رؤيا لاهوتية للعلاقات | 4 | علاقة الابن بالخليقة

creation-and-gods-goodness

وُلد الابن من الآب قبل كل الدهور كما شرحنا في الجزء السابق، وًلد في الروح، وصارت الشركة في الثالوث هي شركة حب وحياة وقداسة يملؤها فرح، الآب يحب الابن في روح الحب (الروح القدس).

وهنا…نكرر أن الثالوث علاقة بين طرفين (الآب والابن) يربطهما روح الحياة والحب (الروح القدس)، وليست ثلاثة أطراف كما تعودنا أن نتخيل، فتصوير الثالوث ورسمة بالمثلت أمر شائع في المسيحية لكنه أمر غير صحيح ويفقد الإنسان فيه إعلان الثالوث.

إفتح أي صفحة بحث علي الإنترنت وإبحث عن صور لكلمة (Trinity)  والتي تعني الثالوث بالإنجليزية، ستجد كل الرسومات ترسم الثالوث كمثلث وبعضها يرسمه كمثلث غير واضح الأطراف ومتداخل[1] وكأننا نصر أن نضع لمسه من الغموض والضبابية لما أعلنه الله بوضوح لنا، فنُصور الثالوث علي أنه امر مربك ومحير، بينما الأمر في غاية البساطة والعمق، سر الثالوث معلن في كل الخليقة كما هو مُعلن في ذات الله، كل الخليقة علاقة بين طرفين بروح الحياة[2] وهذا ببساطة الأطفال وعمق الله…هو الثالوث.

الخليقة

كُنْتُ (الابن يتكلم) عِنْدَهُ (عند الآب) صَانِعاً وَكُنْتُ كُلَّ يَوْمٍ لَذَّتَهُ فَرِحَةً دَائِماً قُدَّامَهُ. فَرِحَةً (الآب) فِي مَسْكُونَةِ أَرْضِهِ وَلَذَّاتِي (الابن) مَعَ بَنِي آدَمَ. (أم 8: 30 – 31)

طبيعة الحب المتفجرة كينابيع غمر في كيان الله لا تهدأ، تريد دوماً أن تفيض، ومن هنا وٌجدت الخليقة، الفلسفات ذهبت لتطرفين في إستيعاب “أسباب الخلق”.

الأول: أن الله خلق الخليقة كنوع من أنواع التفضل والتكرم وإن كان ذلك يحمل شئ من الحقيقة لكنه تم صياغته بطريقة أغفلت الحب فصار الإنطباع الموجود عن الخَلق أن الله القي بعض الحبوب من جعبته نحو مجموعة من الدجاج الذي إقتناه[3]، ويعطي إنطباع أكيد أن من يخلق بتلك الطريقة سيكون منفصلاً عن خليقته لكونها شئ لا قيمه له، اعطي منحة وتم تركه بعيداً وعاد الله بعد الخلق لعالمه الخاص وربما يزور الخلقية زيارات متقطعة ومبهمة من حين لآخر، وهو باختصار يجعل الخليقة دوماً في حالة عامة من التغرب عن الخالق وهو أبعد ما يكون عن فكر الله.

بينما ذهب التطرف الثاني إلي أن الله كان عنده احتياج ليخلق الإنسان والخليقة لأن محبته كانت فياضة لدرجة الاحتياج[4]، وهو تطرف ظهر كنتيجة طبيعة للرفض التطرف الأول والإنحراف من أقصي اليمين لأقصي اليسار دون التروي وأخذ اعلان حقيقي وحي من شخص الرب بحقيقة الإيمان وأعماق الله.

جانب التطرفين الصواب بسبب إغفال جوهر الحب حتي أن ذلك إنعكس علي تسمية التفسير ب”أسباب الخلق” وما يتضمنه التسمية من جمود لا يتعامل مع الله كشخص والخليقة كمولود! بل يجعل الخالق قوة عليا ميكانيكية والخليقة ظاهرة فزيائية نريد فهم تحركاتها.

