بين أساس الإيمان… وصراعات الإيمان

عاشت الكنيسة أساساً واحداً للإيمان لا أعرف سواه… وهو الحياة والكرازة ببشارة الإنجيل… أي بموت وقيامة الرب يسوع… تلك هي الحقيقة الوحيدة التي كانوا يطوفون في عمق وبساطة يحيونها وينادون بها…بعد أن سبي يسوع عقولهم بموته وقيامته… وقامت الكنيسة بتدشين قانون الإيمان ليقرر الأساس الإيماني الحي لكل مسيحي.

حقيقة موت الرب وقيامته لم تكن أبدا نظرية أو حقيقة مجردة… لم تكن فكرة… بل هي كل المسيحية… موت الرب يسوع وقيامته حق معاش… حق إجتمعت فيه قصة الإنسان والله كلها… فموت الرب وقيامته يعني موت وفساد الإنسان وعجزه عن حل مأساة حياته بنفسه… وفشله في تحقيق إنسانيته…. موت الرب يعني محبة الله وإنقاذه للإنسان من تلك المأساه بموته عنه وفيه… وإماتتة فسادة وكسر شوكة موته وغلبتها… قيامة الرب هي قيامتنا كلنا من ذلك القبر البغيض المغلق علينا فيه بلا رجاء… قيامة الرب هي خلقته من جديد لكل واحد بإسمه في شخص المسيح… هي نهوض من رقاد الموت… إنتقال من سلطان الظلمة لمكوت إبن محبته[1].

كل كلمة في بشارة الإنجيل والليتروجيا… كل تعليم ودراسة في الكتاب المقدس… كل علوم اللاهوت والفلسفات المسيحية… كل كلمة تكلم بها رجال الله الحقيقيين وأباء الكنيسة الأوائل … كان جوهرها هو تلك الحقيقة وقد إنبثقت منها لكي تعمقها وتثبتها وتستعلنها…. كل نمو وتجديد روحي في حياتنا ناتج من إكتشاف أبعاد أعمق لحقيقة موتنا… وأبعاد أعمق لحقيقة قيامتنا في المسيح… وفي تلك الحقيقة البسيطة بساطة الأطفال والعميقة عمق الدهور… تتلخص حياة كل شخص فينا.

الآن.. نحن كثيرا ما نطفئ ضوء ذلك الحق الوحيد… ونبقي فقط الحقائق المنبثقه منه… ونفصلها عنه تدريجياً… وبدلاُ من أن كان هدف تلك الحقائق المنبثقة هو تعميق وإستعلان سر موت وقيامة الرب يسوع في حياتنا… إستقلت تلك المواضيع تدريجياً عن ذلك الحق المحيي … حق الموت والقيامة… وأضحت قائمة بذاتها… فأمتنا مواضيع حية… لتتحصن خلفها ذواتنا المائتة…. لنفعل شهوات قلوبنا… نتحزب… نختلف… ننشق… نجادل… نصارع… نعلن عن صحة ما عندنا وخطأ ما يتبناه الأخرين… ننغمس في الخلافات والنطاحات التي لا نحياها بل والأدهي أننا لا نريد أن نحيا… فأعماق القلب لا تريد الموت والقيامة… فلنناقش ونقرأ وندرس ونعظ ونكتب… ونعزل كل ما نفعله عن جوهر وقلب رسالة الخلاص.

