بين الروحنة والروحانية | 1 | مقارنة

هذا الموضوع من أكثر المواضيع المؤلمة، والمنتشرة كالنار في الهشيم وسط المؤمنين، ومن واقع ما فعلته أنا واختبرته وربما ما أفعله وحاول النجاة منه بنعمة المسيح، ساسرد بعض الفروق بين الروحانية الحقيقية، والروحنة المفتعله، مع ذكر بعض الأمثلة العملية للتوضيح في مقالة منفصلة، لكن وجب علينا في البداية تعريف الفروق بين الروحانية والروحنة وكيف أنهم في ظاهرهما قد يبديان متشابهين، لكن في أعماقهم هما أمرين عكس بعض تماماً، حتي إذا أتينا لواقع التصرفات، نستطيع أن نميز بينهما.

قبل الخوض في الموضوع أحب أن انبه ان الكلام المكتوب هنا لا يستثني منه أحد علي الإطلاق وأولهم أنا، إنه موجود بداخلنا كلنا ولكن بدرجات مختلفه، فالروحانية هي قلب الإنسان الجديد الحقيقي، وحسه الروحي السماوي السليم، وهي (الروحانية) في نقائها موجودة وعاملة فينا، أما الروحنة هي إنساننا العتيق حين يتظاهر بالتقوي ويحاول التظاهر بتبعيه الله، فيخرج منه كل زيف ورياء، وهي في زيفها وخداعها عاملة فينا أيضاً.

الروحانية ليست كمال خالٍ من الضعفات، لكنها قلب نقي يعرف أين هو من الله الأن، ويعرف قامته ومقدار إيمانه ولا يرتئئ فوق ما ينبغي (رو  12 :  3)، وهو بذلك الوعي لمكانته وحالته يسلك بخطوات قوية وثابته في طريق النمو نحو الكمال أي شخص المسيح.

وعلي العكس، نجد أن الروحنة هي أن يتوهم الشخص أنه في مستوي أعلي من مستواه، ويبدأ في السلوك والخدمة والكلام بدرجة أعلي من قامته وحقيقة حالته الروحية، وبهذا الوهم نجده يسير بخطوات ثابته نحو الطريق ليكون شخص مزيف وغير حقيقي.

يحصد الروحاني النمو والإثمار الهادي بالصبر والنعمة، ويكون ذلك شهادة لعمل الرب في حياته لكي يثبته، بينما من يقوم ب”الروحنة” يحصد الفشل وخيبة الأمل والتعب لنفسه وللأخرين ممن يخدمهم أو يخدم معهم، ويكون ذلك من قراعات الله له ليفيق.

الشخص الروحي حقيقي، لا فجوة بين أعماقة ومظهره، وإن وجدها يرفض نفسه ويقاوم ذلك ويحاربه، بينما من يقوم بالروحنة ستجد فجوة بين واقعه الروحي وما يتوهمة…. والكارثة أنه متصالح معها، ودون أن يدري، يضطر أن يملأ تلك الفجوة بالسلوك المزيف بالجسد.

الشخص الروحاني دوماً ينمو في تمييز الأمور المتخالفة ويسعي نحوها بقلب أمين يعرف أن في التمييز إنكشاف لموت داخله، وحياة يسوع التي تطرد ذلك الموت، أما الشخص الذي يقوم بالروحنة، الأمور عنده متداخلة، والتمييز ضعيف وهش، والكارثة ليست في هذا، لكن في دفاعه المستميت عن نفسه وتوهمه أنه ذو نظرة ورؤية وتمييز عالٍ.

وأيضا….الروحاني الحقيقي ينمو في المحبة…. ويتدرج فيها بقوة… من محبة الإخوة… إلي الأعداء… من المحبة العاطفية المنفعلة والطفولية…إلي المحبة الباذلة الناضجة… من قبول الآخر بتحفظ… إلي قبوله كما هو….وفي تدرجه هذا…ذاته تموت وتنهار حواجزها… بل ويصبح مع الوقت متقبل للإهانة واللطم والظلم….فقد ماتت ذاته اكثر واكثر… 

أما المروحن…فتجده ينادي بمحبة الأعداء وهو لا يحب أخوته بحجة الإختلاف في الإيمان مثلاً… تجد المحبة عنده لا تتعدي الإبتسامات والشعارات والكلمات… تجد ذاته التي هي العدو الأول للمحبة نشطة ومتسلطة… ولها مكانة كبيرة والمساس بها وبأسوارها جريمة لا يسلم من يقترب منها.

الشخص الروحاني دوماً متجدادً ونامياً، يخرج من كنز المسيح الذي فيه جدداً وعتقاً (مت 13 : 52)، مرناً مرونة حقيقية مصدرها روح الله، روح التجديد، أما من يقوم بالروحنة تتركة سنوات وتأتي فتجده كما هو، إيمانه غير نامي، واقفاً في محلة متصلب وغير متجاوب مع عمل الله الذي ينمي، وكلما صمم علي ما هو فيه تسرب إيمانه تدريجياً.