أما لو كان سؤالنا عن “سر الخلق”[5] فنجد أنفسنا نسبح في أعماق الله بقدر ما أعلنه لنا، فالروح يفحص كل شئ حتي أعماق الله[6]، وفي أعماق الله… نجد أنه لم يخلق علي سبيل الإضطرار لأنه ببساطة كامل ومنزه عن الإحتياج، ولم يخلق شفقة وفضلاُ بالطريقة البشرية المتعالية التي نسقطها علي الله، لأن من يعطي بهذه الطريقة (أي الشفقة) هو شخص متمحور حول ذاته ومهتم بنفسه أكثر من اللآخر، لذا حتماً سينفصل عن عطيته ويعود لأموره الخاصة، أما الله فمحب ليس فيها أي ذات أو انانية، فالخالق لا يحسد احداً علي أي شئ[7].،وحين خلق الله الكون، فقد فاض بنعمته فيه وأودعه سر الحياة، وجعل الخليقة متحدة به وقائمة فيه وبه[8].

فالابن الذي ولد من الأب قبل كل الدهور (خارج الزمن) والمذخر فيه كنوز الحكمة والمعرفة[9] ، إذ استلم حياة الآب في ذاته[10]، ولدت مع ولادته الأزلية نفس المشئية الموجودة في الأب، وهي أن يفيض بالحب، وأن تخرج منه خلقية تتذوق روح الحياة والوجود وتشترك مع الله، فقام الابن بعمل العالمين[11] حسب مشيئة الآب، وأوجَد الخليقة، وحسب تعبير القديس أثاناسيوس كيرلس الكبير، الأب خلق جميع الأشياء بالكلمة في الروح[12].

قام الابن بخلق الخليقة كلها… لأجل إمتداد الشركة في ذلك الحب العجيب الذي بين الأب والابن في الروح، لكي تشترك الخليقة كلها في تلك المحبة، ويصبحوا أعضاء في عائلة الله. فالروح القدس المبنثق من الأب هو روح الحياة الفياضة الذي للابن، ومن طبيعته أن يكمل فيض الحب وأن يستمر في الفيضان، ومن هنا، خلق الله الكون الآب بالابن في الروح.

يقول القديس أثناسيوس: “الكلمة .. الكلي القدرة .. إذا اتحد بالكون وكشف عن قواته في كل مكان وأنار الكل ما يرى وما لا يرى، وهو يمسكها كلها ويربطها بنفسه دون أن يترك شيئًا خاليًا من قوته .. “(ضد الوثنيين 42: 1 )[13]

فالخلقية وعملية الخلق هي امتداد لسريان حب الله من الأب للإبن[14]، لذا، من خلال شخص الله نري أن الخليقة موجودة لأنها محبوبة ومدعوة للشركة مع الخالق المحب[15] في علاقة يفيض فيها الابن بحياته نحو الخليقة.

لقد ذكر القديس اثناسيوس أن الابن يستمد وجودة من الآب والخليقة تستمد وجودها من الابن[16] وأنها قائمة في الابن وليس خارجه كما نتخيل وهو ما ينفيه الكتاب المقدس حين يتكلم عن الابن كخالق والخليقة موجوده فيه وليس خارجه[17]، حتي أنني حين بحثت عن صورة للخلق، كانت كل الصور ترسم الخليقة ككيان منفصل عن الله وفي احسن الأحول مستقر بين يدي الابن، إلا صورة واحدة رسمت الخليقة في كف الابن وكجزء من يديه، وهو ما يؤكد تغرب اغلبيتنا عن حقيقية قيام الخليقة في الابن، فنحن دوما نتصور الخليقة في أحسن الأحوال ممسوكة في يد الله كضابط للكل وسيد، لكننا ننسي أنها موجوده فيه وسر حياتها هو قيامها في الابن والآب ضابطها لانها قائمة في إبنه[18].

فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشاً امْ سِيَادَاتٍ امْ رِيَاسَاتٍ امْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. اَلَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ (كو 1: 16 – 17)[19]

إن غياب ذلك الحق اللاهوتي العميق والبسيط في أن واحد، يجعل الخليقة (وبالطبع الإنسان كتاج للخليقة) شئ منعزل عن الله ومقطوع، يجعل الله في دائرة والعالم في دائرة، ربما يفتقده الله من بعيد ببعض العطايا، أو بشئ من الرحمة، أو بزيارات رأفة، لا أكثر… وهكذا يحيا كثيرين، غير مدركين أنهم دوماً قائمين في الابن وفي شخص الله.

بل أن بولس الرسول يعلن أن الخليقة كلها بعد أن سقطت وتشوهت (وسنأتي لذلك لاحقاً) تشتهي التبني وتئن حالياً وتنتظره لتعود لمكانها في حضن الابن.

لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ. إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ – لَيْسَ طَوْعاً بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا – عَلَى الرَّجَاءِ. لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضاً سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ. فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعاً إِلَى الآنَ. (رو 8: 19 – 22)

بل انظر عزيزي القاري كيفية البساطة والترابط الشديد بين علاقة الابن بالخليقة وتجسد الابن، ستجد أمراً مذهلاً، فإن كل من ينكرون التجسد ولا يستوعبونه، هم لا يفهمون علاقة الله بالخليقة وإرتباطها منه، لذا تجدهم إن يروا الله غير مشترك بخليقته، يروا كنتيجة طبيعية أنهم يروا أن الله لا يشترك في جسد الإنسان ويصلون لأن التجسد أمر مهين، وقد اورد القديس اثناسيوس الرسول فصلاً كاملاً في كتاب تجسد الكلمة يشرح فيه خلق البشرية، ويعلل ذلك أن كلامه متصل بشرح التجسد لانه أصل التجسد هو سر الخلق[20].

Romany Joseph
18thJanuary 2013

الأجزاء السابقة:

رؤيا لاهوتية للعلاقات | 1 | مقدمة
رؤيا لاهوتية للعلاقات | 2 | الآب والطريق إليه
رؤيا لاهوتية للعلاقات | 3 | علاقة الآب بالابن


[1]  حين نتحدّث عن الثالوث، نلجأ عادة إلى تشبيهات معيّنة كالمثلث الذي هو صورة هندسيّة واحدة ذات ثلاثة أضلاع متساوية. أو نشبَّه الثالوث أيضًا بنبتة البرسيم التي تتكوّن من ثلاثة أوراق أو بإصبع واحد ذي ثلاث سلاميَّات. أو نشبّه الثالوث بعقل الإنسان الذي يتمتع بثلاث طاقات: الذكاء والذاكرة والمخيلة. أو نقول إنَّه كالشمس التي هي ضوء وحرارة وقرص. بالحقيقة أكره تمامًا كل هذه التشبيهات لأنّها تشوّه مفهوم الثالوث، وهي غير مقنعة للعقل على الإطلاق

الأب هنري بولاد اليسوعي – منطق الثالوث

[2]  إن الروح القدس بمثابة سهم ذي اتجاهين، يمثّل ديناميّة الحبّ بين الآب والابن وحركة العطاء المتبادَل بينهما. وهو السهم الذي يدفع كلاً منهما نحو الآخر. هو في الآن نفسه يربط ويوحّد بينهما… لذلك نرى الكنيسة، في ختام صلواتها، تذكر دائمًا الآب والابن ” في وحدة الروح القدس “… فالروح القدس شرط لتحقيق المحبّة الإلهيّة، بلّ هو المحبّة بالذات.
الأب هنري بولاد اليسوعي – منطق الثالوث
(في نفس المرجع السابق يشرح الأب هنري الخلاف الأرثوذكسي الكاثوليكي حول إنبثاق الروح من الآب أو من الآب والابن بإسلوب بسيط وسهل)

