الاعتراف باستحالة السلوك كما المسيح هو بداية قيامة وتصور المسيح فينا

 Jesus-is-my-Rock

وسط احداث الضيق التي يتعرض لها المسيحيين بمصر.. ووسط حيرة شديدة وارتباك كثير، وردود أفعال متنوعة، يمكن تقسيم المسيحيين في ردود افعالهم إلي خطين رئيسيين:

الخط الأول: يركز علي الأحداث بمعزل عن الرب (حتي لو قال لسانه العكس) بسبب تركيزه الشديد علي حياته ومتطلباتها وعلي ذاته التي اصبحت في الخطر… فتجد ما في داخلة من رد فعل مرتعب يتدرج من حتمية الانتقام لما يحدث فينا كأقباط نعاني من ظلم… وحتمية دفاعنا عن أنفسنا…وضرورة المطالبة بالحقوق وعمل المظاهرات والاحتجاجات… وهذا التوجه كتبت عنه كثيرًا، أنه يحتاج أن يلتفت للرب بصورة حية ومعاشه لكي يعي ويري الصورة كاملة وإلا فلن ينصلح الحال وسيبقي مائتًا محصورًا في بين العالم وذاته.

الخط الثاني: كثير من الأمناء والمحبين للرب بالحق لا بالكلام، والذين يرفعون أعينهم علي الرب ويؤمنون بحضوره ودوره بصورة عمليه حولنا وفينا… لكنهم يرتبكون ويصيبهم اضطراب وحيرة مما يحدث، فالبعض يتوقع الجزاء الإلهي ويتشبث بآيات تتكلم علي العدل والمجازاة وهو في ذلك يحتار لأن الواقع يقول أن ذلك لا يحدث، والبعض الآخر يلتفت لآيات الغفران وحمل الصليب ويشعر بحيرة أشد لأن ذلك صعب جدُا علي النفس، وخلاصة حالهم الاعتراف بالموت ويا لها من حالة رائعة ينقصها فقط قيامة الرب.

ولآجل من يرفعون اعينهم علي المسيح ويسيطر عليهم الحيرة والارتباك والعجز وأنا منهم ومعهم… يتكلم الرب ويحب أن يتكلم ويعلن أسراره، في المقالة السابقة تكلمت علي أن التخفيف من موتنا يقفدنا قوة القيامة، وكان الكلام موجة لكثرة من المسيحيين تنكر حالة الموت أو تخفف منها، وأغلبهم يمثل الاتجاه الأول.

لقد يأس إبراهيم تمامًا من نفسه أن ينجب، وسيطرت عليه الحيرة والارتباك وكلم الله في يأس وحيرة مثلنا قائلاً: ” «ايُّهَا السَّيِّدُ الرَّبُّ مَاذَا تُعْطِينِي وَانَا مَاضٍ عَقِيما وَمَالِكُ بَيْتِي هُوَ الِيعَازَرُ الدِّمَشْقِيُّ؟» ” (تك 15: 2)، وهنا نجد ان الرب اخرجه ورفع عينه للسماء وقال: ثُمَّ اخْرَجَهُ الَى خَارِجٍ وَقَالَ: «انْظُرْ الَى السَّمَاءِ وَعُدَّ النُّجُومَ انِ اسْتَطَعْتَ انْ تَعُدَّهَا». وَقَالَ لَهُ: «هَكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ». (تك 15:: 6)، وبالفعل صدق إبراهيم وأمن الرب… وحسب ذلك له برًا، والقصة اقتبسها بولس وأعلن لنا أنها تشير بطريقة سرية لتصديقنا في موت المسيح لأجلنا وقيامته فينا وجلعنا مثمرين بعد ان كنا عقماء[1]

لذا.. نحن نتكلم عن إنسان بدأ يرفع عينه للرب ويخرج خارج ذاته، لأنه وجدها عقيمة ليس عندها حلول، والمشكلة أكبر منها، نحن نتكلم عمن يرفعون أعينهم علي الرب وسط الضيقات والتحديات، وينظروا مخلصًا، وهذا بحسب فكر الله وقلبه يحسب موتًا وينتظر قيامة المسيح، فرفع العين علي الرب وسؤال السماء اعتراف بموتي وطلب للقيامة.. حتي لو كانت الألفاظ ابسط لكن الجوهر واحد.

نحتاج أن نفرح في تلك الحيرة فنحن كما قال الرسول “متحيرين لكن غير يائسين”[2]، فتلك الحيرة وتلك الحالة التي يئن فيها الإنسان من عجزه، ويقر فيها أنه لا يرقي ليحيا كما سلك المسيح…. ويعي أن المسيحية طريق ضيق وباب كرب[3] ويتوقف عن طفولة تجميل الحياة مع الرب، ويري أنه بعيد كل البعد عن صورة المسيح…ويعترف أنه عاجز بل رافض لحمل الصليب[4]، ولا يريد ان يضيع حياته لأجل المسيح حتي لو كانت النتيجة أنه سيجدها، ويعترف أنه خائف ومضطرب… كل تلك الاعترافات تتهلل لها السماء وتشتهي أن ترها وتسمعها، فكل وعود الله موجوده للمعترفين بحالهم وكل كنوز الرب محفوظة وتنتظر تلك الاعترافات والإقرارات.

