تخفيف شوكة موتنا يفقدنا قوة القيامة

m225322109

أساس بشارة الإنجيل هو أمر واحد: موتي أنا… وقيامة الرب فيِ.

موتي هو تلك الحقيقية التي اقرها الكتاب المقدس في كل موضع من أوله لأخره، تلك الحقيقية التي لأجلها بذل الرب يسوع حياته لكي يخلصنا منها، وقيامة الرب التي الحقيقة أتت لكي تنتشل المائت للحياة، وتكسر شوكة الموت التي لم يقدر عليها أحد وتحولها لحياة مجيدة في الرب.

لا أجد سبب واحد في سلوكي الشخصي يجعلني أري نفسي إلا كمائت فاسد ومتعفن ملفوف بموت الانانية[1]. وإن كان هناك أمر صالح في، فهو من الله وحده، ودليلي أنه كان هناك يوماً سابق وعندي عكسه بالتمام، فإن انعم الرب عليا بإماتة موتي وحلول قيامته وحياته فيِ أمر ما، فأين الافتخار؟ قد انتفي.

بل أني من كثرة إدراكي لفسادي… أشك في أن اعترافي السابق لعله يكون نوع من أنواع تلاعب الذات العتيقة المقيتة كما ذكر الأب متي في كتاب حبة الحنطة[2]، فهي بارعة تتظاهر بالموت لكي تتحرك في الخفاء، ولا أجد إجابة، إلا أن احتمي بالدم المسفوك لأجل تجديدي[3]، وسط كل هذا، أنا أحيا في قبول لذلك الحق (أي فسادي وموتي) بسبب أن للحق بقية مفرحة (أن المسيح قام من الأموات وأقامني وسيقيمني).

في نفس الوقت،  لاحظت أن من أكبر الضربات المضروب بها هذا الجيل، والتي نجح إبليس في غوايتهم بها، هو استنكار حدة الفساد الشخصي وقوة الموت وشوكته في حياتنا وفي أعماقنا وسلوكنا، والدفاع المستميت عن الذات في كل موقف وتحصين موتها من كل قراعات الرب.

ومن هو أكثر ذكاء وذاته مستيقظة بارعة، تجده لا ينكر موته لأنه يعرف أنه واقع يقره سلوكه والكتاب المقدس، لذا بدلاً من الإنكار، يقوم بتخفيف قوة الفساد وشدته وسطوته علي نفسه، وفي أعماقه أسباب واضحه، في اعتقادي أنها تنقسم لنوعين.

النوع الأول: نوع سلوكه رائع وأنقي من كثيرين مثل الشاب الغني، وهو لا يدرك أن ذلك فقط سمات شخصية موروثة أو سلوكيات اجتماعية مكتسبة، لا أكثر ولا أقل، وحين يحاصره صوت الروح القدس في المواقف التي يهب فيها ريح النهار ويظهر عريه، تجد سلوكه يشهد ضد الروح ويقاومه (هذه كلها حفظتها منذ حداثتي)، فأنا لست فاسد لهذه الدرجة.

النوع الثاني: وهو أكثر خطورة، هو المؤمن الحقيقي، أو الخادم الذي يخدم الرب سنين هذا عددها مثل الابن الأكبر، ومع الوقت وبينما هو ينمو، قام إبليس بتغيير خطته الحربية معه، فهو لا يجذبه للخطية بصورة مباشرة، بل يجعله يثق في نفسه تحت مسمي الثقة في عمل الرب.

ومع الوقت، أصبح الخادم العظيم والمؤمن ذو الخبرة الروحية يأمن علي حياته من نفسه، ولا يتصور وقوعها في خطايا معينة، فقد عبر الطفولة وأصبح ناضجاً، يتوهم أن حب السلطة داخله انتهي بينما هو متوج علي الكراسي، يظن أن شهوة المتكأ الأول اختفت بينما أتباعه يغذونها وهم يعطونه المكانة ، يعتقد أن المحبة الباذلة بلغت قمتها لأنه يبتسم في وجه محبيه ومعجبيه، ويري أن الصليب اكتمل علي أكتافه لأنه يبذل بعض الوقت والجهد للخدمة بينما ذاته تزأر كأسد لنفسها لو مسها شخص بكلمة أو انتقاد، وحين تهب رياح النهار تجده دوماً مقاداً بروح الابن الأكبر (لوقا 15) يشهد لنفسه أنه يعرف الرب ويخدمه سنين هذا عدها، وتبتسم ذاته فرحه، وتقول له: انكرني اكثر، كي أتملك عليك أكثر وأكثر، والمسكين يثق أنها مائتة، إنهم يملكون عكس روح بولس الرسول الذي عاش كلا شيء كل أيام حياته (في 3: 12).

