رؤيا لاهوتية للعلاقات | 2 | الآب والطريق إليه

stairway1

تكلمنا في المقدمة السابقة عن جوهرية مفهوم العلاقات والشركة في إستعلان سر الحياة، وكيف أن العلاقات والشركة هي أنجح محور لتفسير كل أمور الحياة، وفي عالم مشوة وساقط نحتاج أن نرفع أعيننا لشخص الرب كنقطة الأصل لمعرفة سر العلاقات والشركة وحقيقة وجودنا وماهية علاقتنا بالله، وبأنفسنا، وبالآخر، وفي هذه المرة سنبدأ بالتعرف علي الآب والطريق لمعرفته كي نتتبع سوياً سر العلاقات التي خرجت من عند الآب الذي هو أصل الوجود.

حاولت الكثير من الأديان والفلسفات التوحيدية إلي معرفة شخص الله الآب عن طريق الإجتهاد نحو إكتشاف شخصه، سواء كان بالفلسفة[1]، أو التأمل، أو التصوف، كانت مصدر كل الاجتهادات هو محاولة الإنسان لمعرفة الله من خلال المخلوقات والمصنوعات[2]، كما قال بولس الرسول واصفاً الأمم ونافياً عنهم عذر التغرب التام عن معرفة الله.

لأَنَّ أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ تُرَى مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ وَقُدْرَتُهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ.  (رو  1 :  20)

لكن هناك فارق كبير بين معرفة الله من خلال طبيعته الذاتية ومن خلال ما صنعه، فمن الخلال المصنوعات والمخلوقات، نستطيع أن نعرف ما هو خارج الله (خصوصاً بعد إنفصال الخليقة  بالسقوط وتشوهها)، ونستطيع أن نصفه بكلمات مطلقة وغامضة مثل (خالق – أبدي – أزلي – واحد )[3]، ونستطيع أيضاً أن نعرفه بطريقة الاهوت السلبي فهو (غير محدود – لا مُدرك – غير مَحوي )[4].

وهكذا جائت كل المحاولات الأمينة ناقصة ولم تشبع إحتياج الإنسان لمعرفه الرب والشبع من التلامس مع شخصة، فنحن لا نستطيع أن نتعرف علي  شخصيته، لا نستطيع أن نعرف الله كما هو في ذاته[5]، ولا أعماقه، ولا نصل لرؤيا سليمة إن كان إسلوبنا ليس مؤسس علي معرفة شخصية لله ذاته، وبالتالي كان القصور هو السمة الأساسية لتلك المحاولات، بل أنها احياناً كثيرة ترتد إلي أنفسنا لنأخذ منها معرفة الله ونصبح نحن المقياس بشكل ما لما نفكر أو نقوله عن الله[6].

لذا… أي إستمرار في محاولة التوصل إلي معرفة الله بهذه الطريقة هو إتباع للمشيئة الذاتية وهو نوع من العناد الشخصي البعيد عن التقوي[7]، ولن يؤدي أننا نعرف الله “كأب” بل “كخالق ميكانيكي” ولن نكون أفضل من الفلاسفة اليونانين الوثنيين، الذين يؤمنون بتوحيد مبهم منعزل عن الإنسان والخليقة[8].

لذا إن أردنا أن نعرف الله نحتاج لمدخل سليم[9]، والمدخل السليم هو خبر مفرح لقلوبنا، أن الله يريد ويستشهي أن يعرفنا بذاته، ويعلن لنا شخصه، وهو يريد ذلك  من خلال أن يشاركنا نحن البشر بالمعرفة التي يملكها هو عن ذاته، لكي نعرفه بحق وبصورة أسمي وأرقي وأعمق بما لا يقاس من معرفتنا به من خلال المخلوقات، وذلك المدخل هو المدخل السليم الحقيقي، أي أننا نستطيع معرفة الله فقط إذا أدخلنا هو في شركة معه في المعرفة التي لله عن نفسه[10].

وقد حدث وأدخلنا الله لمعرفته حين شاركنا في نفسه وأعلن لنا ذاته من خلال علاقته بالابن في الروح القدس، ومن خلال تنازل الابن وتجسده لكي يشترك معنا في اللحم والدم ونشترك  نحن في لاهوت الرب الظاهر في الجسد،[11] لذا قال القديس أثناسيوس: “إنه أكثر حق وتقوي أن نتعرف علي الله من خلال الابن وندعوه “الآب” علي أن نسميه من خلال أعماله فقط وندعوه “غير مخلوق”[12] ” وأكد مجمع نقية علي محورية علاقة الآب بالابن في الروح من جهة الإيمان وأسبقيتها وشمولها عن علاقته بالخليقة من حيث معرفة الله.