صراعات طوائف… الأرثوذكسي والبروتستانتي والكاثوليكي… الأغلبية تٌكفر بعضها… نثبت صحة الأسرار الكنسية أو خطأها.. نقارع بين ماهية الإيمان والأعمال… أو الجهاد والنعمة…. الخلاص وماهيته… الشفاعة أو بطلانها… تأليه الإنسان أو عدمه…

صراعات بين أصحاب توجهات التعليم ومدراس الحياة المسيحية… مَن يتبعون الفكر الشرقي والغربي، مَن يتبعون تعاليم الأباء ومَن يرفضونها، مَن يتمسكون بالكتاب المقدس ومَن يؤمنون بالمواهب والروح، بين التقليديين والمنفتحين، بين مدارس تفسير الكتاب المقدس المختلفة… بين مدارس العبادة ومدارس الكرازة… 

بل وحتي علي مستوي الأشخاص… فرجل الصلاة يصارع رجل الكرازة ويتهمه بالجسدانية… والأخر يتهمه بالسلبية، والاهوتي يرفض العابد ويتهمه بالجهل، والعابد يلمح له بالإنتفاخ والمعرفة الباطلة، المتكلم يتهم الصامت بالسلبية… والصامت يتهمه بالطفولية، المتأمل يتهم الدارس بالحرفية، والدارس يتهمه بالإنحراف [2]… وهكذا.

الكل مُدجج ومُسلح بالأيات… ومستعد أن يسحق بها الآخر سحقاً [3] … الكل يناقش ويجادل ليثبت أفضلية طرقة عن طرق الأخرين… هذا إن لم يكن يشكك في إيمانهم ويعلن ضلالهم!!… وبدلاُ أن ننمو سوياً وتكون الإماتة والقيامة مرسومة أمام أعيننا دوماً… وتكون الإماتة هي الخروج خارج قناعاتي الضيقة لكي أري ما يحيي عند الآخر.. الذي هو قبول الأخر ومدرسته والتعلم منها… والوقوف ضد حقيقة ضيق أفق واقعي وإيماني (أي الموت في أحد صوره)…. والإحتياج للحياة الموجودة عند الآخر (القيامة في أحد صورها)… نفعل العكس… فنعلن أن ضيق إيماننا ومحدودية رؤيتنا هي كل الإيمان… وما يؤمن به الآخر ويراه هو إنحراف وضلال، وبخبث قلب تستخدم ألستنتا الفاظ رقيقة (مثل إحترم إيمان الآخررغم إختلافي معه) لكن ورائها قلب يَكفر ويستحقر ويتعالي ويتكبر.

بل أننا أصبحنا كمن  يناقش نوافذ وأبواب ودهانات غرفة في منزل… والبيت كله أساسه خَرب واعمدته منهارة نناقش مواضيع فرعية والأساس خرب ومنكوس…ونناقشها وكأنها ستحل كل احلامنا ومشاكلنا.

أي موضوع… وأي طرح أو نقاش… لا يقوي ويعضدد ويخدم إختبار الموت والقيامة بصورة شخصية لقائلية وسامعيه… يصبح فساد وظلمة… جهل وإنتفاخ… موت وخراب.

 لا أهدف لخلط الامور….بل بالعكس اخذها بصورة شخصية بحتة….فأنا شخصياً إيماني أرثوذكسي واتبع الفكر الكنسي لكل مؤمن حقيقي وأب… وأبداً لا أرفض أيمان أي شخص يعي ويحيا موت الرب يسوع وقيامته ويحيا بالروح القدس، هذا هو الإيمان المسلم لنا والذي عاشته الكنيسة ولم ترفض إلا الهراطقة، أي الذين يشككون في أساس الإيمان، أما من يختلفون سويا في مدرسهم وتوجهاتهم قكانوا واحد بكل اخطاء توجهاتهم… من بطرس الذي يحفظ بعض تعاليم الناموس… إلي كل من كان لهم بعض التوجهات المتسربة من خلفياتهم، مثل بعض اخطاء فلسفة أغسطينوس، والقديس جيروم، بل ويوحنا ذهبي الفم وغيرهم…كان قبولهم لبعض هو سر قوة الكنيسة… ولعلهم لم يلتفتوا لأخطاء بعض بل تنبهنا نحن لانهم كانوا يحيون في بساطة كل ما يقوي مفهوم الموت والقيامة…بينما نحن نتفلسف ونتناطح ولانريدأن نموت أو نقوم في شخص المسيح.

