بين حال الكنيسة… وحال البلاد

407727_10151298655447386_1475125959_nوسط ما يحدث في البلاد… أقف مقدراً جداً لأمانة أي أخ مسلم من أخوتي الذين يعترضون علي المتاجرين بالدين في البلاد ويثورون ضدهم، واحترم فيهم رغبتهم الأمينة تبعية الحق وفضح الشر، فهم بالحقيقة يسلكون بحسب ما يملكون من وزنات ومن نور في ضميرهم.

وعلي النقيض، أتعجب كل العجب، حين أري أقباط مصر – المدعوون نور البلاد بحسب حق الإنجيل – وهم يتعجبون و لا يفهمون سر إنتشار الظلام والجهل والشر، ونسوا أو تناسوا أنهم نور العالم وملح الأرض، وأن المسؤول الأول عن نشر النور هو نحن، وبالتلي يكون سر تفشي الظلام هو ظلمتنا، لكننا خبراء في إخراج القذي الذي في عين الأخري والتعامي الشديد عن الخشبة التي في عيوننا، فبين حال الكنيسة (أي حالنا) وحال البلاد رباط قوي اقره الرب يسوع المسيح حين أعلن دورنا بكل وضوح.

«أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ وَلَكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجاً وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ. أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ. لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَلٍ وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجاً وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ. فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هَكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (مت 5: 13 – 16)

فحين تري البلاد في حال سئ، إعلم يقيناً أننا نحن المسيحيين نورها وملحها أيضاً في حال  سيئ وبنفس درجة ما تراه حولك من ظلام، يكون هذا هو مقدار ظلمتنا، ولعلنا نحتاج أن نشكر الله أنه اعلن لنا حقيقة ضلمتنا من خلال ظهور الظلام حولنا.

لكننا لا نريد أن نري أو نقف… نحن الأقباط نثور علي الفساد في الدولة أيام مبارك، وهذه الأيام علي تيار الإسلام السياسي، لكننا لا نثور عن الفساد الموجود في أنفسنا وسلوكنا ولا علي الفساد الموجود في الكنيسة بل بالعكس نتعايش معه بسلام ونحامي عنه إذا تطلب الأمر؟ أتعجب كل العجب… لماذا نرفض من دفاع تيار الإسلاميين الشديد عن كل أخطاء قادتهم وتوجهاتهم ونحن نفعل المثل؟ من أين نأتي بتلك الجرأة وتلك القدرة علي رؤية ما نريد والتعامي عما لا نريد؟

لماذا نلوم إضطهادهم وتكفيرهم لنا ونحن نفعل المثل مع الطوائف المسيحية في كل مناسبة ونعلن كفرهم وشرهم؟ لماذا نتعجب حين يظلموننا ونحن مُعتَبرين أعداء للدين من وجهة نظرهم، بينما نحن ظـَـلمنا المعتـَبَرين اخوتنا من وجهة نظرنا؟ أي منا جريمته أكثر شراً أمام الرب؟

نحن نقف وقفة صارمة ضد رئيس دولة قام  بجريمة خرق الدستور،هذا حسن… لكن لو كان يسبقه صمت وكنا قبله نتعامي عن أن بطريرك كنيستنا الحالي قام بجريمة أكبر وهي خرق قوانين الرسل، فنثور ضد هذا ونتعامي عن ذاك، أصبح سلوكنا فاسد، إن كنا نخرج القذي الذي في عين إخوتنا ونتعامي عن الخشبة التي في عيوننا، يا ليتنا كنا أمناء وقلنا لبطريركنا لا يحل لك، لكان الرب أعطانا قوة ونحن نقول لرئيس الدولة لا يحل لك، لكان الرب أعطانا رؤية لكي نخرج الظلام الموجود في أعين من حولنا.

لكننا التففنا حول قوانين الكنيسة وتلاعبنا بها وقمنا بالتزييف والتحريف واللف والدوران وكل أمر شرير من أجل عيون ترشيح الأساقفة، والمعترضون الأمناء الذين قدموا الأدلة والبراهين علي الجرم الحادث تم إغتيالهم روحياً ونفسياً، وبعد أن قمنا بجريمتنا…. صلينا وراء مجرمين في جسد الرب ودمة (أي الكنيسة)، وطلبنا من الرب مباركة كنيستنا التي تتفاخر دوماً أنها تتبع تعاليم الرسل، فلم نتعجب حين نري من حولنا يقتلون بإسم الدين ثم يذهبون للصلاة وكأن شئياً لم يكن؟ ما الفارق بيننا؟ قلوبنا نجاساتها واحدة، الفارق في السلوك الظاهري لإختلاف الظروف. (يمكنك تحميل كل الادلة والمستندات لهذا الموضوع من هنا).

