بين الإتجاة والموقف

من أكبر الأمور التي أحدثت إنحداراً في حال المسيحية، هو ذلك الخلط المؤلم، بين الإتجاة وبين الموقف، فبسبب ذلك الخلط أصبحت الناس تراجع المواقف ولا تراجع الإتجاهات, فتتكرر المواقف بسبب ثبات الإتجاهات، ولعل لأجل هذا تتكرر خطايانا، لأننا أحيانا نعترف بالموقف ولا نعترف بالإتجاة.

لا أظن أني احتاج أن اشرح الفارق، فاعتقد أنه واضح، فدوماً يوجد إتجاه قلب عميق داخل كل شخص، ينتج عنه مواقف وثمار، يوجد إتجاه قلب يريد أن يحيا للرب…مشغول دوماً بكيفية الإقتراب والإلتصاق به، يسعي ويريد ويشتهي أن يجعل الرب الأول في حياته حتي لو كان وسط كل هذا التوجهه يفشل أحيانا أو يسقط، او يتحرك ببطئ، وأيضاً يوجد إتجاه قلب لا يريد الله بل يريد نفسه، أو يسعي ويهتم بشكل معيب لحياته في العالم، يكون هذا هو كل مشتهاه ومتكله، والله في حياته لو كان موجود يكون جملة إعتراضية، وقت قصير به صلاة، خدمة روتينية يفعلها وهو شارد يفكر في حياته، أو أي واجابات وطقوس من هذا القبيل.

بينما توجد دائماً مواقف متنوعة عند الكل، أشر الأشرار لهم مواقف صالحة، وأبر الأبرار لهم مواقف سيئة …. لكن الفارق دوماً هو أن إتجاه القلب ينتج ثمراً أغلبه في إتجاه معين ويخدم هدف إتجاه القلب وينمو فيه، لكن هذا لن يمنع أبدا من حدوث بعض المواقف التي لا تدل علي إتجاه القلب….لذلك قال الكتاب عن من إتجاه قلبه صديق، مع أنه يسقط سبع مرات ويقوم، ورفض الرب الإتجاه الغير تائب مهما قام من أفعال إجابية.

لأَنَّ الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ(لأن إتجاه قلبه واضح ونقي). أَمَّا الأَشْرَارُ فَيَعْثُرُونَ بِالشَّرِّ(السقط عند الأشرار هو التوجه). (ام: 24: 16)

لذلك شهد الرب لداود أن له قلب حسب قلب الرب، علي الرغم من أن له أخطاء أشهرها الزني والقتل المتعمد، بينما رُفض شاول الذي لم يقتل ولم يزن، لكن مشكلته دوماً كانت في إتجاه قلب فاسد لا يخضع لله علي الدوام ولا يتوب.

لذا…ما يحتاج أن يتغير دوما هو “الإتجاه” لا “المواقف”، الموضوع غاية في البساطة…..وغاية الصعوبة… فالنفس تهرب من الإقرار بالإتجاه في الحياة أكثر ألف مرة من الإقرار بالموقف ، وتخدر نفسها بالإعتراف الجزئي الذي لا ينشئ توبة، ولا يغير
فما أسهل أن اقول أني كذبت في الموقف الفلاني، لكن ما اصعب أن اقول أني كاذب وهذا دوماً توجهي…
أحب أن اقول أني وقعت في تلك الخطية، لكن صعب علي ان أقول ان لي قلب دوما يشتهي تلك الخطية…
أحب ان اقول اني لم اصلي امس، لكني لا احب ان اقول ان إتجاة قلبي يستثقل الصلاة ولا يطيقها…

فَرق الكتاب بين خطيتين…. خطية للموت وخطية ليست للموت

إِنْ رَأَى أَحَدٌ أَخَاهُ يُخْطِئُ خَطِيَّةً لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ، يَطْلُبُ، فَيُعْطِيهِ حَيَاةً لِلَّذِينَ يُخْطِئُونَ لَيْسَ لِلْمَوْتِ. تُوجَدُ خَطِيَّةٌ لِلْمَوْتِ. لَيْسَ لأَجْلِ هَذِهِ أَقُولُ أَنْ يُطْلَبَ.كُلُّ إِثْمٍ هُوَ خَطِيَّةٌ، وَتُوجَدُ خَطِيَّةٌ لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ (1 يو 5: 15 – 16)

وكانت الخطية للموت بوضوح هي الإتجاة العام الخاطئ الذي يحيا لذاتة ويرفض الرب…. وأما الخطية التي ليست للموت هي الخطايا التي تقلقنا في إتجاة الحياة الجديد المنطلق نحو الله…

لذلك جلسات إعتراف الكثيرين هي غاية في الضحالة والتكرار المميت، يدخلون للأب الكاهن يسردون قائمة من المواقف، ويسمعون الحل أنها مغفورة بينما هم لم يتوبوا علي توجهاتهم التي سببت تلك الأثام، ويتكرر نفس الكلام لسنوات وسنوات حتي يشعر المًعترف أنه في تمثيلية هزلية هو بطلها، ويفقد الشعور بالغفران، وللأسف ذلك حقيقي في تلك الحالة، فلا مغفرة بدون توبة عن اللإتجاه.