هذا هو إيماني وهو الإيمان الأرثوذكسي الحقيقي المٌسُلم من الأباء والذي يتغرب عنه الكثيرين في كل الطوائف وأولهم من يزعمون أنهم أرثوذكس وهم متغربون عن جوهر الموت والقيامة ومتحيزين للصراع ومفضلين لرفض الأخر بينما قبول كل من يلتفون حول قانون الإيمان النيقاوي إيماناً معاشاُ لا شعارا أجوف [4] ذلك هو حقيقة الإيمان وسر الحياه.

ها نحن في بلادنا وكنيستنا تتحرك الأحداث بجنون وسرعة وغرابة في تلك الأيام… الكل مرتبك وغير فاهم… الكل مشتت ويحاول بخوف ورعدة قرأة الأحداث.. لكن كيف يمكن قرائه الأحداث وقد إعتدنا فصل كل شئ عن رسالة الخلاص؟ كيف نفهم ما يحدث ونحن نعزل ما نمر به عن موت الرب وقيامته؟ كيف يمكن أن نعي وقد إعتدنا في حياتنا الشخصية التعامل مع الأمور بمعزل عن تدبير الله لموتنا وقيامتنا فيه؟ لا يمكن إلا أن نحصد كل تخبط وحيرة وجهل.. إختبارنا الشخصي غائب… نظرياتنا مائتة ومعزولة عن سر وتدبير الفداء.

فيا ليتنا ننتبه ونستيقظ… ونفتح عيوننا لنري … فكل ما يحدث ويسمح به الله في دوائرنا الصغيرة الشخصية… وفي دوائرنا الأوسع… ككنيستنا وبلادنا.. كله له هدفه واحد… إستعلان الموت والفساد والإنقال منه للقيامة والحياة الجديدة… بصورة شخصية لكل واحد… التي يوم تحدث في دوائرنا الصغيرة… أي حياتنا الشخصية… ستنهض دوائرنا الأوسع بقيامة مجيدة.. هي شهوة قلب الرب.

اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ سَتَبْكُونَ وَتَنُوحُونَ (لأن الموت امر مؤلم) وَالْعَالَمُ يَفْرَحُ (فرح مؤقت لأنه يرفض الإماتة). أَنْتُمْ سَتَحْزَنُونَ وَلَكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَحٍ (بالقيامة). اَلْمَرْأَةُ وَهِيَ تَلِدُ (الإماتة) تَحْزَنُ لأَنَّ سَاعَتَهَا قَدْ جَاءَتْ وَلَكِنْ مَتَى وَلَدَتِ الطِّفْلَ (الحياة الجديدة…المسيح فينا) لاَ تَعُودُ تَذْكُرُ الشِّدَّةَ لِسَبَبِ الْفَرَحِ لأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ إِنْسَانٌ فِي الْعَالَمِ. فَأَنْتُمْ كَذَلِكَ عِنْدَكُمُ الآنَ حُزْنٌ. وَلَكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضاً فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ. (يو 16 : 20 – 23)

مَنْ سَمِعَ مِثْلَ هَذَا؟ مَنْ رَأَى مِثْلَ هَذِهِ؟ هَلْ تَمْخَضُ بِلاَدٌ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَوْ تُولَدُ أُمَّةٌ دَفْعَةً وَاحِدَةً؟ فَقَدْ مَخَضَتْ صِهْيَوْنُ بَلْ وَلَدَتْ بَنِيهَا! هَلْ أَنَا أُمْخَضُ وَلاَ أُوَلِّدُ يَقُولُ الرَّبُّ أَوْ أَنَا الْمُوَلِّدُ هَلْ أُغْلِقُ الرَّحِمَ قَالَ إِلَهُكِ؟ (اش 66: 8 – 9)

Romany Joseph
10th August 2012

———————–

[1] شرح بولس الرسول الإيمان المسيحي في رسالة رومية إصحاح 4، من وحي إيمان إبراهيم، الذي أمن بعقمه ومماتيته هو وسارة، وأمن بأن الله يحي الموتي، لكي يصيغ  جوهر الإيمان المسيحي ويربطه باول موقف ذُكر فيه الإيمان…إيمان إبراهيم… الذي هو  تصديق في عقمي وموتي، و تصديق في أن الله قادر أن يخرج من الموت الحياة.

كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «إِنِّي قَدْ جَعَلْتُكَ أَباً لِأُمَمٍ كَثِيرَةٍ». أَمَامَ اللهِ الَّذِي آمَنَ بِهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى وَيَدْعُو الأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ. فَهُوَ عَلَى خِلاَفِ الرَّجَاءِ آمَنَ عَلَى الرَّجَاءِ لِكَيْ يَصِيرَ أَباً لِأُمَمٍ كَثِيرَةٍ كَمَا قِيلَ: «هَكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ». وَإِذْ لَمْ يَكُنْ ضَعِيفاً فِي الإِيمَانِ لَمْ يَعْتَبِرْ جَسَدَهُ – وَهُوَ قَدْ صَارَ مُمَاتاً إِذْ كَانَ ابْنَ نَحْوِ مِئَةِ سَنَةٍ – وَلاَ مُمَاتِيَّةَ مُسْتَوْدَعِ سَارَةَ. وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِي وَعْدِ اللهِ بَلْ تَقَوَّى بِالإِيمَانِ مُعْطِياً مَجْداً لِلَّهِ. وَتَيَقَّنَ أَنَّ مَا وَعَدَ بِهِ هُوَ قَادِرٌ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيْضاً. لِذَلِكَ أَيْضاً حُسِبَ لَهُ بِرّاً. وَلَكِنْ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهُ أَنَّهُ حُسِبَ لَهُ بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ أَيْضاً الَّذِينَ سَيُحْسَبُ لَنَا الَّذِينَ نُؤْمِنُ بِمَنْ أَقَامَ يَسُوعَ رَبَّنَا مِنَ الأَمْوَاتِ. الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا. (رو 4: 17 – 25)

 