الروحي كلامه واقعي متلامس مع الأخرين ومع الواقع، بينما الروحنة هي كلام مملؤ شعارات روحية ضخمة والفاظ رنانة مهيبة لا تمت بصلة للواقع، كلام خالٍ من الحياة حتي لو من قلب الإنجيل، شعارات جوفاء لم يختبرها قائليها وتتخبط علي واقع تعاملات الحياة.

الشخص الروحاني يخرج من تحت يديه أشخاص حقيقين، فكما كان هو حقيقي وغير مفتعل، هكذا يكون من تتلمذ علي يديه، بينما من يقوم بالروحنة يخرج من تحت يديه أشخاص جانب التظاهر بالروحانية فيهم أكثر من الروحانية الحقيقية كما كان معلمهم.

الروحنة هي أخطر أنواع الموت فتكاً، لأنها تختفي خلف أقنعة تبدوا سماوية، لكنها سم قاتل، كلام عالي منتفخ يعثر الكثيرين في الله لأنه لا يتلامس مع أعماقهم أو واقعهم أو إحتياجهم، كلام يطلب منهم أن يؤمنوا إيمانا نظريا لا يغير،.

إليك المفاجأة… الروحنة كثيراً لا تنفضح في الصلاة، فالكل يجيد الصلاة بعيون مغلقة وركب ساجدة بينما القلب متصلب يرفض كل محاولة اختراق، والرأس مرتفعة عالية تأبي أن تعترف بحالها، يا ليتنا نتوقف عن تلك الصلاة المزيفة ونجلس في سكون قليلاً نفحص خبايا القلب وتشامخ أسوارنا ودفاعتنا، ونحني الرأس وكبريئها وأقنعتها الخبيثة، حينها ستكون تلك هي الصلاة…التي نبعت من التوقف عن الصلاة!!

ولو عجزت عن فعل هذا ومراجعة نفسك في جو صلاة وحضور لله… إليك مقياسا بسيطاً قالة المسيح لكي لا يكون لنا عذر…إنه الثمر، فلو كنت عاجز عن معرفة نوع الشجرة التي فيك أو في مكان خدمتك لضعف خبرتك وقدراتك، فأي طفل أمين يستطيع أن يميز طعم الثمرة الحلو من الثمرة العفنة الفاسدة.

فمن يقوم بالروحنة تجده فاسد أو تجده مؤمن حقيقي لكن يتسرب منه الإيمان وينمو في الفساد، خدمتة منهار، سلوك ضعيف يظهر في الضيقات، عبودية شديدة للعمل أو محبة للمال او العالم والحياة الطبيعية بطريقة قوية، عشق للسلطة، دكتاتورية، تجريح كثير لأغلب من يعامله معه، دفاع مستميت عن حالة وعن خدمته، وأخيراً وللأسف … حالة إنكار لكل ما سبق…أي حالة إنكار لفساد الثمر.

أما لو كنا نتكلم عن كنيسة، فستجد خدمتها مائتة، إجتماعاتها فاترة، الأغلبية تقوم بتمثيل المحبة وإصطناعها… جو من التزييف وإداعاء الحب يسود علي الأغلبية… علاقات مكسورة… تحزبات وإنشقاقات كبيرة… جراح كثيرة… وأيضا…حالة إنكار لكل ما سبق.

الروحانية الحقيقية ناتجة من إعلان الله لتجسده، بينما الروحنة المزيفة ناتجة من غياب ذلك الإعلان، فالشخص الروحي يعي أن في تجسد المسيح حلول لله في طبيعته الفاسدة، ونمو لذلك الحلول الفائق وموت لطبيعتنا الفاسدة، ولهذا، تجده مدرك لضعفه، وفي نفس الوقت مدرك ان الله يكسوه ويٌكمله، إنه يحيا أية أنا سوداء (طبيعتي القديمة) وجميلة (بسبب طبيعة المسيح التي أخذتها)، تجده مستعد لقبول اللإماتة لذاته لأنه يعلم أن الله يقيمه من الأموات، بإستعلان التجسد يتحرك وينمو من طفل لشخص ناضج أمامه طريق طويل، نهر سباحة، فيسلك دوماُ بهدؤ وثبات وتجدد، ويعطي إختباره لمن حوله.

الروحاني هو حامل لروح التجسد، إتحاد الله بالإنسان، إتحاد يشوع وموسي في المعركة، يصلي ويحارب معاه بتوازن، هو ليس تطرف نحو أحداهما، إستنارة جامعة للإثنين في نفسه…. في التجسد الله إلتصق بنا وضمنا إليه، وينقينا يوما فيوم من حياتنا القديمة، ونحن نسير في طريق نتجدد خلاله لنصير علي صورته ونخلع القديم.

