بين ظاهر طلباتنا… وعُمق إحتياجنا

كانت رغبة الأمومة بداخلها عميقة وقوية جداً، كأي أم بل وأكثر، لكنها لم تكن تنجب، كانت مكتئبة ومملؤة حزناً بسبب ذلك الحلم المشروع الذي لا يتحقق…في ضيقها صَلت للرب من كل قلبِها أن يعطيها طفلاً، صلت بدموع وبتوسلات أن تنال حلم أمومتها، وإستجاب الرب لها وأنجبت طفلاً جميلاً.

فوقفت مسرورة وشكرت الرب قائلة:

لقد فرحت فرحاً بالولد فرح كثير، إبتهجت به جداً، لا يوجد طفل مثله، إمتلأت نفسي بالسعادة بسبب إبني.

كلمات تبدو منطقية جدًا لأم أنجبت بعد عقم…لكن للأسف هي لم تقل ذلك إطلاقاً!! لم يكن ما سبق هو صلاة السيدة العاقر التي كان كل همها ومشكلتها وحلمها أن تنجب طفلاً… لقد كانت صلاتها عجيبة جداً وتستحق أن نقف متعجيبن ومذهولين أمام صلاة تلك المرأة… تلك المرأة هي حنة أم صمؤيل النبي، وكانت تلك صلاتها:

فَصَلَّتْ حَنَّةُ: «فَرِحَ قَلْبِي بِالرَّبِّ. ارْتَفَعَ قَرْنِي بِالرَّبِّ. اتَّسَعَ فَمِي عَلَى أَعْدَائِي، لأَنِّي قَدِ ابْتَهَجْتُ بِخَلاَصِكَ.لَيْسَ قُدُّوسٌ مِثْلَ الرَّبِّ، لأَنَّهُ لَيْسَ غَيْرَكَ، وَلَيْسَ صَخْرَةٌ مِثْلَ إِلَهِنَا.لاَ تُكَثِّرُوا الْكَلاَمَ الْعَالِيَ الْمُسْتَعْلِيَ، وَلْتَبْرَحْ وَقَاحَةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ. لأَنَّ الرَّبَّ إِلَهٌ عَلِيمٌ، وَبِهِ تُوزَنُ الأَعْمَالُ.قِسِيُّ الْجَبَابِرَةِ انْحَطَمَتْ وَالضُّعَفَاءُ تَمَنْطَقُوا بِالْبَأْسِ.الشَّبَاعَى آجَرُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْخُبْزِ، وَالْجِيَاعُ كَفُّوا. حَتَّى أَنَّ الْعَاقِرَ وَلَدَتْ سَبْعَةً، وَكَثِيرَةَ الْبَنِينَ ذَبُلَتْ.الرَّبُّ يُمِيتُ وَيُحْيِي. يُهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَيُصْعِدُ.الرَّبُّ يُفْقِرُ وَيُغْنِي. يَضَعُ وَيَرْفَعُ.يُقِيمُ الْمِسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ. يَرْفَعُ الْفَقِيرَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ لِلْجُلُوسِ مَعَ الشُّرَفَاءِ وَيُمَلِّكُهُمْ كُرْسِيَّ الْمَجْدِ. لأَنَّ لِلرَّبِّ أَعْمِدَةَ الأَرْضِ، وَقَدْ وَضَعَ عَلَيْهَا الْمَسْكُونَةَ.أَرْجُلَ أَتْقِيَائِهِ يَحْرُسُ، وَالأَشْرَارُ فِي الظَّلاَمِ يَصْمُتُونَ. لأَنَّهُ لَيْسَ بِالْقُوَّةِ يَغْلِبُ إِنْسَانٌ.مُخَاصِمُو الرَّبِّ يَنْكَسِرُونَ. مِنَ السَّمَاءِ يُرْعِدُ عَلَيْهِمْ. الرَّبُّ يَدِينُ أَقَاصِيَ الأَرْضِ، وَيُعْطِي عِزّاً لِمَلِكِهِ، وَيَرْفَعُ قَرْنَ مَسِيحِهِ». (1صم 2: 1- 10)