 [2] فَأَنْوَاعُ مَوَاهِبَ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنَّ الرُّوحَ وَاحِدٌ.وَأَنْوَاعُ خِدَمٍ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنَّ الرَّبَّ وَاحِدٌ. وَأَنْوَاعُ أَعْمَالٍ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ الَّذِي يَعْمَلُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ. وَلَكِنَّهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يُعْطَى إِظْهَارُ الرُّوحِ لِلْمَنْفَعَةِ. فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَمُ حِكْمَةٍ. وَلِآخَرَ كَلاَمُ عِلْمٍ بِحَسَبِ الرُّوحِ الْوَاحِدِ. وَلِآخَرَ إِيمَانٌ بِالرُّوحِ الْوَاحِدِ. وَلِآخَرَ مَوَاهِبُ شِفَاءٍ بِالرُّوحِ الْوَاحِدِ. وَلِآخَرَ عَمَلُ قُوَّاتٍ وَلِآخَرَ نُبُوَّةٌ وَلِآخَرَ تَمْيِيزُ الأَرْوَاحِ وَلِآخَرَ أَنْوَاعُ أَلْسِنَةٍ وَلِآخَرَ تَرْجَمَةُ أَلْسِنَةٍ. وَلَكِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا الرُّوحُ الْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ قَاسِماً لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ كَمَا يَشَاءُ. لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ هُوَ وَاحِدٌ وَلَهُ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ وَكُلُّ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً هِيَ جَسَدٌ وَاحِدٌ كَذَلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضاً. لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضاً اعْتَمَدْنَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ يَهُوداً كُنَّا أَمْ يُونَانِيِّينَ عَبِيداً أَمْ أَحْرَاراً. وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحاً وَاحِداً. فَإِنَّ الْجَسَدَ أَيْضاً لَيْسَ عُضْواً وَاحِداً بَلْ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ. إِنْ قَالَتِ الرِّجْلُ: «لأَنِّي لَسْتُ يَداً لَسْتُ مِنَ الْجَسَدِ». أَفَلَمْ تَكُنْ لِذَلِكَ مِنَ الْجَسَدِ؟ وَإِنْ قَالَتِ الأُذُنُ: «لأَنِّي لَسْتُ عَيْناً لَسْتُ مِنَ الْجَسَدِ». أَفَلَمْ تَكُنْ لِذَلِكَ مِنَ الْجَسَدِ؟ لَوْ كَانَ كُلُّ الْجَسَدِ عَيْناً فَأَيْنَ السَّمْعُ؟ لَوْ كَانَ الْكُلُّ سَمْعاً فَأَيْنَ الشَّمُّ؟ وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ وَضَعَ اللهُ الأَعْضَاءَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الْجَسَدِ كَمَا أَرَادَ. وَلَكِنْ لَوْ كَانَ جَمِيعُهَا عُضْواً وَاحِداً أَيْنَ الْجَسَدُ؟ فَالآنَ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ وَلَكِنْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. لاَ تَقْدِرُ الْعَيْنُ أَنْ تَقُولَ لِلْيَدِ: «لاَ حَاجَةَ لِي إِلَيْكِ». أَوِ الرَّأْسُ أَيْضاً لِلرِّجْلَيْنِ: «لاَ حَاجَةَ لِي إِلَيْكُمَا». بَلْ بِالأَوْلَى أَعْضَاءُ الْجَسَدِ الَّتِي تَظْهَرُ أَضْعَفَ هِيَ ضَرُورِيَّةٌ. وَأَعْضَاءُ الْجَسَدِ الَّتِي نَحْسِبُ أَنَّهَا بِلاَ كَرَامَةٍ نُعْطِيهَا كَرَامَةً أَفْضَلَ. وَالأَعْضَاءُ الْقَبِيحَةُ فِينَا لَهَا جَمَالٌ أَفْضَلُ. وَأَمَّا الْجَمِيلَةُ فِينَا فَلَيْسَ لَهَا احْتِيَاجٌ. لَكِنَّ اللهَ مَزَجَ الْجَسَدَ مُعْطِياً النَّاقِصَ كَرَامَةً أَفْضَلَ لِكَيْ لاَ يَكُونَ انْشِقَاقٌ فِي الْجَسَدِ بَلْ تَهْتَمُّ الأَعْضَاءُ اهْتِمَاماً وَاحِداً بَعْضُهَا لِبَعْضٍ. (1كو 12: 4 – 25)

[3] أذكر موقف حدث لي ولم اكن طرف فيه …لكنه مثال عملي لتميز الأمور التي  يمكن أن تكون من ثوابت الإيمان….أو من شطحات الذات التي تختفي خلف إسم الإيمان…فنحن غالباً لن نختلف علي ما سبق وكتبته في ذلك المقال… نحن نختلف دوماً في التطبيق العملي. وذلك لأن نظرياتنا سليمة… وحياتنا غالباً خربة أو لا ترقي لمستوي نظرياتنا!!

إشتكي لي احد الخدام الناضجين…أنه متضايق جداً بسبب أن بعض الخدام معه يؤمنون أن معمودية الأطفال لو لم تكن علي إساس سليم لإيمان الوالدين… فإن الولادة الجديدة لن تحدث… لأن السر يعتمد علي الإيمان ….وهو يختلف مع هذه النظرة تماماً… ويراها ضد ثوابت الإيمان…. ويري أنه السر يحدث والولادة الجديدة تتم حتي لو كان الأهل غير مؤمنين والطفل بالطبع غير مؤمن… ويري أن هؤلا الخدام عندهم مشكلة في إيمانهم..علي الرغم من ثقته انهم روحانين وحقيقين

الموضوع يبدوا شائكا… ويحتاج بحث لمفهوم السر في الإيمان الأرثوذكسي….ومتي يُبطــَل السر…. واثق أنه بالبحث الأمين سنصل لنتيجة.

