بين الإستماع والذبيحة

فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا الاِسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ وَالْإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ. (1 صم 15: 22)

هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ: [ضُمُّوا مُحْرَقَاتِكُمْ إِلَى ذَبَائِحِكُمْ وَكُلُوا لَحْماً. لأَنِّي لَمْ أُكَلِّمْ آبَاءَكُمْ وَلاَ أَوْصَيْتُهُمْ يَوْمَ أَخْرَجْتُهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ جِهَةِ مُحْرَقَةٍ وَذَبِيحَةٍ. بَلْ إِنَّمَا أَوْصَيْتُهُمْ بِهَذَا الأَمْرِ: اسْمَعُوا صَوْتِي فَأَكُونَ لَكُمْ إِلَهاً وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي شَعْباً وَسِيرُوا فِي كُلِّ الطَّرِيقِ الَّذِي أُوصِيكُمْ بِهِ لِيُحْسَنَ إِلَيْكُمْ. (ار 7: 21 – 23)

لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ. (عب 4: 12) 

معروف عن الإنسان أنه متسرع في الفعل… ومبطئ في الإستماع…
وتزداد المشكلة حين يتعلق الأمر بالإستماع لله…
ففي أعماقنا إتجاه قوي للعمل والحركة وتقديم ما لدينا لله (الذبيحة) … وتجنب الإستماع الحقيقي الحي لصوت الله الذي يفتح القبور ويقيم الموتي… تجنب للدخول في علاقة وحياة.

نحن نريد أن نخدم… أن نعطي عشور أموالنا… أن نحضر القداسات… أن نقيم الصلوات…أن نبذل الوقت والجهد… أن نتوقف عن بعض الآثام والخطايا…أن نقرأ ونكتب…
قد يكون ذلك بمنتهي الأمانة والحب… وقد يكون ذلك كنوع من أنواع الترضية أو دفع الثمن…
لكن في كل الأحوال…كثيراً ما يكون ذلك حادث بدون إستماع عميق… وعلاقة حية…
وكثيرا…تكون ذبيحتنا هي هروب من الإستماع الحي لكلمة الرب… بينما الذبيحة الحقيقية هي إستماع للرب كما قلت الأيات..
بل أحيانا يكون قرأة الكتاب المقدس نفسها نوع من الهروب من الإستماع…وهروب من العلاقة!
وما أقصده بالإستماع هنا… هو أخذ رسالة شخصية حية من الله…شخصية جداً لدرجة أنها تصنع تغيير… وحية جداً لدرجة أنها بها قوة التغيير بقلب امين يريد تبعية ما سيسمعه.

 فما السبب؟
إن كلمة الله الحية الحقيقية.. التي تحمل رسالة شخصية لنا…هي بالحقيقية كثيراُ ما تكون مرعبة قبل أن تكون محيية… هي خارقة لمفرق النفس… وذلك مؤلم غالباً….إنها تريد أن تنزعنا من رقادنا ونومنا… تريد أن تقلب حياتنا رأسا علي عقب…تحمل لنا في أغلب الأحيان ما هو عكس مخططاتنا وأحلامنا… وحتي إن كانت تحمل الأفضل لنا…فنحن نرتعب من مجرد فكرة التخلي عما في أعماقنا، وتبديله بأمر أخر.

اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ حِينَ يَسْمَعُ الأَمْوَاتُ صَوْتَ ابْنِ اللَّهِ وَالسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ. (يو 5: 25)

ما نعرفه عن بداية علاقة الرب لإبراهيم، هو أن يخرج من مكانته العظيمة في أور الكلدانيين ليتبعه دون تفاصيل، فخرج وهو لا يعلم لأين يذهب، من المؤكد ان الرب كلمه قبل ذلك، فصعب أن يترك شخص حياته وأهله فجأة ليتبع إله ليس معه علاقة، لكن الكتاب لا يذكر ما قيل لنا قبل دعوة الخروج، لأنها كانت بداية الحياة، وما كان قبلها هو مجرد تمهيد.

ما سمعه من طلب هو بالحقيقة مخيف ومملؤ بالمخاطر بل وقد يصفه البعض بالجنون…خروج بدون خريطة من منطقة دافئة وآمنة إلي المجهول.

فلنتخيل إبراهيم يتهرب من سماع ذلك الطلب الذي يجب أن نعترف أنه مرعب، تري هل كانت تلك توقعاته؟ هل كان ذلك فعلاً ما يريد؟ لعل كان عنده أفضل ألف مرة أن يبقي كما هو ويزيد ما يفعله نحو الرب أضعافاً من ذبائح (تقدمات – صلوات – خدمات) علي أن يتحرك من مكانه، لكن الإستماع كان هو الذبيحة الحقيقية، وأي شئ بديل كان سيعتبر إلتفات وتضيع وقت وجهد .

