بين سدوم وعمورة… وشعب الله

في ظل الظروف الدقيقة التي يمر بها أقباط مصر في واحدة من أكبر منحنيات التاريخ المصري… والتي بات ظاهراُ أنها لا تصب في صالح الكل وخصوصاً الأقباط… والآن نحن تخطينا مرحلة النبوات أو المطابقات الكتابية لندخل في مرحلة الواقع الذي سماؤه ملبدة بالغيوم السوداء والتي بدأت تقطر أمطارها المرعبة علي البعض.

وبينما الله صامت لا يتدخل، يزداد إرتباكنا… وبينما لم نتعود علي مراجعة حياتنا وإتجاهاتنا… أصبحت دعوات التوبة التي تدعو لمراجعة إتجاه الحياة كلها أمر صعب وثقيل ويبدو وكأنه غير عملي…ووسط هذا كله أصبحنا نحاول طمانه أنفسنا والأخرين بعبارات تبدو روحية وأفكار تبدو كتابية، بينما هي أبعد كل البعد عن ذلك، مثل أن “الله لا يترك شعبه” و “أبواب الجحيم لن تقوي عليها” و “الذين معنا أكثر من الذين معهم” وغيرها من العبارات التي تتامل في قدرة الله السرمدية وتنسي وتتجاهل تغربنا عنه وإنفصالنا عن دائرة الحماية التي نتحدث عنها.

ومن أشهر الأفكار المنتشرة بين كثير من المسيحيين هي أنه لو وجد الله ولو عشرة أتقياء في المدينة سيصفح الله بسببهم مثلما قال لإبراهيم في سدوم وعمورة(تك 18: 32).

حقاً إنها فكرة رائعة ومريحة جداً، فمن المؤكد أنه يوجد أبرار ولو قليلون في بلادنا، وبالتالي لا داعلي للقلق، لنكمل حياتنا الفاسدة، والله سيصفح ويصبر ويتأني عنا لأجل صلواتهم.

لكن المدقق والفاهم لفكر الله، يعي أن تلك الكلمات وذلك التأني قيل نحو سدوم وعمورة ذلك الشعب الضي لا له رسالة، شعب متغرب عن الله وليس له وزنات، والله يقيسه بمقياس الضمير الذي عندهم، ومن هنا أتي ذلك التشفع.

لكن لنذهب لنري شعب الله في أيام أرمياء النبي… بعد القرون الطويلة من إستلام الرسالة (علي يد موسي) فنجد أنه بدلاً من أن ينمو إيمانهم ويتقدس سلوكهم مع مرور الزمان… نجد تصالح مع الخطية وعبادات وثنية موجودة في وسط الشعب جنباً إلي جنب مع عبادة الرب الواحد.. ونتعجب أشد العجب، فلن نجد الرب يتعامل معهم كما تعامل مع سدوم… بل نجده يتصرف مع شعبه بطريقة عكسية لما فعله مع إبراهيم في سدوم وعمورة، وعكس ما فعله مع أيام موسي، لقد قال له الرب أنه لن يقبل الشفاعة… لنتأمل فكر الرب والتطابق الشديد بين ما قاله لأرمياء النبي وحزقيال النبي:

ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِي: وَإِنْ وَقَفَ مُوسَى وَصَمُوئِيلُ أَمَامِي لاَ تَكُونُ نَفْسِي نَحْوَ هَذَا الشَّعْبِ. اطْرَحْهُمْ مِنْ أَمَامِي فَيَخْرُجُوا. (أر 15: 1)

وقام الرب بشرح فكرة أكثر مع حزقيال النبي حين قال له: 

وَكَانَتْ إِلَيَّ كَلِمَةُ الرَّبِّ: يَا ابْنَ آدَمَ, إِنْ أَخْطَأَتْ إِلَيَّ أَرْضٌ وَخَانَتْ خِيَانَةً, فَمَدَدْتُ يَدِي عَلَيْهَا وَكَسَرْتُ لَهَا قِوَامَ الْخُبْزِ, وَأَرْسَلْتُ عَلَيْهَا الْجُوعَ, وَقَطَعْتُ مِنْهَا الإِنْسَانَ وَالْحَيَوَانَ, وَكَانَ فِيهَا هَؤُلاَءِ الرِّجَالُ الثَّلاَثَةُ: نُوحٌ وَدَانِيآلُ وَأَيُّوبُ, فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يُخَلِّصُونَ أَنْفُسَهُمْ بِبِرِّهِمْ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. إِنْ عَبَّرْتُ فِي الأَرْضِ وُحُوشاً رَدِيئَةً فَأَثْكَلُوهَا وَصَارَتْ خَرَاباً بِلاَ عَابِرٍ بِسَبَبِ الْوُحُوشِ, وَفِي وَسَطِهَا هَؤُلاَءِ الرِّجَالُ الثَّلاَثَةُ, فَحَيٌّ أَنَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ إِنَّهُمْ لاَ يُخَلِّصُونَ بَنِينَ وَلاَ بَنَاتٍ. هُمْ وَحْدَهُمْ يَخْلُصُونَ وَالأَرْضُ تَصِيرُ خَرِبَةً.