لكني سألت نفسي سؤال واحد سببت إجابته لي صدمة…بل وألما شديدا في أعماقي : لو أن هؤلا المختلفين قرروا أن يخدموا شخص مُعمد لكنه ضال وبعيد (إحداهما يؤمن أنه لم ينال الولادة الجديدة بعد، والآخر يؤمن أنه نالها ولكنها غير فعالة)

سألت نفسي: هل سيختلف هذان الخادمان في خدمتهم له؟؟ وكانت الإجابة هي لا…سيخدموه نفس الخدمة ونفس الرسالة سيتم تقديمها له… هل ما ينتظروه منه سيختلف من خادم لأخر؟؟ وكانت الإجابة هي لا…الإثنين علي الرغم من إختلافهم في وجهات نظرهم سينتظرا نفس الشئ منه… وهو توبته وتغيير إتجاه حياته ورجوعه للمسيح.

وهنا رأيت حقيقة مخيفة….أن البحث واللوصل لرؤية معينة ليس هو المشكلة…فبعض المواضيع ليست من أساسيات الإيمان… وهي متداخلة وعبارة عن أراء صعب جداً الجزم فيها بمن هو علي صواب ومن هو خطأ.. والأدهي… أنها قد تكون نظرية جداً ولا تفرق في خدمتنا… تبدو كبيرة ورنانة…لكنها جوفاء…صنعها الذات والكبرياء والشكل والعرف…بينما الروح برئ منها!!

لكنها تفضح تمسكنا بذواتنا….فنحن في المثال الذي ذكرته لا ندافع عن إيمان…نحن ندافع كل واحد عن فكرته الخاصة في أمر لن يحدث أي إختلافا في الخدمة أو في الحياة…. هذا هو تعريف الموت الذي يتسرب… بينما كان يمكننا أن نوفر التحزب والإنشقاق والوقت… ونخدم النفوس وننتظر توبتها.

وهنا علمت أن البحث التاريخي واللاهوتي في هذا الموضوع… لن يجدي بأي شئ… سيظل كل طرف متمسك بوجهه نظره ورافض للأخر…فالمشكلة هنا ليست جوهر إيماني… ولا بحث… المشكلة هنا هي الموت!!! التصلب والكبرياء التي يتخفي تحت إسم الإيمان… هي غياب حقيقة أن الإيمان هو موتي وموت قناعاتي… وقيامتي وقيامة حياة جديدة فيِ.

 

[4] في يوم ما قبل الصليب بقليل سأل المسيح التلاميذ: وأنتم من تقولون إني أنا؟ فإتفق التلاميذ بلسان بطرس علي صيغة موحدة للعقيدة فيمن هو المسيح، وكان مضمونها رائعا حقا وموافقاً للإيمان الصحيح، بل وملهما من الله مباشرة بشاهدة المسيح: فاجاب يسوع و قال له طوبى لك يا سمعان بن يونا ان لحما و دما لم يعلن لك لكن ابي الذي في السماوات (مت  16 :  17)

ولكن للأسف….هذه الصيغة الأرثوذكسية الدقيقة الملهمة حقا من السماء، لم تستعف التلاميذ ليكونوا واحداُ في أي شئ، لا من جهة الفكر ولا من جهة الإيمان العملي بالمسيح، فبطرس أنكر المسيح قائلاً انه لا يعرفه، والتلاميذ تفرقوا كل واحد إلي خاصته، وبعضهم ذهبوا إلي مهنتهم الأولي، وذلك قبل أن يحل عليهم الروح القدي يوم الخمسين، بل ونسمع أنهم تشاجروا فيما بينهم من هو الأكبر(لو 22: 24)