[3]  يبدوا لنا احيانا كلمة حب الله ضعيفة وباهتة, فنتصور انه يلقي لنا بحبه كما نلقي ببقايا الطعام الي الدجاج, احبك,…احبكم جميعا…لكن, وجودكم لا يهمني لعدمه, فانا الغني احبكم، هذا هو تصورنا عن حب الله, لاننا وضعنا الله فوق ونحن تحت, فما قيمة هذا الحب,وما معناه, ومن الذي يريد حبا كهذا, بالطبع لا احد”

الاب هنري بولاد اليسوعي  – الانسان وسر الوجود

[4]  Athanasius Con. Ar.,3.59-63

[5]  للمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة كتاب الإيمان بالثالوت – الفكر الكتابي للكنيسة الجامعة في القرون الأولي – توماس ف. تورانس – الفصل الثالث: الخالق-ضابط الكل

[6]   (1كو  2 :  10)

 [7] ذكر القديس أثناسيوس هذا التعبير في المقال السابق (ضد الوثنيين) فصل41 وبأكثر وضوح: “والصالح لا يمكن أن يحسد (أحدًا) على أى شئ، ولهذا السبب فإنه لا يمكن أن يحسد أحدًا حتى على الوجود، بل يُسّر أن يوجد الجميع ليتمكن أن يُظهر لهم محبته للبشر”. وهي من أهم محاور فهم سر الخلق فالله لا يبخل بصلاحه لنفسه ولا يحتفظ به لذاته، وأستخدم نفس التعبير القديس ارنياؤس في الرد علي أفلاطون

Irenaeus, Adv. Hear.,  3 praef. And 41, vol.2, pp 1ff; 4.25. 1f, pp. 184ff; 4.63.1, p.294f; Plato, Timaeus, 29e-30b. cf.philo, de migr. Abr.,32

Athanasius, Con, Gent., 41; De inc, 3; cf, Con.Ar., 2.29

[8]   أما السبب الذي لأجله اتحد الكلمة، كلمة الله، نفسه بالمخلوقات فهو عجيب حقاً، ويعلمنا أن النظام الحالي للأشياء لائق كل اللياقة. لأن طبيعة المخلوقات – وقد برزت إلى الوجود من العدم – زائلة وضعيفة وفانية، أن كان مكونة من نفسها فقط. على أن اله الكل صالح وسام في النبل بالطبيعة، ولذلك فهو رحوم. لأن الشخص الصالح لا يمكن أن يحسد أحداً، ولذلك السبب فإنه لا يمكن أن يحسد أحداً حتى على الوجود، بل يتمنى أن يوجد الجميع ليظهر فيهم رأفته وحنانه.

 إذاً فإنه إذ رأى أن كل الطبيعة التي خُلقت زائلة وعرضة للانحلال، وفق نواميسها، ولكي لا تنتهي إلى هذا المصير، ولكي لا يتحطم الكون مرة أخرى ويعود إلى العدم، لهذا خلق كل الأشياء بكلمته الأزلي، وأعطى الخليقة وجوداً كيانياً، وعلاوة على ذلك لم يتركه يطوح به في عاصفة في اتجاه طبيعته، لئلا يتلاشى من الوجود مرة أخرى. ولكنه نظراً لصلاحه يرشد كل الخليقة ويركزها بكلمته الذي هو نفسه الله أيضاً، لكي يكون للخليقة نور بتدبير ورعاية وتنظيم “الكلمة”، ولكي تتمكن من أن تستقر آمنة دواماً. لأنها تشترك مع “الكلمة” الذي يستمد الوجود الحقيقي من الآب، وتستمد منه المعونة للوجود، لئلا يصيبها ما كان ممكناً أن يحل بها لولا بقاؤها بواسطة “الكلمة”، أي لئلا يصيبها الانحلال، لأنه “هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة. فانه به وفيه كل الأشياء كائنة، ما يُرى وما لا يُرى، وهو رأس الكنيسة” كما يعلم خدام الحق في كتاباتهم المقدسة .