ومن يخفف من حدة فساده يصل الامر لنفس نتيجة من ينكره، بل وأخطر لأنه يخدر نفسه بالتخفيف، يتصالح مع فساده، بينما من ينكره لعلانية ويؤمن ببره الذاتي، قد يأتي يوم وينهار ويعرف حقيقته.

إنهم يكرهون سر النعمة التي وجدها بولس وهي أنه يحمل في كل حين إماتة الرب يسوع، إنهم يحملون الإماتة احياناً، في أوقات الخدمة، في بعض الفقرات اليومية، لكن كل حين!!…كلا… هذا جنون ومبالغة.

في الفترة السابقة جمعت أن لنفسي الكثير من العداوات المعلنة، والكراهيات المكتومة، التي تبغضني لأن الرب فتح عيني علي قوة فسادي وقوة قيامته، وقوة فسادنا وقوة القيامة التي تنتظرنا ككنيسة، لكن المدعوون إخوة لا يرونها هكذا، فلكل منا منظاره، فهم يرون ذلك تعقيد وفلسفة، ومشكلة نفسية، وجلد للذات، وتحميل الناس لأحمال عثرة، وتشاؤم وإحباط، هكذا يرون حمل الإماتة في كل حين.

الشيء الوحيد الذي يجب أن نقيس عليه انفسنا في تلك المعضلة ليس هو قناعتنا القلبية وثقتنا أننا نسلك سلوكاً سليماً، وأننا نتبع الرب وما نفعله هو صوت الروح القدس، فذلك أمر خداع جداُ لأنه يأتي وقت يظن القتلة فيه أنهم يقدمون خدمة للرب.

الشيء الوحيد الحقيقي والمقياس هو مقدار التغيير والانفتاح علي الرب في حياتي الداخلية العميقة، وفي ثمار الروح القدس في سلوكي الشخصي، في نموي في المحبة والبذل، في الاعتراف بالضعفات وكراهية النجاسات.

فلو كنت تعترف بحق بموتك، وتحمله في كل حين بالحق لا بالكلام، لو كنت تدرك موتك بحجمة الحقيقي ولا تخففه، ستجد نفسك لا تفزع من الانتقادات والإدانات لأنك دائم الحكم علي نفسك بل وباحث بلهفة عن مناطق موتك التي لا تدركها، فتقبل بهدؤ وبموضعية كل نقض ونقد!! كل لوم وعتاب.. واضعاً ذاتك تحت المحاكمة، تحكم علي نفسك لئلا يُحكم عليك. أما لو كنت تنكر قوة موتك أو لا تفهمها لطفولتك التي طالت أو بسبب كثرة خبرتك أو اخلاقك العالية، ستجد نفسك تنهض وتفزع لأقل تلميح بالانتقاد، لأنك في نفسك دائم الهرب من الحكم علي نفسك، وهارب من مناطق موتك، فترفض بكبرياء والتواء كل نقض ولوم وعتاب، فتفترس من ينتقدك بتهمة إدانة وترد الكرة في ملعبه التوبة عنها.

لو كنت تعترف بموتك ستكون واضح الرؤيا، هادئ القلب، مفتوح العين، وغير قادر علي إغلاقها، فاهم لمشيئات الرب في حياتك وحولك، أما لو كنت تنكر وتخفف موتك، ستجد نفسك متخبط قلق، مغلق العينين وأعمي ولو في الظهيرة، غير فاهم مشيئات الرب في حياتك أو حولك.

لو كنت تعترف بموتك ستكون نامي في المحبة وثمار الروح والسلوك الباذل، نامي في قبول الإماتة لأنك تعرف احتياجك الشديد لها، وتعلم أن الصليب والطريق الضيق هو الحل الوحيد لكسر شوكة الموت وحلول روح القيامة. أما لو كنت تخفف موتك، ستكون متنامي في الالتواء والخبث والسلوك الفريسي وعشق الذات وحب الكرامة والمكانة، محمول بكل ريح تعليم، متقلب، لا تعرف الصليب وتكرهه، فعينك المغلقة عن حقيقة موتك لا تري داعي للصليب.

لا أطلب طلبة إلا أن ندرك موتنا وقيامته الرب، ونحياها ونبشر بهما لكي تتغير حياتنا وكنيستنا وبلادنا بحلول روح المسيح في أجسادنا المائتة بحسب اعترافنا القلبي الحقيقي أمام الله الأب.

