رؤيا لاهوتية للعلاقات | 5 | علاقة الابن بالإنسان قبل السقوط

 god-human

أوجد الابن الخليقة كما تكلمنا في الجزء السابق لكي تكون كائنة فيه وتشترك بعلاقة حية مع الثالوث من خلال حياة الابن الذي يبثها في خليقته، لكنه أوجدها بترتيب عجيب وسري.

فقد أودع الابن صورة الثالوث في الإنسان حين خلقة[1]، ولنقف عند أول آية تكلمت عن خلق الإنسان وأول أية أعلنت سر الثالوث، ونري كيف أكدت إيداع صورة الله في الإنسان.

وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الانْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ وَعَلَى كُلِّ الارْضِ وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الارْضِ». فَخَلَقَ اللهُ الانْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرا وَانْثَى خَلَقَهُمْ. (تك 1: 26 – 27)

الذي (أي المسيح) هو صورة الله غير المنظور (الآب)، بكر كل خليقة (كو  1 :  15)

نستقي فهمنا لعلاقة الإنسان بالله من إعلان علاقة الآب بالابن، فكما أن الابن صورة الآب مولوداً منه قبل كل الدهور، جائت الحياة لتمتد من خلال الابن في الإنسان ليستلم الإنسان الحياة الكائنة في الابن من جهة ليكون الإنسان إبناً لله، وليكون علي صورة الثالوث من جهة، فخلقه الله علي صورته الأقنومية، خلقه علي صورته في الحب والحرية والوحدة الكيانية والشركة[2]، هذه هي مشيئة اللآب من جهة فيض الحياة، أن تنمو عائلة الله ويستمر فيضان الحب بلا إنقطاع، فالخالق لا يحسد احداً علي أي شئ[3].

وحيث أن الخطية هي الإنفصال علي الله وكسر الشركة، يستقر في إنطباعاتنا بسبب الخطية أن الله خلق بطريقة تجعل الإنسان “آخر” بالنسبة لله، بينما الله لا يريد أن يخلق شئ خارجاً عنه ومنفصلاً عنه، وقد تأكدنا من ذلك الحق حين إنفصل الإنسان عن الله بسبب سؤ إستخدامه لحريته، وقام الله بتدبير الفداء لكي يرد الإنسان إلي مكانته داخل الله في المسيح الكلمة المتجسد، وقد تم ملئ إستعلان الله، هذا هو فكر الله من أول يوم صَوَرَ الإنسان فيه، أن يكون للإنسان شركة في الله من خلال الكلمة (الابن)[4]، وأن يتمد الحب والحياة وتفيص كما فاضت من الآب للابن، ومن الابن للإنسان، وتوجد الخليقة والإنسان لكي يشتركا في فيض الحياة.

ونري في الأية أول إعلان أن الثالوث ليس تلاثة اطرف كما اعتدنا التخيل، فقد شرحت كلمات الوحي أنه  ” عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرا وَانْثَى خَلَقَهُمْ ” أي أن الثالوث صورته في ذكر وانثي مربوطين بعلاقة حب وروح الحياة، وهذا أول أسرار شخص الله المعلنة والمودعة فينا.

لذا، فالإنسان في وضعه إمتداد للحب من جهة، ومستعلن داخله صورة الثالوث من جهة اخري بتناغم فائق وسر عجيب، وإن كان أول إعلان عن أعماق الله نحو الإنسان أنه يخلقه علي صورته ليكون قائم في الابن ومشترك في شخص الله من خلال الكلمة، نجد أن الاعلان الثاني المذهل أن يقوم الإنسان بالإمتداد وأن يثمر ويفيض هو اللآخر بالحب ويخرج منه نسل كما خرج الإنسان من الابن، وكما خرج الابن من الآب[5].

وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «اثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلاوا الارْضَ وَاخْضِعُوهَا وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الارْضِ».  (تك 1: 28)

ولتمد عائلة الله ويسري الحب من الآب للابن ومن الابن للإنسان ومن الإنسان لاولاده[6]، وليسري التناغم في الخليقة من خلاله[7]، حقاً نحن لا نعلم الكثير عن علاقة الابن بالإنسان في بداية الخليقة، ولا ما في قلب الله وقتها حيث أن ما ذُكُر كان قليلاً، لكننا نستطيع أن نعرفه أكثر وأكثر جداً بكل فيض وغني حين نتعرف علي الابن المتجسد، ففيه وفي إعادته للإنسانية من سقوطها نستطيع أن نعرف ما في أعماق الله نحو الإنسان وأنه يريد أن يكون الجميع واحد كما أعلن[8]، وأن يكون فينا ونحن فيه ومكملين إلي واحد[9]، وهذا ما سنتناوله بالتفصيل في باقي السلسلة بإذن الرب.

Romany Joseph
22 nd January 2012

الأجزاء السابقة

رؤيا لاهوتية للعلاقات | 1 | مقدمة
رؤيا لاهوتية للعلاقات | 2 | الآب والطريق إليه
رؤيا لاهوتية للعلاقات | 3 | علاقة الآب بالابن
رؤيا لاهوتية للعلاقات | 4 | علاقة الابن بالخليقة


[1]  الله صالح بل هو بالأحرى مصدر الصلاح. والصالح لا يمكن أن يبخل بأى شئ وهو لا يحسد أحدًا حتى على الوجود. ولذلك خلق كل الأشياء من العدم بكلمته يسوع المسيح ربنا، وبنوع خاص تحنن على جنس البشر. ولأنه رأى عدم قدرة الإنسان أن يبقى دائمًا على الحالة التي خُلق فيها، أعطاه نعمة إضافية، فلم يكتف بخلق البشر مثل باقي الكائنات غير العاقلة على الأرض، بل خلقهم على صورته وأعطاهم شركة في قوة كلمته حتى يستطيعوا بطريقة ما، ولهم بعض من ظل (الكلمة) وقد صاروا عقلاء، أن يبقوا في سعادة ويحيوا الحياة الحقيقية، حياة القديسين في الفردوس.