القديس أثناسيوس الرسول – ضد الوثنين 41: 2 –

[9]  الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ. (كو 2: 3)

[10] لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ كَذَلِكَ أَعْطَى الابن أَيْضاً أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ (يو 5: 26)

[11]  بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ. (عب 11: 4)

[12] Athanasius, Ad Ser., 3.5.

[13]  إذاً فإن كلمة الآب القدوس، الكلي القدرة، والكلي الكمال، إذ اتحد بالكون وكشف عن قواته في كل مكان، وأنار الكل، ما يُرى وما لا يُرى، وهو يمسكها كلها ويربطها بنفسه، دون أن يترك شيئاً خالياً من قوته، بل بالعكس يحيي كل شيء، ويعضد كل شيء في كل مكان، كل شيء على انفراد، وكل الأشياء مجتمعة، ويجمع إلى واحد مبادئ كل الكائنات المحسوسة، بفضله وبفضل قوته لا تتنازع النار مع البرودة، ولا الرطوبة مع الجفاف، بل تمتزج معاً المبادئ المتناقضة كأنها أخوة أو أصدقاء، وتعطي حياة للاشياء التي نراها، وتكون المبادئ التي بها توجد الاجسام، وبإطاعته – أي بإطاعة الله الكلمة – فإن ما على الأرض يحيا وما في السماء ينتظم. وبفضله تتحرك كل البحار والمحيطات العظمى في حدودها المعينة، بينما – كما قدمنا – تعطي الأرض الجافة أعشاباً وتكتسي بكل أنواع النباتات. ولعدم اضاعة الوقت في تعداد التفاصيل مع وضوح الحق نقول انه لا يوجد شيء كائن يشغل حيزاً إلا وخلق به، وقائم به، كما يقول أيضاً اللاهوتي “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان”.

وكما انه إذا ضبط موسيقى قيثارة، وبذكائه جعل النغمات العالية متوافقة مع المنخفضة، والنغمات المتوسطة مع بقية النغمات، وكانت نتيجة هذا إعطاء نغمة واحدة، هكذا ايضاً إذ امكست حكمة الله الكون كقيثارة، فجعلت ما في الهواء متوافقاً مع ما على الأرض، وما في السماء متوافقاً مع ما في الهواء، واتحدت الجزء مع الكل، محركاً كل الأشياء باشارته وارادته، كانت النتيجة الطيبة الجميلة وحدة الكون ونظامه، اما هو فإنه يلبث – غير متحرك – مع الآب، مع انه يحرك كل الأشياء بتدبيره كما يبدو صالحاً لكل شيء أمام أبيه.