Romany Joseph
15th March 2013


[1]  الخاطئ… نعم الخاطئ: الذي هو كمية من النجاسة معجونة بشهوات وشرور وغرور وخبرات مؤلمة في الفجور، الخاطئ الذي هو رذالة عند الناس وعند نفسه، هو سبب مجيء المسيح إلي العالم، الخاطئ الذي يحس في نفسه برحمان من كل ما هو مقدس وطاهر وجليل بسبب الخطية

الآب متي المسكين – التوبة – ص 5

[2]  عدم تزييف عمل الله: فنتظاهر بموت الإنسان العتيق وهو لم يمت ونتظاهر باكتمال نضج الإنسان الجديد وهو لا يزال جنيناً، هذا يعتبر أخطر أنواع العراقيل التي نضعها أمام الله، فنصعب عليه خطة خلاصنا من الإنسان العتيق ، وربما يتسبب في توقف العملية برمتها!!

هنا الذات تتظاهر بموتها لكى لا تموت ، وتتقمص الإنسان الروحي الجديد وتزيف أعماله، لكى تسد الطريق أمامه ، وتنضم إلى زمرة الروحانيين وصفوفهم لكى تتجنب كل وسائل الإماتة المناسبة لقامتها

هذا العمل خطر جداً على الإنسان ، لأنه في لحظة يتخلى الله، فيفقد الإنسان قدرته نهائياً على إدراك حقيقة نفسه وغشها وخداعها، لأن العدو يمده حينئذ بقوة ومهارة للتظاهر والغش ولإفساد ليس حياته هو فحسب ، بل وحياة الأخرين: ملاحظين لئلا يخيب أحد من نعمة الله، لئلا يطلع أصل مرارة ويصنع انزعاجا فيتنجس به كثيرون.

أما مواصفات هذه النفس فهي كالآتي :

* تتكلم عن محبة الله وليست فيها أية حرارة لمحبة الله .والمخدع يشهد بذلك
* تكرز بالصليب والآلام ، وليست فيها أية رغبة على تحمل الظلم أو الإهانة أو الألم
* تتكلم وتبشر بالقيامة وببهجة القيامة وليست فيها أية حركة داخلية تفيد إنها بدأت تقوم من قبر شهواتها وزناها
* تكرز وتعظ وتبدى غيرة وحماساً لخلاص الخطاه وهى من الداخل قلبها كالثلج لا يحس لا بالخطاه ولا بالخطية ولا بأية غيرة على خلاص الناس
* تدعى بالتصريح وبالتلميح إنها لا تتكلم عن نفسها بل هي نعمة الله المتكلمة على لسانها. وفى كشف الضمير وفى نور الروح القدس يتضح لها وللناس إنها في الحقيقة إنما تحب الوعظ والكلام للظهور وتزكية الذات. وهكذا يتضح إن العمل ليس نعمة ، ولكن ذكاء ومهارة ومواهب طبيعية، استخدمتها الذات ضد نعمة الله لكى لا تموت!!واستخدمت كلمة الله ضد الله لكى لا يكمِّل خطته لإهلاك الذات، حتى لا يستطيع الله أن يعمل عمله الحقيقي بواسطة الإنسان الروحي الجديد فيها! وهكذا نعلم الآخرين ولا نقبل نحن أي تعليم، وإن قبلنا التعليم فنقبله بعقلنا فقط، لا لكى يؤول التعليم إلى موت الذات بل لكى يصير ذخيرة عقلية للتعليم لحساب انتفاخ الذات. وهكذا يفلت الإنسان من سيف كلمة الله الكاشفة.
* نعيش في وسط الإخوة كعضو في جسد المسيح، ولكن لا نحس بأي عضو آخر. لا نئن بأنين الآخرين ، ولا نريد أن نحزن بحزن الآخرين، بل على العكس تسعى الذات لترتفع على أكتاف الآخرين وتستغل وجودها في وسط الأعضاء لتتمجد على حسابهم وتترأس عليهم. وهكذا بغبائها وكبريائها تفقد نعمة وبركة الشركة مع القديسين ، قلنا إن الله يتصعب عليه جداً كشف مثل هذه الذات وإبطال نشاطها المزيف حتى يمكنه ان يطلق الروح من سجنها الداخلي

هنا يلح علينا المسيح جداً أن ننتبه : هل يجتنون من الشوك عنباً
إن لم تقع حبة الحنطة على الأرض وتمت فهي تبقى وحدها
ليس أحد يضع رقعة من ثوب جديد على ثوب عتيق وإلا فالجديد يشقه والعتيق لا توافقه الرقعة التي من الجديد

[3]  الخاطئ الذي يري نفسه في ظلام وقتام منفصلاً عن رجاء الخلاص ونور الحياة وشركة القديسين، هو هو نفسه صديق المسيح المدعو لحفل العشاء، الذي أرسل ليطلبه من وراء السياجات ويطلبه شريكا لعسره ووريئا معه لله، وقد وعد ان لا يذكر له خطية واحدة مما فعل بل ينساها كغيمة صيف يبتلعها وهج الشمس…اليس من اجله صليب واحتمل الذل والهوان؟

الآب متي المسكين – التوبة – ص 5

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in مقالات روحية, أمور تلخبط and tagged . Bookmark the permalink.