يظن البعض أن ذبيحة بولس كانت في الخدمة والأتعاب والأسهار….لكن الذبيحة الحقيقية التي صنعت تلك الحياة… أنه سمع صوت المسيح ورفض كل ما تعلمه أن الناموس مصدر الخلاص… وقبل رسالة الإنجيل…الغير مكتوبة…التي عي عكس كل ما تعلمه…. وفوق كل فكرة… وكانت تلك هي ذبيحته…سماع المسيح وقبول الرسالة.

الإسمتاع الغير حقيقي غالباً ما يكون عام… وسطحي… وغير شخصي…
هو إستماع لا يحدث تغيراُ في العمق بقدر ما يحدث حركة في السطح…
هو إستماع سريع…لأمور عميقة يري الله وقتاً لكي يتكلم فيها معنا…
فتكون النتيجة حركات وقرارات وخدمات وتغيير…
وبعد مرور قليل من الوقت يكون الحصاد حيرة وفشل وإحساس بالتيهان …

كثيرا ما كان يسأل الجموع السيد المسيح قائلين : ماذا نفعل، وكانت إجابته غريبة… إنه كان يظهر كثيرا عجز اعمالنا ونقصنها وإفتقارها العمق الحقيقي.

الشاب الغني الذي جاء ليسأل ماذا يفعل… مع انه كان يفعل الوصايا كلها..لكنه مازال يشعر ان هناك امراُ ما مفقودا
الإستماع الحقيقي تدخل فيه كلمة الله لتتلامس مباشرة مع الروح…
ثم تدخل لأعماق النفس وتمتلك الفكر وتنيره، وتنقي المشاعر وتوحد الإرادة…
الإستماع الحقيقي قد يحدث صراعاُ لانه كثيراً ما يكون في نفوسنا ما هو في عكس فكر الله…
الإستماع الحقيقي يحدث فرح وهدؤ حتي لوكانت كلماته مؤلمة… لكن كونها الحق المحرر يجعل من يقبلها يعي أنه قبل الحياة…
وساعتها….يبدأ الإنسان تدريجياً في إدراك أن الذبيحة الحقيقية ليست العشور أو أكثر قليلا…
ولا الوقت والجهد…ولا التوقف عن بعض الأمور وعمل الأخري…. ولا الخدمة
بل هي النفس كلها…كل الحياة…
ولا يمكن أن يعطي هذه الذبيحة…إلا من يحسن الإستماع…

فيا أخوتي الأحباء
إن كنا نشكو من ضعف ذبائحنا وقله ثمارها…
إن كنا نستشعر بنقصان اعمالنا وتشوه حركاتنا…
فلنقف ونستمع فسماع كلمات فم الرب المحيية هي خير من الف ذبيحة معيوبة حسب إستحساننا…
وفي كلماته وسماعها حياة… وفتح لقبورنا وفك لقيودنا…
وفي الحياة معرفة حقيقية للذبيحة المرضية لله…

اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ حِينَ يَسْمَعُ الأَمْوَاتُ صَوْتَ ابْنِ اللَّهِ وَالسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ. (يو 5: 25)

فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ. (رو 12: 1) 

إليك مفاجأة…كتبت تلك المقالة كنوع من أنواع الهروب من الإستماع… فقد كنت أقرا كلمة الله وهرباً من أن اخذها بطريقة شخصية… وجدت نفسي أهرب للكتابة ومشاركة إخوتي بذبيحة معيوبة….فما كان مني إلا أنني إنزويت خجلاً…ورجعت لمكان تقديم ذبيحة الإستماع… وتلامست مع رغبة الإنسان الجامحة في العمل والذبيحة… وهروبه من الإستماع!!
وأطلب أن يُكمل ذبيحتي المعيوبة بمحبته…ويغيرني بقوتة!

 

Romany Joseph
17th July 2012

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in تميز الأمور المتخالفة and tagged . Bookmark the permalink.

2 Responses to بين الإستماع والذبيحة

  1. Michael says:

    عجز اي عمل هو نتيجة ضعف المحبة او عدم وجودها في الاصل
    عندي عليك انك تركت محبتك الاولي
    و الرجوع الي الله هو في الاصل هو رجوع الانسان الي حبه لله و هذا يتطلب الالتصاق به دائما .

  2. Marina Francis says:

    ِAmazing article specially :
    الإستماع الحقيقي قد يحدث صراعاُ لانه كثيراً ما يكون في نفوسنا ما هو في عكس فكر الله…الإستماع الحقيقي يحدث فرح وهدؤ حتي لوكانت كلماته مؤلمة… لكن كونها الحق المحرر يجعل من يقبلها يعي أنه قبل الحياة…

    and the last part will have its positive effect on some people 🙂

    stay blessed +++

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s