إن الإتجاة هو أحد المعالم الروحية للتقيم، بينما من يقيم الموقف ويكتفي يكون كمن يسلك بالجسد، يكتفي بالظاهر، فالوضع الصحيح لتقييم الموقف هو أن يقودنا لفحص توجهات قلوبنا واعمقنا، وعلي الرغم من بساطة الفكرة، نكرر التأكيد علي صعوبتها….لا اعتقد أنه كان من السهل أن يقر الإبن الضال ان يقيم توجهه وفساده ليصل لنتيجة أنه لا يستحق أن يكون إبن لأبيه، وكان من السهل جدا أن يقول انه اخطأ حين اخذ الميراث ويكتفي بذلك، ووقها، كانت عودته ستكون بلا قيمة، ولم يكن أبوه ليقول عليه أنه كان مائتاً فعاش، فمشكلته الحقيقية ليست في موقف ترك الأب وتبعيات ذلك الموقف، لكن مشكلته أن توجهه خاطي وحياته كلها لم تكن سليمة.

ليس فقط علي المستوي الشخص يحدث ذلك الخلط المميت، بل علي مستوي تقييم ما حولنا، فنقول علي الصالح في توجهاته فاسد لأجل أخطاء يفعلها، ونقول علي الفاسد في توجهاته صالح، لأجل بعض الأمور والكلمات الصالحة التي تخرج منه. لقد حاول الله ان يسمع ما يقوله الناس عن خطاياهم، ورفض أي توبة عن مواقف ودعاها (كلام غير مستقيم)، لانهم بعدها يعودون لنفس مسار حياتهم كالفرس الجامح في سباق.

صَغَيْتُ وَسَمِعْتُ. بِغَيْرِ الْمُسْتَقِيمِ يَتَكَلَّمُونَ. لَيْسَ أَحَدٌ يَتُوبُ عَنْ شَرِّهِ قَائِلاً: مَاذَا عَمِلْتُ؟ كُلُّ وَاحِدٍ رَجَعَ إِلَى مَسْرَاهُ كَفَرَسٍ ثَائِرٍ فِي الْحَرْبِ (ار 8 : 6)

اختم بأشهر مثال علي غياب حقيقة الفارق البشع بين الإتجاه والموقف… وهو مفهوم الزنا….فكل مفاهيمنا في الزنا هي في كلمة واحدة “سقطة جنسية”… فمن يقع في سقطة جنسية…فهو زانٍ… ويجب الطلاق منه طلقة لا رجعة فيها للأبد… بينما لو طبقنا تلك الكلمات علي اي رجل ينظر لإمرأة يشتهيها كما قال المسيح… فيُحسب زانياً(مت  5 :  28)… فسيكون من حق كل إمرأة الطلاق لأنه ما من رجلِ لا يسقط في شهوة النظر.

لكن لو رجعنا لكلمة الله…سنجد أن الزنا في فكر الله هو إتجاه لا موقف…إتجاه قرر فيه احد طرفي العلاقة خيانه العهد (وليس المفهوم القاصر الهزيل المحصور في الجنس)… قرر خيانه الآخر…حيانه إلتزامة في العلاقة …قرار إرادي حر وواعي وليس سقطة في لحظة ضعف… هذا هو الزني الذي تكلم عنه الله حين وصف علاقته بشعبه إسرائيل عروسته… فهو لم يقل عليهم زناه في كل اخطائهم أيام موسي…لكن قالها حينما تركوه وعبدوا اوثان في أيام أرمياء النبي …ليس كسقطة ولكن كإتجاه…لا يفهم هذا ولا يمكن ان يحياه…إلا من إختبروا عهد الزيجة مع الرب يسوع…فهو لا يترك عروسته لأجل سقطة… وهكذا بين الإتجاه والموقف تنقلب أمور كثيرة لتصبح عكس ما نتوقع.

فيا ليتنا في حياتنا، نتحلي بالجرأئه, ونراجع توجهاتنا، ونرشد غيرنا لكي لا يكون نهاية تقيمناً يقف عند الموقف ولا يقودنا للتوجه الكائن خلفه، وساعتها سيحدث فارقاً لا يُقاس في حياتنا.

Romany Joseph
26th May 2012

 

 

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in تميز الأمور المتخالفة and tagged . Bookmark the permalink.

