رؤيا لاهوتية للعلاقات | 6 | علاقة الإنسان بالخليقة قبل السقوط

984d4d_1bafa6349f0fbb87d4d7223ba70d58c1

وَلَدَ الآب الابن في الروح وكان الآب رأس الابن[1]… والابن أوجد الخليقة من العدم واعطاها نعمة الوجود والشركة فيه[2]، وأن تكون قائمة فيه (أي في الابن)[3]، قالرب أرد للخليقة أن تكون متحدة به لا منفصلة عنه[4]، وهنا نتوقع أن يكون الابن هو رأس الخليقة كما أن الآب رأس الابن، حتي تعلن الخليقة صورة خالقها وترتبط به من خلال الابن لكي تمتد الشركة من الخالق للخليقة، لكن هذا الكلام ليس دقيقاً، فحقيقي أن الله أرد أن تشترك الخليقة معه في الحياة التي للآب والابن وتحمل نفس الصورة[5]، لكنه أرد أن يحدث ذلك من خلال الإنسان، أي أنه أودع صورته في الإنسان لتصير شركة الرب مع الخليقة من خلال الإنسان حامل الصورة وحافظ الخليقة بوجوده وبقيامه في الابن، فكيف يكون هذا؟

إنه بالحقيقة أمر مذهل للعقول حين تنفتح أعيننا علي الكيفية التي أودع الله فيها صورته في الإنسان[6] لكي تمتد نحو الخليقة بمنتهي الحكمة والفطنة، ولنرجع ونعي شخص الله لكي نفهم الصورة، فقد قرر الرب أن يرسم أروع لوحة في الوجود، لقد رسم ذاته الفائقة السمو في الإنسان والخليقة [7] بل ومنح الإنسان أن يرسمها في الخليقة.

فالآب ولد الابن في الروح ولادة أزلية، الآب رأس الابن، والابن خلق الإنسان وأصبح الابن رأس الإنسان[8]، أي أن الله في ذاته ثالوثاً يحيا علاقة الأبوة والبنوة في الروح[9]، ومع الإنسان الذي خلقه أيضا يحيا الأبوة والبنوة[10]، فالشركة هي أصل الوجود في ذات الله ومع الخليقة، ولكي يحيا الإنسان حسب الصورة التي أنعم بها الرب عليه، ويكون علي صورته… يحتاج أن يختبر نموذج علاقة الآب بالابن أولاُ في ذاته، ثم ثانياُ مع ما يخلقه!!

ولكن الإنسان مخلوق من العدم وليس خالق[11]، أي أنه غير قادر علي الخلق مثل الله، لذا… فإن ما صنعه الله لأجل تهيئة الإنسان ليكون حامل لصوة الله هو مذهل بحق، لقد كان الله في خلقته للإنسان واضعاً صورته في الإنسانية بشكل لا يصدقه عقل، فلكي يحقق الرب صورة الثالوث في ذات الإنسان، خلقه ذكراً وأنثي خارجة من الرجل أي من نفس طبيعته (لحم من لحمه وعظم من عظامه) لكي تكون الشركة بين الرجل والمرأة علي نفس صورة ومثال الشركة بين الآب والابن في الروح[12]، شركة بها وحدة الجوهر والطبيعة، وتمايز الشخصية (الأقنوم).

فَخَلَقَ اللهُ الانْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ (صورة الجوهر الواحد للآب والابن في الروح).عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرا وَانْثَى خَلَقَهُمْ.(جوهر إنساني واحد لرجل وامرأء في الروح) (تك 1: 27)

فَاوْقَعَ الرَّبُّ الالَهُ سُبَاتا عَلَى ادَمَ فَنَامَ فَاخَذَ وَاحِدَةً مِنْ اضْلاعِهِ وَمَلَا مَكَانَهَا لَحْما. وَبَنَى الرَّبُّ الالَهُ الضِّلْعَ الَّتِي اخَذَهَا مِنْ ادَمَ امْرَاةً وَاحْضَرَهَا الَى ادَمَ. فَقَالَ ادَمُ: «هَذِهِ الْانَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هَذِهِ تُدْعَى امْرَاةً لانَّهَا مِنِ امْرِءٍ اخِذَتْ». (تك 2: 21 – 23)

ومن جهة أخري… لكي يختبر الإنسان صورة الله خارجاُ ولا يحيا محصورا في ذاته… أي مثلما خلق الله الإنسان وأوجده وأدخله في شركة معه… فقد خلق الابن الخليقة كلها للشركة من خلال الإنسان، وفي النهاية خلق الإنسان وأعطاه أن يكون رأس الخليقة، وتكون الخليقة وكأنها خارجة منه، وكما أودع الله نسمة حياة في الإنسان لتكون الصلة بين الله والإنسان، كان التراب هو الصلة بين الإنسان والخليقة، وكان الوجود المادي هو الوسيلة التي بها تنتمي الخليقة  للإنسان[13]، تماماً كما كانت نسمة الحياة هي الوسيلة والصلة الذي بها ينتمي الإنسان للرب[14].