بينما المروحن تجده متغرب عن مفهوم التجسد مهما كان يتغني به، لكن غالباً ستجد أن في أعماقه يري الله بعيد في السماء وغير متلامس معه، ويأمره أن يجتهد ليصعد له… واشدد واكرر…حتي لو قال العكس!!! كل حركاته عشوائية ليرتقي لذلك الإله المجهول، فتجده يدراي ضعفه بيديه، ينكر فسادة لأنه لو إعترف به لعجز عن الصعود!! لا يدرك معني الإماتة والقيامة وتجديد الإيمان، كلها مصطلحات غير معاشة له، تجده دائما يشوه الحق، متقمص دور يشوع في المعركة ويشوه القصة، متحرك ومحارب بدون موسي، أي بدون صلة مع الله، أو موسي بدون يشوع، أي يردد شعارات روحية رنانة دون أي ترجمة عملية وواقعية.

أو قد تجد المروحن غير فاهم للتجسد بصورة عكس ما سبق، أي أنه متوهماً الجلوس في السماويات وهو في أسافل الأرض، وحتي هنا لا مشكلة فكلنا راقدين في المزبلة، لكنه بدلا من أن يري الله يرفع من طين الجمأة ويجذبه لأعلي ويجلسة في السماويات، تجده يتوهم أن الله راضٍ علي حالته الذي هو متصالح معها ولا ينوي تغييره، فيتوهم دور موسي في المعركة ويشوه القصة.

فيا ليتنا نفحص قلوبنا، فكل ما سبق هو أمر شخصي لا يكون له إلا فحص القلب والتوجهات بأمانة في نور الكلمة وتوجيه الروح.

Romany Joseph
20th July 2012

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in الكنيسة, تميز الأمور المتخالفة and tagged . Bookmark the permalink.

11 Responses to بين الروحنة والروحانية | 1 | مقارنة

  1. Pingback: بين الروحنة والروحانية | 2 | تطبيق | Romanyjoseph's Blog

  2. Marina Francis says:

    Amazzzzzzzzzzzzzzzzzzing ya Romany begad mohema awi awi awi

    أيضا….الروحاني الحقيقي ينمو في المحبة…. ويتدرج فيها بقوة… من محبة الإخوة… إلي الأعداء… من المحبة العاطفية المنفعلة والطفولية…إلي المحبة الباذلة الناضجة… من قبول الآخر بتحفظ… إلي قبوله كما هو….وفي تدرجه هذا…ذاته تموت وتنهار حواجزها… بل ويصبح مع الوقت متقبل للإهانة واللطم والظلم….فقد ماتت ذاته اكثر واكثر…

    this made me cry ….

  3. ماجد says:

    “الروحانية ليست كمال خالٍ من الضعفات، لكنها قلب نقي يعرف أين هو من الله الأن”
    هل فعلا يستطيع الانسان ان يقيس نفسه و يعرف اين هو من الله؟
    شايفها صعبة يا روماني، نفسي أعرف اقيس نفسي من غير تكبر او تواضع.

    • RomanyJoseph says:

      معاك يا ماجد
      بس في رأيي …مع الوقت والحياة مع الله الأور بتوضح
      إعلان الضعف والتغيير اللي بيعمله الله في حياتنا هو شهادة لأننا في الطريق الصحيح

    • pola nabil says:

      محبة الاخوة هي المقياس الرئيسي … “من قال انه في النور و هو يبغض اخاه فهو الى الان في الظلمة ”
      قس محبتك لكل الناس : الغلس و الرخم و العصبي و المتكبر و الماكر و الحرامي و المنافق

      • RomanyJoseph says:

        أمين….المحبة مقيا س اساس
        والنمو
        لانه ممكن يكون فيه قصور في محبتي (انا شخصيا مليان قصور حقيقي في المحبة) لكن ربنا بعمل نمو في المحبة وقبول الاخر زي ما بولا قال…ودا معزي

  4. Ramy.. says:

    اعمل معاك اييييييييييييييييييه
    بتحرجنى :))

  5. pola nabil says:

    مش بتخاف تكتب الكلام ده و انت ممكن (غالبا اكيد ) عندك جزء من الروحنة ؟؟؟

    • RomanyJoseph says:

      أكيد يا بولا عندي
      وما فيش شئ فيه موت كتبته وهو مش فيا بدرجة ما

      في مقدمة المقالة انا كتبت إننا كلنا جوانا حتة فيها روحنة… وأنا أول وحد

      لو قريت ردي علي رامي يا بولا من شويةفي المقالة التانية اللي فيها امثلة…قبل ما أقرا سؤالك
      انا كاتب عن حاجات عملتها مع اخواتي…. ووقعت فيها….
      انا كان عندي… ومازال عندي… وهايفضل عندي
      لانه لو قلنا اننا بلا خطية نغش انفسنا
      كتبت اللي عيني اتفحت عليه في نفسي….
      وساعتها اما الخشبة خرجت من عيني…ابصرت وكتبت علي نفسي وعلي ضحايا رأيتهم

      شكرا ليك بجد…انا هاحاول اكتب في المقدمة إني وقعت في الامور دي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s