واضح أن صيغة الإيمان المتقن الصحيح المعترف بها علنا وبإتفاق الجميع، لم لا تكفي لإتحاد التلاميذ أو الكنائس في وحدة وشركة في المسيح والعمل والحب والبذل والموت معه، لان العجيب حقا انه في نفس الإصحاح الذي اعترف فيه بطرس…سلك سلوكا جعل المسيح يقول له: إذهب عني يا شيطان..انت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس (مت 16: 23)

هكذا يتضح أن صيغة الإيمان الصحيح والمتفق عليه لن تكفي لتكون واسطة لإتحاد حقيقي بين الكنائس، فالإنقسامات اخذت أبعادا روحية وذاتية وعرقية ودنيوية، والمسيح ليس هكذا، ولا عرفناه هكذا، هذه هي حذور الإنقسام السامة التي ستظل تغذب الفرقة والإنقسام مهما إتفقنا علي صيغة جميلة و صحيحة

من كتاب  – الوحدة الحقيقة ستكون إلهاما للعالم –  الأب متي المسكين – ص 26 و 27

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in الكنيسة, تميز الأمور المتخالفة and tagged . Bookmark the permalink.

10 Responses to بين أساس الإيمان… وصراعات الإيمان

  1. Marina Francis says:

    روماني جوزيف ما هذه المقالة ؟؟؟؟
    حبيتها جدا جداااااااا

    كل نمو وتجديد روحي في حياتنا ناتج من إكتشاف أبعاد أعمق لحقيقة موتنا… وأبعاد أعمق لحقيقة قيامتنا في المسيح… وفي تلك الحقيقة البسيطة بساطة الأطفال والعميقة عمق الدهور… تتلخص حياة كل شخص فينا.

    الآن.. نحن كثيرا ما نطفئ ضوء ذلك الحق الوحيد… ونبقي فقط الحقائق المنبثقه منه… ونفصلها عنه تدريجياً… وبدلاُ من أن كان هدف تلك الحقائق المنبثقة هو تعميق وإستعلان سر موت وقيامة الرب يسوع في حياتنا… إستقلت تلك المواضيع تدريجياً عن ذلك الحق المحيي … حق الموت والقيامة… وأضحت قائمة بذاتها… فأمتنا مواضيع حية… لتتحصن خلفها ذواتنا المائتة…. لنفعل شهوات قلوبنا… نتحزب… نختلف… ننشق… نجادل… نصارع… نعلن عن صحة ما عندنا وخطأ ما يتبناه الأخرين… ننغمس في الخلافات والنطاحات التي لا نحياها بل والأدهي أننا لا نريد أن نحيا… فأعماق القلب لا تريد الموت والقيامة… فلنناقش ونقرأ وندرس ونعظ ونكتب… ونعزل كل ما نفعله عن جوهر وقلب رسالة الخلاص.

    بل وحتي علي مستوي الأشخاص… فرجل الصلاة يصارع رجل الكرازة ويتهمه بالجسدانية… والأخر يتهمه بالسلبية، والاهوتي يرفض العابد ويتهمه بالجهل، والعابد يتهمه بالإنتفاخ والمعرفة الباطلة، المتكلم يتهم الصامت بالسلبية… والصامت يتهمه بالطفولية، المتأمل يتهم الدارس بالحرفية، والدارس يتهمه بالإنحراف… وهكذا.

