بك والذي كان البيت يحتاجه ويحتاجك، عانينا كثيراً علي كل المستويات يا بني، لكن لم يوجد حل آخر، كنت أستطيع أن أمنعك بسهولة، لكن كان تركك لحريتك هو الطريق الوحيد لخلاصك، أن تفعل ما تتوهم فيه الخير وتجد فيه كل شر وموت، ولولا ذلك، لما رجعت لنا شخصاً أخر، وكنت ستظل تتعامل معي دون أن تعرفني علي أني شخص يتحكم فيك ويقهرك ويحرمك من الخير، لا أب يحبك وتحبه كما الأن.

إمتلأت عينيي الإبن بدموع وقال: أتذكر يا أبي الحبيب، أتذكر كيف اعطيتني كل ميراثي وإحترمت رغبتي الفاسدة الشريرة، وادرك مدي حبك وحكمتك، فلو كنت تركتني أمضي بدون ميراث لكنت ألقيت اللوم عليك في كل فشل واجهته، لكنك في حكمة وتضحية  تفوق الوصف أعطيتني كل ما أريد، فلم يعد عندي أي عذر يوم فشلت حياتي وحصدت الشر.

وأعلم أنه لولا تصرفك الذي لامك عليه الجميع لكنت بقيت ميتاً، ويوم رجوعي أدركت كم كنت ضالاً وأعمي، وقررت ألا أتركك أبداً..

إبتسم الأب وقال له في حنان عجيب: كان الثمن هيناً يا ولدي في عيني…لأن كل ألم يهون لكي أراك صحيحاً.

فهم الإبن الأصغر تماماً ما يريد أبيه أن يقول، إن القصة تتكرر اليوم مع إخوته، والأب ينوي أن يكرر ما فعله معه ويتركهم  كما تركه، وهو يعي تماماً الرسالة، لكنه لا يعرف ماذا يفعل، فهو يبغض الألم بشدة، وإخوته لا يحبوه ولا يحبوا أبيه، ولو حدث ذلك سيعاني أشد المعاناة منهم.

إشتد الصراع في أعماق الإبن الأصغر وسأل يائساً: ألا يوجد حلول أخري يا أبي؟ لماذا لا تعطيهم نصيبهم في الميراث وتدعهم يمضون بعيداً كما فعلت معي، ويتعلموا الدرس مثلي، ونحيا هنا أنا وأنت في سلام وراحة.

قال الأب حزيناً: وهل كنت أنا في سلام وراحة يوم تركت أنت البيت؟ فما بالك بترك كل إخوتك البيت؟… دعني أسألك  يا بني: هل تقصد نحيا “أنا وأنت” في سلام وراحة… أم انك تفكر في نفسك فقط؟

طأطأ الإبن رأسه في خجل، ولم يعرف بما يجيب، وساد الصمت فترة قطعها الأب قائلأ: أتذكر يا بني يوم رجعت من الكورة البعيدة؟

قال الإبن: نعم يا أبي: إنه أحلي يوم في حياتي، كان يوم ولادتي.

نظر الأب لعينيه وقال: هل تتذكر هديتي لك يا ولدي؟

أجاب الإبن: نعم، حلة، وخاتم، وحذاء وإحتفال، وفوق كل هدية…كانت حياتي الجديدة معك هي أعظم هدية.

سأل الأب إبنه: وماذا فعلت أنت بكل هذا يا ولدي؟ لقد فرحت أنا بعودتك وفرحت أنت بحياتك الجديدة، ومرت الأيام وكنت أتوقع منك أن تنضج وتكبر، لكنك تركز علي ذاتك وقت أطول من اللازم، كنت بطيئاً للغاية في إحساسك بمن حولك من إخوة، بينما هم يسيرون في الإتجاة المعاكس، يزدادون زيغاناً والعبيد يفسدونهم، كنت أتوقع وأنتظر منك أن تساعدني لكي يرجعون ويفيقون بهدؤ، أعطيتك خاتم سلطان وأرجعتك لمكانتك الأولي كي يكون لك ما لي نحوهم، وترعاهم وتفتقدهم، لكنك لم تهتم كثيراً، واقصي ما خرج منك نحوهم هو الشعور بالشفقة، فبقيت طفلاً وأنا أحلم بك رجلاً، وفسدوا هم أكثر وأنا أحلم بهم أنقياء.

كان يمكن فقط أن تحكي لهم قصتك، فقصتك قصتهم، كانت ستردهم، كانت سترجعهم إليِ…لكنك لم تهتم، لم تبذل قصار جهدك كما قلت، بل كنت مرتبكاً بحياتك.