فتلك التي كانت تكره حياتها  بسبب عقمها، لم تذكر الطفل إطلاقاً في صلاتها… لا من قريب ولا من بعيد!!! كانت كل صلاتها محورها الرب، حتي أنها ذكرت إسمه عشر مرات في عشر جمل، ولم تذكر الطفل، بل والأدهي أنها وهبت الطفل الذي كانت تبكي لأجله للرب!! ولايمكن لأي عاقل أن يعبر علي ذلك الموقف دون أن يسأل… ماذا حدث؟ إن المنطق أن تكون محور صلاتها وفرحها هو الطفل!! لقد كانت مرة النفس بسبب عدم الإنجاب!! ويزيد الأمر أنه كان لها ضرة تعيرها، وفي زمن يعتبر فيه عدم الإنجاب عاراً. لو حكيت القصة لأي عاقل وقلت له: إكمل صلاتها سيقول لك إن التكملة المنطقية لصلاتها هي:

فرحاً افرح بال “طفل” لكنها قالت: فرحاً أفرحت بال “رب” وأكمت نشيد عن الرب لا الطفل

إنها قصتنا كلنا وسط إحتياجاتنا وتحديات الحياة وأزماتها وضيقاتها…أثناء الضيقة أو الإحتياج، يكون كل تركيزنا علي ما نحتاج وما هو مطلوب ونشتهي أن تنفرج الضيقة وتُجاب الطلبة… لكن بمجرد أن يرتب الله حل لما نمر به ينكشف أمر آخر تماماً في أعماقنا… لكنه كان مخبأ بسبب ضباب المشكلة أو الإحتياج.

إن في أعماقنا إحتياج جارف للتلامس مع حب الرب لنا، شوق شديد للتأكد من حبه وإهتمامه بنا، قد لا ندرك عمق ذلك الإحتياج، وقد نتصور وسط الضيقات التي نعبر بها أن كل رغبتنا هي زوال الضيق أو تحقيق الإحتياج… وأن حلمنا هو في الإنفراجة، لكن بمجرد حل المشكلة يكتشف  أمراً عجيباً لنا…

نري في أعماقنا… أن الأهم بما لا يقاس… هو يد الرب التي رأيناها تسندنا بالحب والرعاية، وأن هذا ما تحتاجة نفوسنا أكثر بكثير من حل المشكلة او نوال العطية، حتي أن ذلك يصغًر في أعينا جداً حين نتاكد من وقوف الرب معنا… لذا… في أعماق أولاد الله…وخلال محكات حياة من يطلبون وجهه… خلف طلبة حل الأزمة الظاهري… أعماقنا تبحث عن الله، تفتش عن حبه، في الخارج ننتظر الإنفراجة وحل أزمات حياتنا وتحدياتها، لكن في أعماق النفس يوجد قلب متلهف علي أن يره الله يسنده ويرعاه، يحبه ويدبر حياته، وأعماق نفوسنا تنتظر في الأحداث إعلان ذلك.

نلتمس في الظروف إحتياجاتنا، وحين نجد اليد الحانية تجيب طلبتنا وأمانينا، ونتأكد أنها أتت بمعجزة منه، نجد أنفسنا تترك ما طلبناه، وتسبح وتفرح بذلك الإله الذي يرعي ويهتم… تقف نفوسنا لتهتف له: فرحت بك، لم أكن اعرف أنني محبوب لتلك الدرجة عندك، لم أكن أعلم أن عينك عليَ بهذه القوة، كنت أظن أني أحتاج امور ما، لكني إكتشفت أن أعماقي تلهث خلفك أنت أكثر الف مرة من  أي إحتياج، وتتلمس التأكد من وقوفك جوارنا في حياة تثير شكوكنا في حبك.