وَجَبَلَ الرَّبُّ الالَهُ ادَمَ تُرَابا مِنَ الارْضِ (ليكون الإنسان مرتبط بالأرض ورأسها من جهة) وَنَفَخَ فِي انْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ (ليكون الابن مرتبط بالإنسان من جهة). فَصَارَ ادَمُ نَفْسا حَيَّةً.(تك 2: 7)

وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «اثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلاوا الارْضَ وَاخْضِعُوهَا وَتَسَلَّطُوا [15]عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الارْضِ». (تك 1: 28)

والآن وبمنتهي العجب…تهيأ للإنسان بالحقيقة أن يكون صورة الله[16]، فهو عنده الفرصة أن يمارس الحب والحياة في ذاته الإنسانية (أي بين الرجل والمرأة) ثم يفيض الإنسان بالحب والحياة نحو الخليقة (أي الرجل والمرأة ككيان إنساني واحد حامل لصورة الثالوث ويفيض بالحياة نحو الخليقة)، وبالطبع، هذه الحياة مصدرها ومحورها هو أن يستلم الإنسان الحب أولا مع رأسه (أي بين الإنسان والابن).

وهنا صارت علاقة الرجل بالمرأة هي إنعكاس وصورة علاقة الآب بالابن الداخلية، وعلاقة الإنسان بالخليقة هي إنعكاس علاقة الرب بالإنسان المخلوق والخارج منه، الرجل رأس المرأة كما الآب رأس الابن، والإنسان رأس الخليقة كما الابن رأس الإنسان[17].

الآن الخليقة جنة الإنسان، لأن الإنسان جنة الله، وكما أن الله يحفظ الإنسان بقدرة كلمته في الابن، هكذا يحفظ الإنسان الخليقة ويعملها بنفس الكيفية التي من الابن نحوه ، ويلد الإنسان ويثمر ويتكاثر لكي يختبر الأبوة والبنوة كما لله.

لم تأت لي فرصة لأتعمق في الجدال حول صحة النظرية العلمية للتطور وعلاقتها بفكر الرب والكتاب المقدس، لكن أعتقد أنها لو كانت صحيحة، لكان معني ذلك أن ما اُعطي للإنسان من إمكانية إرتقاء ليكون علي صورة الابن، اُعطي له أيضاً لكي يمنحه للخليقة كلها لترتقي هي الآخري، ويصير الكل واحد في الرب، ويملا الرب الكل.

لذا لا نتعجب حين نري أنه بالسقوط اختلت الخليقة كلها لأن الإنسان رأسها سقط وسقطت معه، كما سنتناول لاحقاً، لكن يكفينا الآن أن ندرك روعة ذلك الإله الذي منحنا صورته بكل الحب وبطريقة لا نستطيع إلا أن نقف أمامها مسبحين وشاكرين أنه أتاح لنا تلك النعمة وأوجدنا قياماً فيه، وحين سقطنا ردنا بالتمام للصورة الموجوده في قلبه قبل تأسيس العالم.

 Romany Joseph
01st February 2013

مراجعة لاهوتية
Marc Philippos

الأجزاء السابقة

رؤيا لاهوتية للعلاقات | 1 | مقدمة
رؤيا لاهوتية للعلاقات | 2 | الآب والطريق إليه
رؤيا لاهوتية للعلاقات | 3 | علاقة الآب بالابن
رؤيا لاهوتية للعلاقات | 4 | علاقة الابن بالخليقة
رؤيا لاهوتية للعلاقات | 5 | علاقة الابن بالإنسان قبل السقوط

 


[1]  للمزيد راجع الجزء الثالث – علاقة الآب بالابن

[2]  إن كل المنطق في وجود الكون هو في حقيقة أن الله لا يريد أن يكون وحده، وأنه لا يريد أن يكون بدوننا، ولكنه بقصد وحرية قد خلق الكون وربطه بذاته كمجال يسكب فيه محبته بلا تحفط، وكمكان نتمتع فيه نحن بالشركة.

الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس – بالثالوت – الفكر الكتابي للكنيسة الجامعة في القرون الأولي – ص 136

[3]  للمزيد راجع الجزء الرابع – علاقة الابن بالخليقة قبل السقوط

[4]     لاحظ أن فكرة الوحدة بين الخليقة والخالق كانت علي الرغم من صحتها لاهوتياً مدخلاً للهراطقة مثل أريوس ليقولوا أن الابن مخلوق مع بقية الخليقة، لذا ستجد تركيز القديس اثناسيوس في رسائله “ضد الأريوسين” يركز علي الفرق الجوهري بين الخليقة والخالق، وبين وجود الخليقة من العدم ووجود الخالق منذ الأزل، والبنوة الحقيقية للابن وبنوة الخليقة بالنعمة، لكن هذا التركيز من القديس أثناسيوس بسبب هرطقة أريوس لا يلغي حقيقة أن الرب أرد ضم الخليقة لنفسه لتكون واحد فيه كما عرفنا من إعلان التجسد، وللمزيد عن هذا الموضوع، يمكن مراجعة كتاب الأب متي المسكين – القديس أثناسيوس الرسول – القسم اللاهوتي – الفصل الأول: أساس الفكر اللاهوتي العام في الكنيسة قبل قيام الأريوسية

[5]  ولكن علاقة الله بالخلق كانت مثار تفكير واجتهاد. ونقطة الصعوبة عند المدافعين عن المسيحية ضد الوثنيين كانت هي العلاقة بين كيان الله، أي جوهره، وبين كيان العالم، أي الخليقة، التي هي الاستعلان الظاهري المدرك لطبيعة الله، التي شرحها بولس الرسول في رسالة رومية هكذا: «مُدرَكَة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته» (رو 20: 1).

الأب متي المسكين – القديس أثناسيوس الرسول – سيرته، دفاعه عن الإيمان ضد الأريوسيين، لاهوته – الفصل السابع

[6]  بهذا يكون الوحي قد أعطانا صورة واضحة أشد الوضوح عن تصوُّر الله لخلقة الإنسان في الأساس، وهو أن تكون خليقـة سماويـة ومباركة ومقدسة ومتَّحدة بالابن، ومخلوقة لتقف أمام الله – أي في حضرته – لتسبِّح وتمدح مجد نعمته، وهي حائزة على مسرَّة مشيئة الله؛ وأن موضوع التسبيح ومدح مجد نعمة الله هو ما سوف يقوم به الابن من عمليات فدائية وخلاصية جبَّارة معنا وفينا، التي يسمِّيها الوحي “النعمة التي أنعم بها علينا في المحبوب”، أي في الابن المسيح. هذه الصور البديعة كلها هي تصوُّرات الله فيما قبل الخلق وقبل تأسيس العالم، وقد كشفها الوحي المقدس لنكون على بيِّنة من أصل ومستوى خلقتنا العالي جداً الذي صحَّحه الله من عمق مسرَّة مشيئته ومن عمق حبِّه للابن الوحيد، ليكون الإنسان بالنهاية أقرب وأحب خليقة تقف أمامه وهي في حال الاتحاد مع الابن، لتسبِّحه وتمدح مجد نعمته.

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – الجزء الأول – ص 36

[7]  إن الكون أُخضر بالحقيقة إلي الوجود من الآب بالابن في الروح القدس، بحيث يكون علي مثال الثالوث، وهذا ما أسماه “كار بارث” في أيامنا “الكون هو نظير زمني – واقع خارج الله – لما فهو في ذات الله، والذي فيه الله هو آب للابن” أو بتعبير آخر أن الكون هو مقابل مماثل مخلوق “للثالوث القدوس”، وهذا ما نجده مراراً وتكراراً في كتابات آباء نيقية وما بعد نيقية

الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس – بالثالوت – الفكر الكتابي للكنيسة الجامعة في القرون الأولي – ص 135

[8]  وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُلٍ هُوَ الْمَسِيحُ. (الابن) وَأَمَّا رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ. وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ (الآب) (اكو 11: 3)

[9]  وأقرب صورة لـ “ذات الله” خلقها على مثاله لتعطينا قدرة على معرفته، إن تأملناها جيداً، هي ذات الإنسان: «وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا…» (تك 26:1)، وذات الإنسان  بصورتها الكاملة، كما تراها أيها القارئ السعيد، إذا تأملتَ نفسك، تجدها في وحدتها المتكررة التي حافظت على وجودها هذه الآلاف العديدة من السنين بالرغم من الموت الذي يلاحقها تحت مئات العوامل المميتة؛ تتكون من “أب” و “ابن” (وطبعاً من “أُم” و“بنت”). الأب يسلِّم حياته لابنه ويموت، والابن يكبر ويصير أباً، وبعد أن يسلِّم حياته لابنه يموت، وهكذا. هذه الأُبوَّة والبنوَّة والحياة التي منهما، هي “وحدة” المخلوقات طرًّا!