القديس أثناسيوس الرسول – ضد الوثنين 42: 1

[14]  لقد حدث تنازل من جانب الكلمة، وهو تنازل جعل الكلمة يمسك بالخليقة. ويشرح أثناسيوس بعد ذلك هذا بدقة أكثر “الابن الوحيد وذات كلمة الله هو خالق وصانع كل الأشياء، لأنه “بحكمتك أنت خلقت كل الأشياء (مز  104: 24  )،  ولكن ما جاء من العدم إلى الوجود لا يبقى فقط موجودًا، بل يصبح أيضًا صالحًا، فسر الله أن يتنازل حكمته إلى المخلوقات لكي يطبع ختمًا وشبهًا”impress and semblance “من  صورته على الكل، فيشترك فيه كل واحد ويظهر أن كل بشر مخلوق، هو حكيم ويعمل أعمالا تليق بالله، وكما أن ابن الله هو الكلمة، فإن كلمتنا نحن هي صورة للابن الكلمة. وكما أنه هو الحكمة، فإن كلمتنا هي الحكمة التي ُ غرست فينا كصورة، فصارت لنا قوة معرفة وفكر، وبذلك صرنا نائلين من الحكمة الصانعة، وبهااستطعنا أن نعرف أبيها “لأن الذي رأى الابن قد رأى الآب أيضًا” “ومن قبلني فقد قبل الآب الذي أرسلني”، ولما كان لنا ختم الحكمة مطبوعًا ومخلوقًا فينا، فصار في الكل مصدر كل عمل إنساني، لذلك السبب عينه يقول الحكمة الحق والصانع عندما يتجسد ويأخذ من صورته “الرب خلقني”، فما يقوله الحكمة فينا هو ما يقوله الرب نفسه وكمن يخصه رغم أنه لم يُخلق، وإنما : أو أعماله” (أمثال 8 ( هو الخالق ولكن بسبب صورته التي خلقها في أعماله (المخلوقات) يقول هذه الكلمات عن نفسه”

من كتاب – حاجاتنا للثالوث – الدكتور جورج بباوي

[15]  ثم جاء وتجسد واتحد بصورته التي سبق وطبعها في الخليقة، فقد قال إن “الرب خلقني” مشيرًا إلى أنه اعتبر ما يخص الخليقة يخصه هو بالذات، وإن الابن يمكن أن يضم صوته إلى صوت الخليقة التي جاء لكي يجعلها إبنا للآب

القديس أثناسيوس – ضد الآريوسيين  2: 64

[16]  راجع هامش 3

[17]  ويتمادى الوحي في رسالة كولوسي ويقول عن الابن إنه «بكر كل خليقة» (كو 15:1)، بمعنى أن كل خليقة إذ خرجت منه بقي هو حاملاً صورتها فيه، فحُسب » بكر كل خليقة « أي السابق والأول على كل خليقة. بهذا يُمعن الوحي في وصف الانتساب الوثيق الذي بقيت الخليقة عليه بالنسبة للابن خالقها. هذا الوضع الانتسابي الفائق بين الابن الخالق والخليقة المخلوقة يكشف عن التبعية التي تدين بها كل خليقة للابن بصفته صاحبها وحاملها، فهي تبعية الملكية الخاصة جداً، كملكية يهوه قديماً لشعب إسرائيل. فهو على مستوى الربوبية وهي على مستوى العبيد الأخصاء. فالابن هو رب الخليقة عن حق وأصالة، وأيضاً عن فعالية ديناميكية، إذ هي باقية فيه وتتحرك به: » فيه يقوم الكل « » وحاملٌ كل الأشياء بكلمة قدرته «(كو15:1؛ عب 3:1). فهي ديناميكية حية، هو كربٍّ يرعى، وهم عبيد منتسبون له يعبدون، هو لها وهي له.

الأب متي المسكين – في اللاهوت – سلسلة ألقاب المسيح (المسيح رب) – ص 9 – 10

[18]  إستخدم المسيح هذا التعبير حين تكلم مع التلاميذ في حديثه الأخير(يو 15: 1) ليوضح حقيقة قيام الخليقة في المسيح حين ردها لنفسه بعد سقوطها

[19]  ولكن الله لم يمنح الخليقة للابن جزافاً. فالخليقة بعد أن خلقها الابن بقيت قائمة “فيه” منتمية إليه – كما تقول الآية: » الذي هو قبل كل شيء وفيه يقوم الكل «(كو17:1). بمعنى أن الخليقة بعد أن أخذت بدايتها منه وخرجت إلى الوجود بقيت قائمة فيه، على أن الابن لا يُحسب من الخليقة، إذ توضِّح الآية أنه “قبل كل شيء”.