مَنْ لِي فِي السَّمَاءِ؟ وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئاً فِي الأَرْضِ. (مز 73: 25)

نعم …في الضيقات والمصاعب التي تحدث لمن يسيرون في طريق الرب يوجد شكوك تلح علينا وسط الألم… هل تركني الله؟ هل أنا أحيا في وهم؟ هل أنا متغرب عنه ولم أعرفه بعد؟ هل حدث أمر ما جعله يحجب وجهه عني؟ هل ضعفي وخطيتي وقفا حاجزًا بيني وبينه؟

لقد كاد أيوب البار أن يُجن، كانت مشكلته ليست فيما أصابه، لكن مشكلته في الشك الذي داهمه نحو الله، هل تركني؟ هل الله تغيير؟ هل أخطات هو والله يؤدبه؟ لذا… فرح أيوب وسبح الرب عندما طمأنه الرب وظهر له، لقد فرح والمشكلة لم تُحل بعد، بل أنه لم يطلب الشفاء ولا التعويضات ولا أي شئ!!! وإكتفي برؤية الرب والتأكد أنه مازال معه وفي صفه وكفي، والله في حنوه باركه وعزي قلبه.

نحن لا ندرك لكن الله يدرك أن وراء إحتياجاتنا الظاهرة، واقع روحي باطني لإشتياق نفوسنا للتلامس مع حبه ورعايته، لأن احداث الحياة وشكاية إبليس تشهد بالعكس، وهكذا، تصبح تحديات الحياة وإحتياجاتها مكان ومحك لإختبار الرب وحبه.

أذكر أنني حين رتب الله لي فرصة عمل فوق ما أحلم أو أفتكر، كنت مذهولاً من قدرته وإهتمامه وترتيبة العجيب، كنت أعرف قدرته علي فعل أي شئ بالطبع، لكن لم أكن أتوقع أن تتوجه كل تلك القدرة والرعايته نحوي بتلك القوة، كان فرحي برؤيته يعمل في حياتي ويرتب ويدبر يفوق فرحي بعطية العمل المناسب لي بما لا يقاس ولا يذكر.

كنت أظن أن احتياجي قاصر علي عمل مستقر في مجال احبه يوفر لي دخل مستقر، لكني إكتشفت أني كنت في إحتياج شديد أن أراه يهتم بي ويرعاني رغم ضعفي وخطيتي وتقصيري…لكني لم أكن مستوعبا لأعماقي. كان بداخلي شكوك في وقوفه معي، فكثيراً ما نؤمن أن الله قادر وموجود للكل… إلا أنا، وهذا إفتقار للإيمان الشخصي، لكن شكرا للرب الذي يعلن لنا عن محبته بصورة شخصية لا ينطق بها، لكني لا أستوعب عمق شكوكي وأنيني الداخلي… كان كل تركيزي مثل حنة…حل المشكلة… لكن حين تحل المشكلة… وتهدأ أعماقنا المتوترة… نجد أن أغلب الفرح ليس بالعطية….لكن بمن يرعي ويدبر ويحب…

جرب أن تحضر هدية لشخص لا يتوقع منك هدية…هدية يحتاجها….ستجده نسيها بسرعة وفرح جدًا انك تذكرته وتحبه.

بالطبع….يثتسني من كل ما سبق من يتوهمون أن العطايا وحل الضيقات ناتج من مهارتهم وبراعتهم وإستحقاقاتهم حتي لو ألسنتهم تقول العكس!!

Romany Joseph
19th May 2012

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in تميز الأمور المتخالفة and tagged . Bookmark the permalink.