وتؤكد كلمات الكتاب المقدس في أكثر من موضع أن السبيل الوحيد للحضور للآب ومعرفته هو معرفه إعلان إبنه:

اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ. (يو 1: 18)[13]

قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي. (يو 14: 6)[14]

كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الاِبْنَ إِلاَّ الآبُ وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الاِبْنُ وَمَنْ أَرَادَ الاِبْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ. (مت 11: 27)

وحين طلب فيلبس من المسيح رؤية الآب كان رد المسيح في تأكيد أكثر أنه هو السبيل الوحيد لتلك الرؤيا التي يحلم بها فيلبس

قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ: «يَا سَيِّدُ أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا مَعَكُمْ زَمَاناً هَذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ أَرِنَا الآبَ؟ (يو 14: 8 – 9)

وهكذا يصبح مفهومنا أنه بالرجوع لعلاقة الابن الداخلية بالآب والتي إستُعلنت لنا في تجسد الابن، نستطيع الدخول لشخص الرب[15]، ومعرفته بحق، لذا سنسير معاً في تلك السلسلة نتتبع إعلان الله عن نفسه في إبنه، ومعرفة الكنيسة (جسد الرب) بالرأس (المسيح) أي بشخص الرب من خلال اعلانه وكلمته، ومن خلال أنهار الحق والحياة تنفتح أعيننا علي شخص الرب وحياتنا الكائنة فيه وعلاقتنا به وببعض من خلاله، فمنه وبه وله كل الأشياء[16].

Romany Joseph
12th January 2013


[1]  عندما إمتدت الكنيسة المسيحية التي كان مركزها في اليهودية بفلسطين، إلي عالم البحر الأبيض المتوسط، واجهت كرازتها وتعاليمها بالإنجيل معارضة شديدة من المذهب المتطرف الخاص بالثنائيات، بين العقل والجسد، والذي كان سائداً في كل جانب من جوانب الحضارة اليونانية – الرومانية، وقد أدي هذا المذهب المتطرف إلي تقسيم الإختبار الإنساني إلي قسمين، مما اثر علي أنماط التفكير الأساسية في كل من الدين والفلسفة والعلوم علي حد سواء، وقد كان الفصل الذي نادي به أفلاطون بين عالم الحسيات (الأشياء المحسوسة)، وعالم المدركات العقلية (التي تُدرك بالعقل) والذي شدد عليه ارسطو، هو الذي تحكم في عملية الإنفصال الكامل بين الحدث الواقع والفكرة، ما يمكن أن يحدث وما هو موجود فعلا، المادي والروحي، المنظور والغير منظور، الزمني والأبدي، وكان هذا هو الأساس الذي بني عليه بطليموس – بطريقة علمية – العلم الخاص بالكونيات، والذي ساد علي المذهب الأوربي لألف عام، وقد نتج عن مذهب الثنائيات هذا، والذي سيطر علي كل شئ، وأدي إلي إستبعاد الله من عالم الواقع الحاصل في الزمان والمكان.

وعندما نودي بالبشارة المسيحية في هذا المناخ، سرعان ما نشأ نزاع حاد بين أنماط الفكر الهلليني والعبري، وأيضا بين أسلوب التفكير الأسطوري الذي يرتكز علي عقل الإنسان، وإسلوب التفكير الاهوتي الذي يرتكز علي الله نفسه.

الإيمان بالثالوث – الفكر الاهوتي الكتابي للكنيسة الجامعة في القرون الأولي – توماس ف. تورانس – ص 66

[2]  وبالرغم من جمال وضخامة الخليقة المرئية، إلا أنها ليست كافية لتعطينا فكرة وافية عن قوة الله، إنها أقل بكثير من أن تعطي فكرة عن عظمة وقوة من صنع كل هذه الأشياء، لذلك الأنبياء وجدوا سبيلاً آخر توصولوا به علي قدر طاقتهم فكشفوا لنا المزيد عن قدرة الله، فما هو ذلك السبيل؟

القديس يوحنا ذهبي الفم – ضد الأنوميين – الرسالة الأولي – فقرة 25

[3]   Hilary, De Trin., 2.6f

[4]  علم باسيليد الغنوسي الإسكندري مستندا علي تعبير أفلاطون أن الله أعلي من كل الوجود حتي أننا لا نقدر أن نقول شئياً إجابياً عن الله ولكننا فقط نقد أن نقول شيئاُ عن ما “ليس هو” الله وقد أوضح ق. غريغوريوس النيزيزي أننا إذا لم نستطع ان نقول سيئاُ إجابياُ عن ما “هو” الله فبالتالي نحن لا نقد أن قول بدقة أي شئ عن ما “ليس هو” الله

Cf. Cregory Naz., Or, 28.9; Athanasius Ad mon., Basil, con.

[5]  إن معرفة الله في ذاته أو وفقاً لما هو ذاته تعني إنما تعني معرفة الله فقط كما أعلن هو عن ذاته، أي معرفته في علاقته الداخلية الأقنومية كآب وابن وروح قدس، ويكون ذلك هو المدخل السليم لمعرفة الخليقة والإنسانية.

[6]  الإيمان بالثالوث – الفكر الاهوتي الكتابي للكنيسة الجامعة في القرون الأولي – توماس ف. تورانس– ص 71

[7]   نفس المرجع السابق

[8]  من هنا ندرك أن الشركة هي أساس الوجود وأن أي كيان حقيقي لا يمكن معرفته بدون شركة وهذا ما أنجزه الأباء، وإذ كان الوجود شركة فإننا لا نفهم الموجود بل لا نستطيع أن نفهمه إلا من خلال علاقة.