تنفق الإبراشيات ملايين الجنيهات من أموال الفقراء سنوياً علي التهاني في جريدة وطني والتحيات في الأسواق، ومن يريد مرجع موثق يذهب لمدونة المنارة القبطية ليري كيف ننفق مال الرب في فسادنا بينما البسطاء يموتون جوعاً، فلماذا نثور حين يسرق الحكام المصريين أموال الشعب ولا تهتز لنا طرفة عين لرؤية كل الشر الموجود في كنيستنا؟

هذا مثال  بسيط لسلوكنا وتوجهاتنا الفاسدة المائتة المتغلغلة فينا… ذات الرائحة العفنة في كل جوانب الحياة، فنحن الأقباط نعبد أشخاص ونؤلههم مثلهما هم يفعلون، وسأعطيك مثالاً: جرب أن تعترض علي خطأ في تعليم البطريرك أو أسقف بكل موضوعية وبالدليل والبرهان، ماسيكون رد الفعل؟ سيلتهمك إخوتك إلتهاماً ويفتكون بنفسك، سيتهمونك بكل التهم الموجودة في الكنيسة ويكفرونك ويغتالونك روحيا ونفسياً، أجيبوني… لماذا نتعجب حين يؤله من حولنا رموزهم الدينية ويلتهمون كل من يحاول أن يقترب من رموزهم وقياداتهم وتصرفاتهم؟

جرب أن تنتقد سلوك أسقفاً أو بطركاً في موقف لا يختلف إثنان أمناء عليه أنه أخطاء، ستجد إخوتك الأقباط يضيقون منك ويتهموك أنك مملؤ إدانة، سيعتبرونك مجرماً عبر خط أحمر، ومن أنت أيها الحقير حتي تنتقد ذلك العظيم، وهي نفس الجمل التي يقولها من حولنا دفاعاً عن أخطاء فادحة في سلوك  قيادات التيار الديني الإسلامي.

السنا متاجرين بالدين كما هم؟ السنا متعصبين وعميان كما هم؟ بل دعني افاجئك أن مقاييس الله تجعل جريمتنا أكبر وأعظم…هل نسينا أننا نعرف أكثر من الأخرين؟ وهذا يعني ضربات أكثر حتي لو أخطائنا نفس الخطأ؟ فما بال ما ينتظرنا حين؟

وَأَمَّا ذَلِكَ الْعَبْدُ الَّذِي يَعْلَمُ إِرَادَةَ سَيِّدِهِ وَلاَ يَسْتَعِدُّ وَلاَ يَفْعَلُ بِحَسَبِ إِرَادَتِهِ فَيُضْرَبُ كَثِيراً. وَلَكِنَّ الَّذِي لاَ يَعْلَمُ وَيَفْعَلُ مَا يَسْتَحِقُّ ضَرَبَاتٍ يُضْرَبُ قَلِيلاً. فَكُلُّ مَنْ أُعْطِيَ كَثِيراً يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ وَمَنْ يُودِعُونَهُ كَثِيراً يُطَالِبُونَهُ بِأَكْثَرَ.  (لو 12: 47: 48)

أعتقد أن أكبر جريمة أمام الرب هي إذواجية المعايير لأنها دليل علي قبح القلوب ونجاستها، فهو من وبخ الفريسيين لسلوكهم المزدوج اللعين، وأقام الزانية من الترب لأنها معترفة بخطيتها، أما نحن فعبارة عن حفنة من الزواني نتوهم الصلاح وندعي البنوة للرب، نحن نظن أننا أبر منهم، بينما المفاجأة أننا نحن أكثر نجاسة.

لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ أَوْ كَيْفَ تَقْدِرُ أَنْ تَقُولَ لأَخِيكَ: يَا أَخِي دَعْنِي أُخْرِجِ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِكَ وَأَنْتَ لاَ تَنْظُرُ الْخَشَبَةَ الَّتِي فِي عَيْنِكَ. يَا مُرَائِي! أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّداً أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ. (لو 6: 41 – 42)

والخلاصة: نحن لا نعترف بفسادنا الشخصي والكنسي، وبالتالي من المستحيل أن ننجح فب التعامل مع الفساد الخارجي، وحتي نعترف بهذا، سيزداد الظلم حولنا ويثقل النير علينا، سينمو الشر حولنا لأنه يتغذي من شرورنا، سينتشر الظلام بسبب بهتان نورنا، ولو كسرنا النير الخشبي سيأتي آخر حديدي بسبب شرورنا.