واليوم: أنت تريد أن تكمل في طفولتك، فليذهبوا هم يشربوا من نفس الكأس التي شربت أنت منها، وليشرب أبيك الألم ثانية، لا يهم… ولتهنأ أنت بطفولتك التي طالت وزادت عن مداها ودفع ثمن تقصيرك اخرون، والأن، لم تعد الإختيارات كثيرة كما سبق، فعماهم قد زاد، بل دعني اهمس في أذنك…حياتك تتسرب منك وأنت لاتدري.

دمعت عينا الإبن في خجل، وتذكر كم من مرة حاول أبوه برفق أن يجعله يتحرك نحو أخوته، لكنه كان ينفر منهم، وكان كل فرحه في الوجود مع أبيه وعطايا أبيه، وتذكر كيف تركه أبيه مرة أخري يمارس حريته، وفكر أن يترجي أبيه يستخدم سلطانه مع إخوته ويبطل مشوراتهم ومخططاتهم، لكنه عرف أنه لن يفعل… وتذكر أكبر درس محبة عملية عرفه عن أبوه، أنه يحترم حريتهم كما إحترم حريته، ولا يستخدم سلطانه وهو قادر…فكان ذلك القلب العظيم ما سبي نفسه نحو أبيه، وما سيسبيهم أيضاُ.

فسأل وقال في خوف وألم: فماذا الأن يا أبتاه؟

ضم الأب إبنه الأصغر لحضنه: لاتقلق يا ولدي، فقط شاركني ما في اعماقي اكثر، سنتركهم ينمون ويتمردون، ويديرون البيت وسنصمت نحن، ومع الوقت سيحدث نفس ما حدث لك، سيدرك أبنائي فداحة ما فعلوه، وسيعلمون فساد هؤلاء العبيد الذين قادوهم، وسيرجعون إلي وسأشفي إرتداهم، وأطلقهم أحرار من العبيد الفاسدين.

لم يحتمل الإبن الاكبر المزيد من السمع فإندفع من خلف الستار الذي كان مختبأ ورائه فجأة وقفز من مكانه قائلاً بغضب شديد:

يا أبي….لقد سمعت ما قلته لذلك الصغير….إني أتعجب…ما الذي تفعله؟…هؤلاء الذين تسميهم أخوة يؤرقون حياتنا، ويسببون لنا تعب كثير… حقيقة أنا لا أفهمك، تترك عبيد فاسدين كالزوان بين الحنطة، وتترك أولادك ينحازون نحوهم ضدنا، والآن تقول أنهم سيملكون علي بيتنا وعليَ أنا..أنا لا أقبل هذا.

…حقاً…كلما رأيت تصرفاتك وصمتك الشديد بينما أنت تملك كل شئ وكل قدرة…تعجبت، حاولت أن أجد المبررات لتصرفاتك الغير مفهومة لكني عجزت، تستطيع أن تذبحهم…أن ترهبهم ليتوقفوا عن شرهم، لكنك دوماً تصمت.

قال الأب بحزن: لعمرك لم تسألني عما في أعماقي يا ولدي الكبير فقد إخترت أن تكون بعيد.

غضب الإبن وقال: لست بعيد….أنا أعمل في الحقل وأجتهد وأخدمك… أنت حقاً غير مفهوم… تقبل من أكل معيشتك مع الزواني وتفرح به… وأنا أخلاقي وإلتزامي أكثر منه لكنك تهملني… سكت كثيراً ولم اعد أحتمل… تفضله عني وتكلمه ولا تكلمني.

قال الأب بألم: لم أفضله بل هو من فضلني…ولم اكلمه أكثر منك بل هو إختار أن يسمعني، هو لا يأتي يطلب مني حقوق، أو يملي علي أوامره، بل يأتي ليعرفني فأبادله نفس الحب.

قال الإبن الأكبر وكأنه أمسك خطأ علي أبيه: لقد سمعتك تلومه الأن علي طفولته؟ هل تنكر؟

قال الأب: نعم لمته، وقد سمع وقَبل الكلام… أما أنت ألومك علي إتجاه حياتك كلها… لكنك لا تسمع…فمتي تنتبه لنفسك وتخرج ما في عينك أولاً، قبل أن تتصيد أخطاء أخيك الصغير.

صرخ الإبن الأكبر هو يخبط بيده علي المائدة: سأوقف هذ المهزلة…لن أترك أبدا العبيد وأولادك المنقلبين علينا أن يملكون البيت… لن ادعهم يفسدوا حياتي.

إنصرف الإبن الاكبر دون أن يسمع رد أبيه، وراح يفكر كيف يتعامل مع الموقف، ذهب أولا ليكلم الجيران حوله لكي يساعدوه لكنهم لم يعطوه إهتماماً، فحاول جمع العبيد الامناء حوله كي يستطيع أن يقف ضد العبيد الأشرار وإخوته، لكنهم كانوا قلة لا حيلة لها، وكان العبيد الفاسدين وإخوته الذين يتبعونهم يزداودن قوة يوماً بعد يوم.