فلو كفَّت الأبوَّة أن تعطي الحياة للبنوة، أو كفَّت البنوة أن تقبل الحياة، أو كفَّت الحياة أن تكون؛ لكفَّ العالم عن الوجود المخلوق، إنساناً كان أو حيواناً أو أي حيٍّ يُرزق.هذه هي عناصر “الذات” الإنسانية التي فينا والتي نعيشها ونحسُّها وبها نوجد وندوم: أب وابن وروح!!

الأب متي المسكين –  في اللاهوت – الله واحد – ص 4

[10]  إذ سبق فعيَّننا للتبنِّي بيسوع المسيح لنفسه، حسب مسرَّة مشيئته»: وهذا أيضاً توضيح ما بعده توضيح للآية السالفة في مفهومها الذي استنبطناه من واقع الآية، إذ يقول هنا إن الله سبق فعيَّننا للتبنِّي قبل تأسيس العالم، أي حدَّد علاقتنا الشخصية به لنكون أبناءً لله. ولكن إذ يستحيل على أي خليقة أن تأخذ درجة الابن لله بالفعل وليس تجاوزاً، لذلك تحتَّم أن تأخذ درجة التبنِّي باتحادها بالابن، ليكون التبنِّي بالوساطة وعلى حال الديمومة  والقداسة والمحبة الإلهية. ولكي يؤكِّد القديس بولس الرسول أنها حالة تبنٍّ لله نفسه، يقول الوحي إن هذا التبنِّي هو “لنفسه”، بمعنى أنه تشوُّق إلهي عارم في ذات الله لكي يكون له أولاد يتبنَّاهم لنفسه. وقد ترجم الوحي هذا الشوق بقوله: “حسب مسرة مشيئته”؛ وهو تعبير يكشف حالة مسرَّة دفينة في قلب الله. فالله سُرَّ وشاء أن يتخذ من البشر أولاداً بالتبنِّي، متَّحدين في المسيح ابنه، وواضح أنها مسرَّة أبوية.

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – الجزء الأول – ص 36

[11]  ولأنه (أي الله) رأى عدم قدرة الإنسان أن يبقى دائمًا على الحالة التي خُلق فيها، أعطاه نعمة إضافية، فلم يكتف بخلق البشر مثل باقي الكائنات غير العاقلة على الأرض، بل خلقهم على صورته وأعطاهم شركة في قوة كلمته حتى يستطيعوا بطريقة ما، ولهم بعض من ظل (الكلمة) وقد صاروا عقلاء، أن يبقوا في سعادة ويحيوا الحياة الحقيقية، حياة القديسين في الفردوس

القديس اثناسيوس الرسول – تجسد الكلمة – الفصل الثالث – فقرة 3

[12]  راجع هامش (5)

[13]  لم يبدأ الله بخلقة الإنسان من طبيعة السماء وبركاتها، ولا على مستوى الاتحاد بالابن، بل بدأ خلقة الإنسان من التراب ليرقى به على درجات، حتى بالنهاية ينقله النقلة الأخيرة من الأرض إلى السماء. فهذا هو الله ومستوى حكمته وطول أناته وإتقانه، ولابد أن خليقته بالنهاية تنطق بهذا وتشهد له من صميم كيانها وخبراتها.

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – الجزء الأول – ص 37

[14]  شكل الصلاح (الله) الإنسان من تراب الأرض في مادة عظيمة هكذا أي الجسد.. نفخ فيه نفساً لا تموت بل تحيا. أعطاه سلطاناً على كل الأشياء حتى يتمتع بها ويتسلط عليها بل ويعطيها أسماء.

العلامة ترتليان

[15]  تشوهت كلمة “سلطة” في أعماقنا بسبب السقوط ودخول الشر إلينا، لكنها في واقعها الإلهي هي مسؤلية وعطاء وحفاظ بدافع الحب وليس إستعباد وتملك بدافع الأنانية وسنري ذلك لاحقاً.