القديس اثناسيوس الرسول – تجسد الكلمة – الفصل الثالث

[2]  مماسبق يظهر لنا أن الوجود الإنساني كشخص وكصورة الله يضع الإنسان امام اختيارين. إما حرية المحبة وإما حرية العدم والموت، وحرية العدم والموت علي الرغم من الجانب القاتم الذي فيها، إلا أنها تكشف عن ممارسته للحرية الشخصية.

المطران يوحنا زيزيولاس – الوجود شركة – الترجمة العربية ص 74

 [3] ذكر القديس أثناسيوس هذا التعبير في المقال السابق (ضد الوثنيين) فصل41 وبأكثر وضوح: “والصالح لا يمكن أن يحسد (أحدًا) على أى شئ، ولهذا السبب فإنه لا يمكن أن يحسد أحدًا حتى على الوجود، بل يُسّر أن يوجد الجميع ليتمكن أن يُظهر لهم محبته للبشر”.

[4]  الربط بين كون الإنسان له شركة في قوة الكلمة وبين كونه عاقلاً وحكيمًا هو تعليم اسكندرى منذ عصر فيلو ويشرح القديس أثناسيوس هذا الأمر في المقالة الثانية ضد الآريوسيين. فقرات 78ـ81

[5]  وأقرب صورة لـ “ذات الله” خلقها على مثاله لتعطينا قدرة على معرفته، إن تأملناها جيداً، هي ذات الإنسان: «وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا…» (تك 26:1)

وذات الإنسان  بصورتها الكاملة، كما تراها أيها القارئ السعيد، إذا تأملتَ نفسك، تجدها في وحدتها المتكررة التي حافظت على وجودها هذه الآلاف العديدة من السنين بالرغم من الموت الذي يلاحقها تحت مئات العوامل المميتة؛ تتكون من “أب” و “ابن” (وطبعاً من “أُم” و“بنت”). الأب يسلِّم حياته لابنه ويموت، والابن يكبر ويصير أباً، وبعد أن يسلِّم حياته لابنه يموت، وهكذا. هذه الأُبوَّة والبنوَّة والحياة التي منهما، هي “وحدة” المخلوقات طرًّا!

فلو كفَّت الأبوَّة أن تعطي الحياة للبنوة، أو كفَّت البنوة أن تقبل الحياة، أو كفَّت الحياة أن تكون؛ لكفَّ العالم عن الوجود المخلوق، إنساناً كان أو حيواناً أو أي حيٍّ يُرزق. هذه هي عناصر “الذات” الإنسانية التي فينا والتي نعيشها ونحسُّها وبها نوجد وندوم: أب وابن وروح!!

الأب متي المسكين –  في اللاهوت – الله واحد – ص 4

[6]  نفس المرجع السابق

[7]  وبفضله وبفضل قوته لا تتنازع النار مع البرودة، ولا الرطوبة مع الجفاف، بل تمتزج معاً المبادئ المتناقضة كأنها أخوة أو أصدقاء، وتعطي حياة للاشياء التي نراها، وتكون المبادئ التي بها توجد الاجسام، وبإطاعته – أي بإطاعة الله الكلمة – فإن ما على الأرض يحيا وما في السماء ينتظم. وبفضله تتحرك كل البحار والمحيطات العظمى في حدودها المعينة، بينما – كما قدمنا – تعطي الأرض الجافة أعشاباً وتكتسي بكل أنواع النباتات. ولعدم اضاعة الوقت في تعداد التفاصيل مع وضوح الحق نقول انه لا يوجد شيء كائن يشغل حيزاً إلا وخلق به، وقائم به، كما يقول أيضاً اللاهوتي”في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان”.

وكما انه إذا ضبط موسيقى قيثارة، وبذكائه جعل النغمات العالية متوافقة مع المنخفضة، والنغمات المتوسطة مع بقية النغمات، وكانت نتيجة هذا إعطاء نغمة واحدة، هكذا ايضاً إذ امكست حكمة الله الكون كقيثارة، فجعلت ما في الهواء متوافقاً مع ما على الأرض، وما في السماء متوافقاً مع ما في الهواء، واتحدت الجزء مع الكل، محركاً كل الأشياء باشارته وارادته، كانت النتيجة الطيبة الجميلة وحدة الكون ونظامه، اما هو فإنه يلبث – غير متحرك – مع الآب، مع انه يحرك كل الأشياء بتدبيره كما يبدو صالحاً لكل شيء أمام أبيه.
القديس اثناسيوي – ضد الوثنين – الفصل 42

[8]  لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِداً كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً وَاحِداً فِينَا لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي. (يو 17: 21) 

[9]    أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي. (يو 17: 23)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in رؤيا لاهوتية للعلاقات and tagged , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

6 Responses to رؤيا لاهوتية للعلاقات | 5 | علاقة الابن بالإنسان قبل السقوط

  1. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 6 | علاقة الإنسان بالخليقة قبل السقوط | Romanyjoseph's Blog

  2. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 7 | إبليس : أول من كسر العلاقات | Romanyjoseph's Blog

  3. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 6 | علاقة الإنسان بالخليقة قبل السقوط | Romanyjoseph's Blog

  4. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 8 | دخول الخطية وإنهيار العلاقات | Romanyjoseph's Blog

  5. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 9 | انتشار الفساد وتفشي الموت | Romanyjoseph's Blog

  6. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 10 | وقفة: غرباء.. بدون مسيح | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s