جن جنونه…كل حلامة تنهار… وكل حلوله تفشل الواحدة بعد الأخري…أبي أن يرجع إلي أبيه ليفهم… حاول أن يطلب من أبيه أن يوقف تطور الامور أكثر من مرة… فلم يجيبه أبيه كعادته بل صمت حزيناً…أخيرا حاول أن يتكلم مع العبيد الأشرار لكي يردهم عن فعلتهم، أو علي الأقل، أن يعاملوه بشئ من اللطف حين يتحكمون في الامور، مع يقينه من قسوتهم…لكن نفسه الخائفة الفاقدة الأبوة ليس عندها حلول باقية.

لم تنتهي القصة حتي الأن…
ومازال الإبن الأكبر والأصغر يحركان فصولها…
الإبن الأصغر يعرف ما يجب فعله… لكنه خائف ومتحير… لا يريد أن يترك طفولته…
والأكبر عنيد…يفعل كل شئ إلا محاولة فهم أبيه أو سماع كلمته…يثق بنفسه ثقة عمياء….يثق بذراعه مهما قال لسانه العكس من شعارات جوفاء…
وأما الأب…. فمازال عنده رجاء في هذا وذاك.
فيا تري…من أنت؟ وماذا تنوي أن تفعل؟

Romany Joseph
8th May 2012

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in قصص قصيرة, صغير وكبير and tagged , , , . Bookmark the permalink.

11 Responses to صغير وكبير … 2012

  1. Marina Francis says:

    AMAZINGGGGGGGGGGGGGGGGGGGG

    وجعتني اوي
    أنت تريد أن تكمل في طفولتك، فليذهبوا هم يشربوا من نفس الكأس التي شربت أنت منها، وليشرب أبيك الألم ثانية، لا يهم…ولتهنأ أنت بطفولتك التي طالت وزادت عن مداها ودفع ثمن تقصيرك اخرون، والأن، لم تعد الإختيارات كثيرة كما سبق، فعماهم قد زاد، بل دعني اهمس في أذنك…حياتك تتسرب منك وأنت لاتدري.

    الإبن الأصغر يعرف ما يجب فعله..لكنه خائف ومتحير…لا يريد أن يترك طفولته…
    😦
    God bless you dear

  2. ماجد says:

    رؤية ممتازة لما نحياه اثناء الظروف الحالية.

  3. جن جنونه…كل حلامة تنهار… وكل حلوله تفشل الواحدة بعد الأخري…أبي أن يرجع إلي أبيه ليفهم…

  4. marlin says:

    a maaaaaazing one
    لم أفضله بل هو من فضلني…ولم اكلمه أكثر منك بل هو إختار أن يسمعني، هو لا يأتي يطلب مني حقوق، أو يملي علي أوامره، بل يأتي ليعرفني فأبادله نفس الحب

  5. michael adel says:

    mosh ma32ooool bgd .. 7lwa gdn gdn gdn 🙂

  6. mina says:

    gamila awy la2enaha wake3ya . bas bardo leh el ab mesh y3mel aktar men el skot feh keter momken y3meloh

    • RomanyJoseph says:

      متشكر يا مينا ربنا يبارك
      اعتقد إن الأب كثيراً ما يصمت ويسمع بأن نمر في أمور اخترناها نحن بإرادتنا وتصممينا وعنادنا…نحن كثيرا من يطلب من الله أن يصمت

      • mina says:

        مش عارف بس لو أنت اب هتسكت ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ فما بالك بأبو الكل … لو تسمحلى اقول رأىى انا شايف أنك ركزت على دور الأولاد ( وأنا متفق تماما معاك ) لكن أكيد الله بيعمل الكتير واللى ممكن يظهرلنا أنه صمت بس فى أيمانى مينفعش يسكت

        • RomanyJoseph says:

          أشكرك يا مينا لتعليقك وإهتمامك
          زي ما إنت عارف اي حد بيكتب قصة بيكتب اللي شايفه جواه اولا وحواليه….فأنا باكت رأي شخصي مش أكتر
          انا شخصيا…سألت نفسي… هو ليه ربناانا عايز ربنا يدخل بصورة معينة…لقيت إجابة واحدة…انا مش عايز اتغير واكون علي صورته…عايز اعيش ساعة معاه وساعة للعالم…علشان كدة هو مش هايسكت
          انا شايف غن اللي سمع بيه ربنا دا مش صمت…هو صمت لو انا مستني يغير الظروف برة
          لكنه قمة العمل….لانه هو عايز يغيرنا من جوة

          شكرا مرة تاني ليك
          ربنا يباركك

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s