الوجود شركة – المطران يوحنا زيزيولاس – تعريب مؤسسة القديس أنطونيوس – ص18

[9]  إن أردنا حقاً أن تعرف الله فلا بد أن تكون قد أُعطيت نقطة للدخول إليه، بيحث تكون تلك النقطة في كل من الله ذاته، وفي كياننا نحن كمخلوقات،  وهذا هو بالتحديد ما حصلنا عليه في التجسد، حيث إعلان الله عن ذاته “كآب”  يتم من خلال إعطاء ذاته لنا في يسوع المسيح إبنه، وعندما يعطينا الله أن نصل لمعرفته بهذه الصورة فهو يفعل ذلك في إطار الزمان والمكان أي داخل حدود ما يمكن ان نفهمه نحن البشر، وفي نفس الوقت، فإن المعرفة التي يعطيها لنا الله عن ذاته في ابنه المتجسد يكون مركزها الله في ذاته وبالتالي يكون كل فهمنا البشري لله وكل تصوراتنا عنه يمكن فحصها وضبطها وفقا لطبيعته الإلهية

الإيمان بالثالوث – الفكر الاهوتي الكتابي للكنيسة الجامعة في القرون الأولي – توماس ف. تورانس– ص 73

[10] See especially Athanasius, Expositio fidei 1-4

http://www.ccel.org/ccel/schaff/npnf204.x.ii.html

[11]  شدد لاهوت الأباء منذ بداية تكوينه علي حقيقة هامة و وهي ان الإنسان قادر أن يقترب من الله من خلال الابن وفي الروح القدس فقط دون اي اسلوب ووسيلة أخري

الوجود شركة – المطران يوحنا زيزيولاس – تعريب مؤسسة القديس أنطونيوس – ص25

[12] Athanasius, Ad Afr., 4-11; Ad Jov  

[13]  والأية بحد ذاتها تضع الله في السمو المطلق وتقنع الإنسان الذي تعلق بفحص الله أن يعود إلي بيته ودائرة محدوديته، كما تقنع الإنسان الذي يتحرق شوقاً وحبا لله أن يلتجئ إلي الابن المتجسد ليشبع منه وفيه كل اشتياقاته وحبه،فالابن المتجسد هو الابن المحبوب الحامل ليس فقط لمعرفة الآب بل حبه.

الأب متي المسكين – تفسير إنجيل يوحنا – شرح الأية (يو 1: 18) – ص 118 

[14]  وبقول الرب هذا يكون المسيح قد قطع خط الرجعة علي أي إدعاء باي وساطة أخري لأي علم أومعرفة أو روح ليشترك من قريب أو من بعيد في الوصول إلي الله، فهو طريق الخلاص الوحيد الموصل للآب.

الأب متي المسكين – تفسير إنجيل يوحنا – شرح الأية (يو 14: 6) – ص 826

[15]  فمعرفة الله بالإيمان هي دخول إلي الله مُصرح به، والدخول في طبيعة الله هو أخذ وشركة وامتلاك، هذا العمق ادركه الأباء العظماء الاهوتيون الأوائل، فقالوا بإختصار أن اللاهوتي هو من دخل إلي الله وخرج وخبر.

الأب متي المسكين – تفسير إنجيل يوحنا – شرح الأية (يو 14: 10) – ص  837

[16]  (رو 11: 36)

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in رؤيا لاهوتية للعلاقات and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

14 Responses to رؤيا لاهوتية للعلاقات | 2 | الآب والطريق إليه

  1. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 3 | علاقة الآب بالابن | Romanyjoseph's Blog

  2. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 3 | علاقة الآب بالابن | Romanyjoseph's Blog

  3. andrew4truth says:

    It’s full of light and truth

    2013/1/12 Romanyjoseph’s Blog

    > ** > RomanyJoseph posted: ” حاولت الكثير من الأديان والفلسفات التوحيدية إلي > معرفة شخص الله الآب عن طريق الإجتهاد نحو إكتشاف شخصه، سواء كان بالفلسفة[1]، > أو التأمل، أو اÙ”

  4. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 4 | علاقة الابن بالخليقة | Romanyjoseph's Blog

  5. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 5 | علاقة الابن بالإنسان قبل السقوط | Romanyjoseph's Blog

  6. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 6 | علاقة الإنسان بالخليقة قبل السقوط | Romanyjoseph's Blog

  7. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 7 | إبليس : أول من كسر العلاقات | Romanyjoseph's Blog

  8. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 8 | دخول الخطية وإنهيار العلاقات | Romanyjoseph's Blog

  9. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 9 | انتشار الفساد وتفشي الموت | Romanyjoseph's Blog

  10. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 10 | وقفة: غرباء.. بدون مسيح | Romanyjoseph's Blog

  11. magedzakhary says:

    اول مرة ابدأ اقرأ هذة السلسلة بتأنى … حقا انا متشيق جدا فى قراءة باقى السلسلة

  12. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 6 | علاقة الإنسان بالخليقة قبل السقوط | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s