10 Responses to بين ظاهر طلباتنا… وعُمق إحتياجنا

  1. Ramy.. says:

    أَمسكوا سمكًا كثيرًا جدًا.. فلما رأى سمعان بطرس ذلك خرَّ عند ركبتي يسوع قائلاً: اخرج من سفينتي يا رب، لأني رجل خاطئ

  2. Marina Francis says:

    .لاَ تُكَثِّرُوا الْكَلاَمَ الْعَالِيَ الْمُسْتَعْلِيَ، وَلْتَبْرَحْ وَقَاحَةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ. لأَنَّ الرَّبَّ إِلَهٌ عَلِيمٌ، وَبِهِ تُوزَنُ الأَعْمَالُ
    لأَنَّ الرَّبَّ إِلَهٌ عَلِيمٌ
    لأَنَّ الرَّبَّ إِلَهٌ عَلِيمٌ
    لأَنَّ الرَّبَّ إِلَهٌ عَلِيمٌ
    نلتمس في الظروف إحتياجاتنا، وحين نجد اليد الحانية تجيب طلبتنا وأمانينا، ونتأكد أنها أتت بمعجزة منه، نجد أنفسنا تترك ما طلبناه، وتسبح وتفرح بذلك الإله الذي يرعي ويهتم… تقف نفوسنا لتهتف له: فرحت بك، لم أكن اعرف أنني محبوب لتلك الدرجة عندك، لم أكن أعلم أن عينك عليَ بهذه القوة، كنت أظن أني أحتاج امور ما، لكني إكتشفت أن أعماقي تلهث خلفك أنت أكثر الف مرة من أي إحتياج، وتتلمس التأكد من وقوفك جوارنا في حياة تثير شكوكنا في حبك.

    true
    نعم …في الضيقات والمصاعب التي تحدث لمن يسيرون في طريق الرب يوجد شكوك تلح علينا وسط الألم… هل تركني الله؟ هل أنا أحيا في وهم؟ هل أنا متغرب عنه ولم أعرفه بعد؟ هل حدث أمر ما جعله يحجب وجهه عني؟ هل ضعفي وخطيتي وقفا حاجزًا بيني وبينه؟

    الله قادر وموجود للكل… إلا أنا،
    بالطبع….يثتسني من كل ما سبق من يتوهمون أن العطايا وحل الضيقات ناتج من مهارتهم وبراعتهم وإستحقاقاتهم حتي لو ألسنتهم تقول العكس!!
    (

  3. “اذكر أنني حين رتب الله لي فرصة عمل فوق ما أحلم أو أفتكر، كنت مذهولاً من قدرته وإهتمامه وترتيبة العجيب، كنت أعرف قدرته علي فعل أي شئ بالطبع، لكن لم أكن أتوقع أن تتوجه كل تلك القدرة والرعايته نحوي بتلك القوة، كان فرحي برؤيته يعمل في حياتي ويرتب ويدبر يفوق فرحي بعطية العمل المناسب لي بما لا يقاس ولا يذكر.”

    لقد حدث معي نفس الشئ تقريبا
    و بالرغم من اقتراب زفافي و بالرغم كل التهديدات بفقدان لعملي الا اني لا اخاف (اخاف فقط ان يكون هذا لاميالاه) !1

    و اخاف ان اكون ممن ذكروا في اخر المقال
    “بالطبع….يثتسني من كل ما سبق من يتوهمون أن العطايا وحل الضيقات ناتج من مهارتهم وبراعتهم وإستحقاقاتهم حتي لو ألسنتهم تقول العكس!!”

  4. josphine said says:

    إن في أعماقنا إحتياج جارف للتلامس مع حب الرب لنا، شوق شديد للتأكد من حبه وإهتمامه بنا، قد لا ندرك عمق ذلك الإحتياج، وقد نتصور وسط الضيقات التي نعبر بها أن كل رغبتنا هي زوال الضيق أو تحقيق الإحتياج… وأن حلمنا هو في الإنفراجة، لكن بمجرد حل المشكلة يكتشف أمراً عجيباً لنا…

    so right .. thanks for your article

  5. Pingback: أمور تلخبط | 7 | الصلاة المثالية | Romanyjoseph's Blog

  6. KIRO says:

    رااااااااااااااائعة جداً و لمستني قوي ..شكرا كتير

  7. Pingback: الطريق للفوز بكأس العالم 2014 | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s