إلي أن ياتي يوم نثور فيه علي أنفسنا أولاً… ونعترف ونمتلئ بروح التوبة والإعتراف القلبي، فيكسونا بر المسيح، وتحدث عجائب فينا قبل أن تحدث حولنا، ونمتلي من الإماتة للذات فتحل علينا روح القيامة، فننهض كما نهض مخلصنا ونجلس في السماويات في المسيح، وكما إرتفع هو وجذبنا إليه، نرتفع نحن ونجذب إلينا الجميع.

Romany Joseph
8th December 2012

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in الكنيسة ومصر, تميز الأمور المتخالفة and tagged , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

16 Responses to بين حال الكنيسة… وحال البلاد

  1. Michael says:

    بالضبط .. احب ازود علي كلامك ان حاليا اغلب المسيحيين و انا منهم ان كنا ظاهريا بندافع عن مصر و دستورها و مدنيتها
    الا ان في الحقيقة احنا بنعمل كدة عشان لو معملناش كدة سيأتي علينا الاضطهاد و سيضيقون علينا فنحن نعمل ما في وسعنا
    و الدليل ليه مكناش بنعمل كدة ايام مبارك مع انه كان بيخرب في البلد و الدستور
    و حاليا احنا بقينا بنشبه اللي بيحصل ان احنا تحت عبودية الاخوان (فرعون) و سيأتي موسي الذي ينقذنا من هذة العبودية
    لكن نسيوا ان دعوة الرب لموسي ان احنا نعبده مش مجرد التحرر من عبودية فرعون
    و يبقي سؤال الرب لابنائه
    ” متي يتحول صراخكم لي لكي انقذكم من فرعون و تستردوا حريتكم الزائفة الي تضرعات للتوبة و التحرر من ذواتكم التي اصبحتم عبيد لها اكثر مني “

    • RomanyJoseph says:

      أمين يا مايكل سيتحول صراخنا للرب حين تفشل طرقنا
      ولننمو سويا لكي نجعل رسالته تصل للكل

      • Michael says:

        للاسف .. من الذي يُظهر هذة الرسالة ان الله يشتاق لسماع توبة ابنائه
        التوبة بالنسبة لمعظم الناس هي عدم الوقوع في الخطيئة و ليس الرجوع الي الله و الاتحاد به
        زود علي كدة اعتبار الخطايا الصغيرة التي تُفعل كل يوم كانها سهوات و لا نعلم ان ورائها ذات شريرة و يجب ان يُتلع جذرها
        :S

  2. Marina Maher says:

    (فحين تري البلاد في حال سئ، إعلم يقيناً أننا نحن المسيحيين نورها وملحها أيضاً في حال سيئ وبنفس درجة ما تراه حولك من ظلام، يكون هذا هو مقدار ظلمتنا، ولعلنا نحتاج أن نشكر الله أنه اعلن لنا حقيقة ضلمتنا من خلال ظهور الظلام حولنا.)
    اكثر جملة اعجبتني .. ولكن كلمة مجرمين دي صعبة اووووووي
    اعرف ان كنيستنا في ضعف شديد..ويمكن ان يكون القادة فاسدين او مخطئين.. لكن الرب يتعامل مع كل الناس علي حدا كما يتعامل مع الكنيسة كلها .. اما مجرمين دى صعبة

    • RomanyJoseph says:

      معلش يا مارينا سامحيني…حاولت اقلل حدة الكلمة لكن ما قدرتس
      الوصف دا واصعب قاله الله علي الرعاه الفاسدة
      يمكن عمري ما هاقول علي الناس العادية إنهم مجرمين…بالعكس انا شايفهم غلابة
      اما الراعاه….مش عارف اقول غير كدة

  3. كرحمتك يا رب و ليس كخطايانا

  4. remonsamir says:

    ناقص بس نعمل حزب Christian Brothers و نتنافس علي السلطه 🙂

  5. Pingback: وحدة الكنيسة لن تاتي من المقدمة | Romanyjoseph's Blog

  6. Pingback: تعليق علي مداخلة الأنبا تواضروس بقناة مارمرقس يوم 16 أغسطس 2013 بخصوص أحداث الشغب والعنف ضد الكنائس | Romanyjoseph's Blog

  7. Pingback: توثيق لموقف الكنيسة الرسمية تجاه التوجهات السياسية بمصر قبل وبعد وأثناء ثورة 35 يناير (من 2009 إلي 2014) | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s