الأب متي المسكين – في اللاهوت – سلسلة ألقاب المسيح (المسيح رب) – ص 9

[20]  وربما تتساءل، لماذا بينما نقصد أن نتحدث عن تجسد الكلمة، فإننا نتحدث الآن عن بداية خلق البشرية؟ لكن اِعلم أن هذا الحديث أيضًا يتصل بهدف هذا المقال.لأنه من الضروري عندما نتحدث عن ظهور المخلّص بيننا، أن نتحدث عن بداية خلق البشر، ولكي تعلم أن نزوله إلينا كان بسببنا، وأن تعدِّينا استدعى تعطف الكلمة، لكي يأتي الرب مسرعًا لمعونتنا، ويظهر بين البشر.فلأجل قضيتنا تجسد لكى يخلّصنا، وبسبب محبته للبشر قَبِلَ أن يتأنس ويظهر في جسد بشري

القديس اثناسيوس الرسول – تجسد الكلمة – الفصل الرابع

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in رؤيا لاهوتية للعلاقات and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.

13 Responses to رؤيا لاهوتية للعلاقات | 4 | علاقة الابن بالخليقة

  1. Marina Ramzy says:

    .بحث موضوعي قوي و متزن و محايد جداً و أن كنت أشعر في بعض الأحيان أنه يصعب علي أمثالي فهمه 🙂 أحترمت جداً ذكرك للمراجع
    عجبني قوي شرح الثالوث عكس تماماً كل اللي الواحد أتعلمه و هو الأمثله المذكوره كلها. فكر مختلف تماماً ( أرجو ألا تُتهم بسببه بأنك من أصحاب البدع 🙂 )
    برضه شرح جزئيه أن الخليقه موجوده في الأبن نفسه حقيقي تغيير نظره الأنسان عن تعاملاته مع تلك الخليقه

    God Bless you for such research
    Keep On Good Work

    • RomanyJoseph says:

      شكرا يا مارينا لتشجيعك
      الموضوع بدأ زي ما قلت في الجزء الأول بحاجة نورت قبل ما يكون بحث..علشان كدة أسم السلسة رؤيا وليس رؤية
      ربنا يبارك يا مارينا

  2. Michael says:

    في كذة حاجة مفهمتهاش يا روماني
    ما المقصود بالعامين في هذة الاية بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ.

    و من الذي اخضع الخليقة للبطل ؟ و يعني اية علي الرجاء؟
    مش فاهم الجملة علي بعضيها .
    لأَنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ. إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ – لَيْسَ طَوْعاً بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا – عَلَى الرَّجَاءِ. لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضاً سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ. فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعاً إِلَى الآنَ.

    و كالعادة مقال جميل و منتظر البقية

    • RomanyJoseph says:

      الأية الأولي ترجمتها غير واضحة
      معناها حسب فهمي أن الخليقة خرجت من العدم… واستخدمها القديس اثناسيوس في الرد علي الوثنين لانهم يومنون بأزلية المادة والخليقة

      اما الأية الثانية فهي تتكلم عن أن أدم هو الذي أخضع الخليقة للبطل لانه رأسها وهي تتبعه، فبسقوطه اُخضعت الخليقة للبطل وللشر علي الرغم منها
      والله أعلم 🙂

  3. Marina Francis says:

    what a picture !! 😉

  4. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 5 | علاقة الابن بالإنسان قبل السقوط | Romanyjoseph's Blog

  5. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 6 | علاقة الإنسان بالخليقة قبل السقوط | Romanyjoseph's Blog

  6. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 7 | إبليس : أول من كسر العلاقات | Romanyjoseph's Blog

  7. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 8 | دخول الخطية وإنهيار العلاقات | Romanyjoseph's Blog

  8. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 9 | انتشار الفساد وتفشي الموت | Romanyjoseph's Blog

  9. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 10 | وقفة: غرباء.. بدون مسيح | Romanyjoseph's Blog

  10. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 6 | علاقة الإنسان بالخليقة قبل السقوط | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s