أَوْ إِنْ جَلَبْتُ سَيْفاً عَلَى تِلْكَ الأَرْضِ وَقُلْتُ: يَا سَيْفُ اعْبُرْ فِي الأَرْضِ, وَقَطَعْتُ مِنْهَا الإِنْسَانَ وَالْحَيَوَانَ, وَفِي وَسَطِهَا هَؤُلاَءِ الرِّجَالُ الثَّلاَثَةُ, فَحَيٌّ أَنَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ إِنَّهُمْ لاَ يُخَلِّصُونَ بَنِينَ وَلاَ بَنَاتٍ, بَلْ هُمْ وَحْدَهُمْ يَخْلُصُونَ. أَوْ إِنْ أَرْسَلْتُ وَبَأً عَلَى تِلْكَ الأَرْضِ وَسَكَبْتُ غَضَبِي عَلَيْهَا بِالدَّمِ لأَقْطَعَ مِنْهَا الإِنْسَانَ وَالْحَيَوَانَ, وَفِي وَسَطِهَا نُوحٌ وَدَانِيآلُ وَأَيُّوبُ, فَحَيٌّ أَنَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ إِنَّهُمْ لاَ يُخَلِّصُونَ ابْناً وَلاَ ابْنَةً. إِنَّمَا يُخَلِّصُونَ أَنْفُسَهُمْ بِبِرِّهِمْ. (حز 14: 13 – 20)

هل تدرون ما السبب؟ هل تغيير الله؟ كلا… لسدوم وعمورة عذر، وهو أنهم لم يأخذوا رسالة، ولشفاعة موسي دالة، لأن دوماً الشعب في أيامه رغم خطيته كان يعترف ويقر بها بعد السقوط فيها، أما أيام أرمياء النبي، فكانت الرسالة موجودة علي عكس سدوم وعمورة، وكانت الإستباحة للخطية قائمة وعبادة الله مع الأوثان ومع الخطية متواقفة ويسيران جنباً إلي جنب عل عكس أيام موسي.

نجد أن الله يصف ذلك الوضع بالزنا والخيانة لمن اخذها زوجة وقدسها بعدما كانت عارية (حزقيال 16)، بل نجد أن الله طلب من أرمياء النبي ألا يصلي للشعب:

وَأَنْتَ فَلاَ تُصَلِّ لأَجْلِ هَذَا الشَّعْبِ وَلاَ تَرْفَعْ لأَجْلِهِمْ دُعَاءً وَلاَ صَلاَةً وَلاَ تُلِحَّ عَلَيَّ لأَنِّي لاَ أَسْمَعُك. (ار 7 : 16)

وَأَنْتَ فَلاَ تُصَلِّ لأَجْلِ هَذَا الشَّعْبِ وَلاَ تَرْفَعْ لأَجْلِهِمْ دُعَاءً وَلاَ صَلاَةً لأَنِّي لاَ أَسْمَعُ فِي وَقْتِ صُرَاخِهِمْ إِلَيَّ مِنْ قِبَلِ بَلِيَّتِهِمْ. (ار 11 : 14)

والمدقق يجد أن الله كان يقصد أن يقول لأرمياء النبي ألا يصلي لمنع الضيق الآتي عليهم وهم مستبيحين للحياة البعيدة ومتوهمين الحماية، قال الله له صراحة لو صليب لرفهع الضيق والحماية لن افعل ولن احمي، إن كنت تريد أن تصلي صلي أن يتوبوا، أن يرجعوا، تلك هي الصلاة التي أقبلها.

دعونا نتكلم بصراحة …لماذا نرجوا ونحلم أن يكون موقفنا مثل سدوم وعموره؟ ويري الله قلة بارة أو واحد فيصفح عن الكل… الإجابة غاية في البساطة… نحن نريد أن نكمل مسيرتنا المتغربة عن المسيح.. نريد أن نكمل أيامنا التي محورها العمل والمال والإستمتاع والعالم والذات….بينما يقف هذا ال “الواحد” يطلب عن الشعب المستبيح والمتصالح مع تغربه…هذه هو حالنا!

أما موقف سفر أرمياء النبي…فالتوبة حتمية لتدخل الله….وهذا مرهق للشخص الذي يريد ان يكمل مسيرته المتغربة المستبيحة…ويأخذ من الله عطايا فقط… إنه يريد صراف بنك السعادة الذي يحامي عنه وهو متصالح عن الخطية… إنه يطلب الحماية لمجرد لقب يحمله في بطاقته الشخصية… بينما إيمانه ميت…إنه يتوسم بركات البنوة وهو متمرمغ في كورة الخنازير… وحاشاً أن يشمخ علي الله بهذا التوجة.