[16]  إن نعمة التبني لله تجتذب البشر من المستوي المحدود للخلق، وتأتي بهم إلي الاتحاد والشركة مع الثالوث القدوس، ومن المهم ملاحظة ان تلك النعمة مرتبطة أساساُ بالروح القدس مع الآب والابن….فإن نظرنا إلي نعمة التنبي لله، والعلاقة بينها وبين الله المترتبه عليها، من جهة الله الذي يعطي النعمة، فإنها تبدأ في الآب وتتحقق في ابن الأب الحقيقي وتنتقل إلي الذين تبناهم لله ليكونوا مشابهين صورة ابنه بفعل الروح القدس.

د. وهيب قزمان – النعمة عند القديس اثناسيوس – الجزء الثاني – ص 86 – إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الأبائية

[17]  ويتمادى الوحي في رسالة كولوسي ويقول عن الابن إنه «بكر كل خليقة» (كو 15:1)، بمعنى أن كل خليقة إذ خرجت منه بقي هو حاملاً صورتها فيه، فحُسب » بكر كل خليقة « أي السابق والأول على كل خليقة. بهذا يُمعن الوحي في وصف الانتساب الوثيق الذي بقيت الخليقة عليه بالنسبة للابن خالقها. هذا الوضع الانتسابي الفائق بين الابن الخالق والخليقة المخلوقة يكشف عن التبعية التي تدين بها كل خليقة للابن بصفته صاحبها وحاملها، فهي تبعية الملكية الخاصة جداً، كملكية يهوه قديماً لشعب إسرائيل. فهو على مستوى الربوبية وهي على مستوى العبيد الأخصاء. فالابن هو رب الخليقة عن حق وأصالة، وأيضاً عن فعالية ديناميكية، إذ هي باقية فيه وتتحرك به: » فيه يقوم الكل « » وحاملٌ كل الأشياء بكلمة قدرته «(كو15:1؛ عب 3:1). فهي ديناميكية حية، هو كربٍّ يرعى، وهم عبيد منتسبون له يعبدون، هو لها وهي له.

الأب متي المسكين – في اللاهوت – سلسلة ألقاب المسيح (المسيح رب) – ص 9 – 10

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in رؤيا لاهوتية للعلاقات and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

7 Responses to رؤيا لاهوتية للعلاقات | 6 | علاقة الإنسان بالخليقة قبل السقوط

  1. Michael says:

    كالعادة مقال رائع لكن ليا تعليق علي نظرية التطور
    و انك بتقول لو كانت صحيحة لكانت المخلوقات كلها ارتقت لتكون الانسان
    لكن الرد ان الله جعل البعض يرتقي الي انسان و الاخر يرتقي الي حيوان و الاخر يبقي كما هو
    لا اري فيها تعارض صراحة

    • RomanyJoseph says:

      شكرا يا مايكل…
      اخاف اكون أسأت التعبير في هذا الجزء، فجوهر القضية عند الله هي الوحدة والتفرد، لم اقصد أن يكون الإنسان هو هو الله كنسخة مكررة، او تكون الخليقة نسخة من الإنسان ثم الله
      لكن الكلام هنا عن الوحدة والتفرد، فكل مخلوق في فكر الله أن يتحد به ويمتلئ من الله ويكون صورته دون أن يفقد هويته اوشخصيته
      وهذا ما اعلنه التجسد، فشخصية الإنسان باقية ومتحدة باللاهوت بدون إختلاط ولا إمتزاج، هذا سر عجيب ولا نعلم عه الكثير، نعلم ان الله سيملاء الكل

      و متى اخضع له الكل فحينئذ الابن نفسه ايضا سيخضع للذي اخضع له الكل كي يكون الله الكل في الكل (1كو 15 : 28)
      ونعلم أننا سنكون مثل الابن

      ايها الاحباء الان نحن اولاد الله و لم يظهر بعد ماذا سنكون و لكن نعلم انه اذا اظهر نكون مثله لاننا سنراه كما هو (1يو 3 : 2)

      ربنا يباركك 🙂

  2. Mariam says:

    “Man is to be understood only in his relation to God.
    The beasts are to be understood only in their relation to man and, through man, to God.”
    C.S. Lewis
    The Problem of Pain

  3. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 7 | إبليس : أول من كسر العلاقات | Romanyjoseph's Blog

  4. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 8 | دخول الخطية وإنهيار العلاقات | Romanyjoseph's Blog

  5. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 9 | انتشار الفساد وتفشي الموت | Romanyjoseph's Blog

  6. Pingback: رؤيا لاهوتية للعلاقات | 10 | وقفة: غرباء.. بدون مسيح | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s