13 Responses to تخفيف شوكة موتنا يفقدنا قوة القيامة

  1. ماذا تقول في من يدرك حقيقة موته جيدا و يحكم على نفسه كل يوم لكن مع ذلك كل تصرفاته مع الله هي في الطريق العكسي تماما
    تفتكر المشكلة انه بيخفف شوكة موته و لا هو في مرحلة انتقالية او ممكن نقول مراهقة روحية ولا انت رايك ايه ؟

    • RomanyJoseph says:

      شكرا يا مايكل لتعليقك
      اعتقد إن مقالتي اللي كتبتها عن بطئ النمو… وعن الفرق في الضعفات والنجسات
      تتناول التفاصيللكي يحدث مزيد من التمييز علي الموضوع الشائك الذي تثيره

  2. Michael says:

    روماني انا هقول كلامك بس بمصطلحات تانية لاني اكتشفت ان المصطلحات بتبقا صعبة الفهم و كتير من الناس مش بيفهموها
    بس قبل ذلك ليا تعليق علي النوع الثاني اللي هو المؤمن الحقيقي .. انا شايف ان تصرفه بانه يكون واثق من نفسه دة طبيعي وصحي
    لكن الخطأ انه لا يسمع للاخرين و يرفض النقد .. هنا تكمن المشكلة
    و متفق معاك في الباقي ان الخطأ في ن اتجاه او حياتة الحقيقة تُختزل في ما يقوم به من خدمات و تنقص حياتة الروحية تدريجيا و يلاحظ نفسه و يقيمها من خبرته ليس من الروح القدس
    و هنا تكمن المشكلة في ان خبرته الروحية غير كاملة و غير صالحة لتكون مقياس

    في موضوع اخر ..
    وفي ثمار الروح القدس في سلوكي الشخصي، في نموي في المحبة والبذل، في الاعتراف بالضعفات وكراهية النجاسات

    انا اختلف معاك في كراهية النجاسات
    انا اتفق معاك في رفضها لكن كره النجاسات للاسف بيكوّن في الحقيقة كره للنفس و رفض للنفس و للاخر الذي يحمل هذا الضعف
    الضعف يجب ان اعترف به و ان ارفضه لكن يجب ان اقبل نفسي بالرغم ما في من ضعفات و نجاسات حتي استطيع ان اتغير و اعطي المكان لروح الله لكي يعمل و يغير

    المصطلحات :
    الاماتة معناها التواضع و المعرفة الحقيقية للنفس و ما فيها من ضعفات
    لان مصطلح الاماتة الناس بتفهمه كدة
    مشكلة نفسية، وجلد للذات و بالتالي كخادم اطالب الناس بالاماتة (بأحمال عثرة نتيجة لفهم خاطئ) فينتج عنه تشاؤم وإحباط

    • RomanyJoseph says:

      متفق معاك يا مايكل… وعلشان كدة انا كاتب مقالة كاملة علي الفرق بين الضعف والنجاسة وحاطط اللينك بتاعتها
      من يتألم من خطيته مهما كانت هو ضعيف…وعلي العكس من متصالح هو من في منطقة النجاسة

  3. Pingback: الاعتراف باستحالة السلوك كما المسيح هو بداية قيامة وتصور المسيح فينا | Romanyjoseph's Blog

  4. Pingback: تعليق علي حوار الأنبا تواضروس مع الإعلامي عمرو أديب | Romanyjoseph's Blog

  5. Pingback: وحدة الكنيسة لن تاتي من المقدمة | Romanyjoseph's Blog

  6. Pingback: ولم أجد مَنْ أثق فيه.. إلا أنت وحدك.. ومَنْ هم فيك | Romanyjoseph's Blog

  7. randa ramzy says:

    كلمات تعبر عن حالنا الحقيقى بنسبة 100 % .. اشكرك ودايما النعمة سانداك

  8. Mark Ramez says:

    مقالة صادمة .. رائعة

    ربنا يباركك يا روماني

  9. Pingback: الإيمان والميلاد الثاني | الجزء الثاني | سر الإيمان ودوري ودور الله | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s