الله مازال طالب واحد…وهذا لكننا عرفنا الأن أن هذه الواحد هو المسيح …. المسيح في الجميع…المسيح الحال في وسط شعبه ويشفع عنهم ومعهم وبهم… فالمسيح لا يشفع في شعب متغرب عنه، المسيح لا يشفع في من يرفضوه ويقاوموه، ولا يستطيع أن يحتضن من ذهب لكورة الخنازير بإرادته، ففي حالة التغرب عن المسيح…. يحترم المسيح إختيارك الحر كشخص أو كشعب… ويتركك وينادي لك لكي ترجع لحضنه… ويكون حالك وقتها أنك عاري من الحماية … ويتقابل الشعب أو الشخص مع أجرة خطيته التي لم تجد الفادي في وسطها… ولم تجد أبوابها مرشوشة بدم الحمل… فتخرج اجرة الخطية التي هي الموت لتكون هي حصاد ما تم زرعه.

وَطَلَبْتُ مِنْ بَيْنِهِمْ رَجُلاً يَبْنِي جِدَاراً وَيَقِفُ فِي الثَّغْرِ أَمَامِي عَنِ الأَرْضِ لِكَيْلاَ أَخْرِبَهَا, فَلَمْ أَجِدْ(المسيح بينهم)! (حز 22: 30)

وعلي الرغم من وجود حزقيال الواقف أمامة وارمياء النبي وباروخ وقلة بارة وسط الأغلبية، يقر الله أن الرجل الوحيد الذي يستطيع أن يقف أمامهم غير موجود (حضور المسيح وسطهم شعبه)

أرجوك لا تقل هذا عهد قديم ونحن في عهد النعمة، فالعهد شكل علاقة وليس فترة زمنية فقد فني شعب ارمينيا المسيحي علي يد الأتراك في عام 1919 في المذابح الأرمينية وتكررت قصة السبي معهم بالحرف.

لعلنا الأن نفهم لماذا قال يسوع أن سدوم وعمورة ستكون أكثر إحتمالا من شعب الله 

اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: سَتَكُونُ لأَرْضِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ يَوْمَ الدِّينِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً مِمَّا لِتِلْكَ الْمَدِينَةِ». (مر 6: 11)

Romany Joseph
3rd October 2012

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in تميز الأمور المتخالفة and tagged , , . Bookmark the permalink.

5 Responses to بين سدوم وعمورة… وشعب الله

  1. Marina Francis says:

    دعونا نتكلم بصراحة …لماذا نرجوا ونحلم أن يكون موقفنا مثل سدوم وعموره؟ ويري الله قلة بارة أو واحد فيصفح عن الكل… الإجابة غاية في البساطة… نحن نريد أن نكمل مسيرتنا المتغربة عن المسيح.. نريد أن نكمل أيامنا التي محورها العمل والمال والإستمتاع والعالم والذات….بينما يقف هذا ال “الواحد” يطلب عن الشعب المستبيح والمتصالح مع تغربه…هذه هو حالنا

    amazing

    أَوْ إِنْ أَرْسَلْتُ وَبَأً عَلَى تِلْكَ الأَرْضِ وَسَكَبْتُ غَضَبِي عَلَيْهَا بِالدَّمِ لأَقْطَعَ مِنْهَا الإِنْسَانَ وَالْحَيَوَانَ, وَفِي وَسَطِهَا نُوحٌ وَدَانِيآلُ وَأَيُّوبُ, فَحَيٌّ أَنَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ إِنَّهُمْ لاَ يُخَلِّصُونَ ابْناً وَلاَ ابْنَةً. إِنَّمَا يُخَلِّصُونَ أَنْفُسَهُمْ بِبِرِّهِمْ. (حز 14: 13 – 20)

  2. Michael says:

    طب طالما ربنا مش عايز واحد يشفع و عايز الناس تتوب
    طب احنا اما نطلب من ربنا ان الناس يتوبوا
    ربنا هيرد عليا و يقولي كل واحد حر في اختياره
    طب نعمل اية ؟

    • RomanyJoseph says:

      سؤال صعب
      اعتقد يا مايكل أننا طلبنا للتوبة بتخلي الله يعمل في قلب الناس…. ويعطيهم توبة ويفضح الشر ويخلي الجزء الأمين اللي داخل الناس يتحد معانا
      انا اتعلمت دا من الأب متي في كتاب توجيها في الصلاة… اخر الكتاب يوجد جزء اسمه الصلاة لأجل الأخر…جاوب الموضوع دا بطريقة جميلة جدا

      • Michael says:

        بقالي كتير يا روماني بطلب الطلبة دي من ربنا .. بس للاسف مش لاقي تغيير بل بالعكس بيزدادوا ظلما

        • RomanyJoseph says:

          وانا كمان…ومش عارف اعمل إيه
          ومش عارف المشكلة فين
          انا بس شاركت بالحق اللي اتعلمته مش اكتر…لكني ما اختبرتوش

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s