20 Responses to بين الإتجاة والموقف

  1. Marina Ramzy says:

    لذا…ما يحتاج أن يتغير دوما هو “الإتجاه” لا “المواقف”، الموضوع غاية في البساطة…..وغاية الصعوبة… فالنفس تهرب من الإقرار بالموقف أكثر الف مرة من الإقرار بالإتجاة كله في الحياة، وتخدر نفسها بالإعتراف الجزئي الذي لا ينشئ توبة، ولا يغير.

    طيب أذ كان دا الحال في الأقرار بالموقف فكم يكون في أقرار الأتجاه. طيب خليني أسأل أيه اللي يصحي الواحد من الغيبوبه و بخليه يعترف بأتجاه قلبه, و أتجاه القلب دا أيه مصدره أو ايه منشأه؟ بمعني لو أنا أتجاه قلبي بعيد عن الله أيه السبب في ده؟ و ايه كمان أمكانيه تغييره, من مثل الأبن الضال ظهر أن الأتجاه من الممكن ان يتغير و لكن هل الموضوع بالسهوله التي يبدو عليها في المثل من أقرار بالموقف ثم الذهاب للأب فقبول الأب له و تنتهي المشكله عند هذه النقطه؟

    • RomanyJoseph says:

      الموضوع مش سهل يا مارينا اكيد
      والإبن الضال ما اعترفش غير بعد تضييق شديد
      إتجاه القلب اكتر حاجة محيرة…
      واعتقد إنها دور الإنسان الوحيد
      لان الإيمان والتوبة والحياة عطايا الله بيديها بناء علي الإتجاه

  2. Marina Francis says:

    فالنفس تهرب من الإقرار بالموقف أكثر الف مرة من الإقرار بالإتجاة كله في الحياة، وتخدر نفسها بالإعتراف الجزئي الذي لا ينشئ توبة، ولا يغير
    فما أسهل أن اقول اني كذبت في الموقف الفلاني، لكن ما اصعب أن اقول أني كاذب وهذا دوما توجهي…

    i think u need to edit this sentence
    فالنفس تهرب من الإقرار بالموقف أكثر الف مرة من الإقرار بالإتجاة كله في الحياة،

    فالنفس تهرب من الاقرار بالاتجاه كله في الحياة اكثر الف مرة من الاقرار بالموقف

    am i right wala ana mesh fahma

  3. لذنك جلسات اعتراف الكثيرين هى غايه فى الضحاله والتكرا ر المميت ……. حتى يشعر المعترف انهه فى تمثيليه هزليه هو بطلها ويفقد الشعور بالغفران ( واقع حقيقى للكثيرين) ن

  4. michael adel says:

    ريحتنى ونورتنى وفهمتنى وارشدتنى ، ربنا يريح قلبك يا شيخ :)) حكمة نازلة من فوق ليست ارضية .. حكمة الهية كتابية.. نصلى ان الله ينورلنا يعطينا حكمة وفهم وروح وادراك ..

  5. Pingback: أهمية بطئ النمو وبطئ طرد الخطية في حياة أولاد الله | Romanyjoseph's Blog

  6. Pingback: بين سدوم وعمورة… وشعب الله | Romanyjoseph's Blog

  7. Pingback: بين قانون الزرع والحصاد… والصليب | Romanyjoseph's Blog

  8. Pingback: تعليق علي حوار الأنبا تواضروس مع الإعلامي عمرو أديب | Romanyjoseph's Blog

  9. اخي الحبيب في الرب روماني
    مقال رائع ممسوح بالروح القدس كعادتك, يكشف اعماق النفس في ضوء المكتوب , الرب يباركك ويستخدمك
    اكثر واكثر امين

  10. Pingback: الإيمان والميلاد الثاني | الجزء الأول| كيف يحدث الميلاد الثاني | Romanyjoseph's Blog

  11. Pingback: رسالة من ابن إلي أبيه المحبوب.. إبليس | Romanyjoseph's Blog

  12. Ashraf says:

    لذلك جلسات إعتراف الكثيرين هي غاية في الضحالة والتكرار المميت، يدخلون للأب الكاهن يسردون قائمة من المواقف، ويسمعون الحل أنها مغفورة بينما هم لم يتوبوا علي توجهاتهم التي سببت تلك الأثام، ويتكرر .
    حقيقي يا أستاذ روماني .. و انا مختبر لهذا الامر ا الامر.
    لدرجه انني توقفت عن الاعتراف و حاليا انا متشكك في كتابيه هذا السر ( مع احترامي لتفاسير خيانه عخان و طقس يبيحه الخطيه ) فمازال السر غير واضح كأمر كتابي خاصه كما تعلم انه توقف عمله لفتره في تاريخ الكنيسه

  13. Ashraf says:

    شكرًا مره اخري

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s