  2. sherif says:

    لأن اختبار القيامة كل يوم فى حياتنا هو بدوره الذى سيرشدنا لما نحتاج ان نموت عنه عند الصليب
    اتمنى انه كلما قرأنا الجملة “الموت و ال قيامة” نتذكر هذا

    من كتاب سلطان المؤمن

    تقول الآية في 1 كورنثوس 17:6 “وأما من إلتصق بالرب فهو روح واحد” نحن واحد مع المسيح، بل نحن المسيح – جسد المسيح. وقد أجلسنا عن يمين عرش العظمة في الأعالي وأخضع كل شئ تحت أقدامنا.
    تمكن معضلتنا في أننا جعلنا “صليب” محير كرازتنا في حين يلزمنا أن نجعل “العرش” محور تلك الكرازة. أقصد بهذا أن الناس اعتقدوا بأن المفروض عليهم البقاء عند الصليب. حتى أن بعض الذين نالوا معمودية الروح القدس رجعوا أدراجهم حتى الصليب ثانية وظلوا قابعين هناك منذ ذلك الحين.
    طالما رنمنا ترنيمة :في الصليب في الصليب”. نعم صحيح أننا في حاجة لأن نأتي الصليب لننال الخلاص، ولكن لا حاجة بنا أن نبقى عند الصليب. علينا أن نمضي قدماً إلى إختبار يوم الخمسين ومنه إلى الصعود ثم إلى العرش!
    إن الصليب هو مكان الموت والهزيمة، أما القيامة فهي مكان الإنتصار، فإذا كرزت عن الصليب فأنت إنما تكرز عن الموت وتترك الناس هناك.
    نعم لقد مُتنا، ولكننا أقمنا أيضاً مع المسيح وأجلسنا معه… إذاً هذا هو مكاننا الآن، جالسون مع المسيح في مركز السلطان في السماويات.
    العديد من المسيحيين لا يعرفون شيئاً عن سلطان المؤمن. وهم في الحقيقة لا يؤمنون بأننا نمتلك أي سلطان على الإطلاق. يعتقدون بأنهم بالكاد قد حصلوا على الخلاص وأن عليهم أن يمضوا في الحياة وهم خاضعون لسيادة إبليس إذ لا حول لهم قوة. وهم بذلك إنما يعظمون إبليس أكثر من تعظمي الله.

    • RomanyJoseph says:

      شكرا يا شريف لتعليقك الغني بالحق
      فعلا الموت والقيامة حقيقتان متلازمتلان لا يمكن ان نكلم الناس عن الموت ولا نكلمهم عن القيامة… ونتركهم بلا رجاء
      قكل تشوه في حياتنا مصدره ومرجعه تشوه في مفهوم الموت والقيامة… والتطرف لإحداهما
      يا ريت تشوف الفيديو دا

  3. Michael says:

    تركنا الهدف و احببنا الطريق و تصارعنا حول اي طريق يؤدي الي الملكوت و نسينا ان الهدف هو هو الطريق هو هو الحياة
    هذا هو الفرق بين المسيحية كحياة و بين المسيحية كدين و عبادة
    نحن نحاول ان نجامل الله و نظن انه مثل الوثن حاشا لله يجب ارضائه لئلا يهلكنا

  4. Pingback: وحدة الكنيسة لن تاتي من المقدمة | Romanyjoseph's Blog

  5. Nora Nabil says:

    فعلا مصيبتنا ان احنا اعتادنا فصل كل الاحداث و القرارات و اازمات عن رساله الخلاص و بعيدا عن اساس الفداء و القيامة…لقد عانيت كثيرا ايضا من التعصب الاعمى من كل الطوائف و ان كل واحد فاكر ان طائفته هى الصح و الباقى غلط …و الاكثر تعصبا كان شخص يظن ان طريقته هو وحده فى العبادة هى الصحيحه و الكل يصلى بطريقه خطأ و عبادتهم غير مقبوله رغم ان هذا الشخص مسؤل عن اجتماعات وحدة بين الطوائف المختلفة فى مدينتى !!!!

    • RomanyJoseph says:

      للأسف اختي نورا
      التعصب اكبر روح ضد المسيح… لانه ضد المحبة والاحترام والحق
      ربنا يعطينا نعمة
      اليهود يوم اعتبروا انفسهم صح والباقي خطأ صلبوا المسيح دون أن يدروا
      فهل نحن أبر منهم
      سؤال يجعلني رتجف في مخافة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s