تلك الإقرارات القلبية في أعماق القلب تحسب توبة … تحسب بالحقيقة صلب للذات، فقد صٌلب المسيح لكي يمكننا أن نموت عن موتنا الذي هو عكس الإقرار بحالنا، تلك الإقرارات تجعل نعمة المسيح الفائقة تظلل الشخص، لقد حسب نفسه باعترافاته مائت في القبر، ولأجل موته دخل المسيح القبر وجاز الموت، لكي يقوم ويقيمنا معه، فمن تلك النقطة المظلمة اليائسة، يدخل روح المسيح ليقيم نفوسنا من القبر، ويخرج الشخص لنور القيامة مع فجر النهار، ويختطف كيانه كله من حالته التي اعتبرها موت ليعاين أمجاد القيامة، ويجلسه في السماويات.

نعم… يسوع يعمل فينا معجزة القيامة… إنه يجعل حياة المسيح فينا فتظللنا ويغيرنا تدريجيًا من بطرس الخائف لبطرس شريك الصليب…فلم يكن تلاميذ المسيح اقوياء بل معترفين بضعفهم وتابعين له، لعل الموقف الذي قال فيه المسيح للشاب الغني عن ترك حياته وحمل الصليب يرينا شيئا رائعُا، فالشاب مضي حزينًا لأنه كان دي أموال كثيرة[5]، لكن العجيب أن التلاميذ لم يقولوا أن كلام المسيح سهل…بل تحيروا مثلنا في صعوبة الكلام والحق.

فَنَظَرَ يَسُوعُ حَوْلَهُ وَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: «مَا أَعْسَرَ دُخُولَ ذَوِي الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللَّهِ!» فَتَحَيَّرَ التَّلاَمِيذُ مِنْ كَلاَمِهِ. فَقَالَ يَسُوعُ أَيْضاً: «يَا بَنِيَّ مَا أَعْسَرَ دُخُولَ الْمُتَّكِلِينَ عَلَى الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللَّهِ! مُرُورُ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللَّهِ!» فَبُهِتُوا إِلَى الْغَايَةِ قَائِلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «فَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟» فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ يَسُوعُ وَقَالَ: «عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ وَلَكِنْ لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ لأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللَّهِ» (مر 10: 23 – 27)

لقد اخبرهم المسيح بالسر… إنه يستطيع… إنه يقدر أن يفعل ذلك في حياتهم… وقد قدر وفعل، لقد غير التلاميذ من خائفين مرتعبين لشهداء، غير بطرس من خائف ينكره إلي حامل صليب ومصلوب، غير التلاميذ المتصارعين علي من الأعظم في ملكوت الله ليكونوا خدامًا باذلين أنفسهم.

لذا.. مبارك ومطوب كل من اعترف بفقره الروحي أمام صعوبة الأحداث وتحديات الحياة.. تطويبات الرب له.. للجياع والعطاش للبر أي المفتقرين لوضعهم السليم بمقياس يسوع.. للحزانى الذين يتألمون ويخجلون لكونهم بعيدين عن صورة يسوع المسيح، فحياة الرب تنتظر أن تكسوا المعترفين بكم هو صعب بل مستحيل أن يعيشوا حياة يسوع علي الأرض، لهؤلاء حياة الرب موجودة وقائمة لتكسوهم وتعمل فيهم.

إن حياة يسوع القائم من الاموات تغيير بقوة شديدة وتدريجية من يشتاق ويتبعه ويريد حياته، فلنرفع طلبتك ونعمقها، ليصل صوتنا له ونقول له نؤمن يا سيد، قد امنا بموتنا، فحل علينا بروح قيامتك أيها الرب يسوع، اقمنا جيش عظيم لك، يعمل أعمالك وأعظم منها، لا عن كبرياء بل لأجل مسرتك. فأنت تجول الأرض بحثا عن ضعفاء ويائسين من حالهم لكي تعمل فيهما…أجعلنا نقبل تلك الرسالة من يدك العالية… وبقوة عملك فينا غيرنا لصورتك.

Romany Joseph
9th April 2013


[1]  كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «إِنِّي قَدْ جَعَلْتُكَ أَباً لِأُمَمٍ كَثِيرَةٍ». أَمَامَ اللهِ الَّذِي آمَنَ بِهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى وَيَدْعُو الأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ. فَهُوَ عَلَى خِلاَفِ الرَّجَاءِ آمَنَ عَلَى الرَّجَاءِ لِكَيْ يَصِيرَ أَباً لِأُمَمٍ كَثِيرَةٍ كَمَا قِيلَ: «هَكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ». وَإِذْ لَمْ يَكُنْ ضَعِيفاً فِي الإِيمَانِ لَمْ يَعْتَبِرْ جَسَدَهُ – وَهُوَ قَدْ صَارَ مُمَاتاً إِذْ كَانَ ابْنَ نَحْوِ مِئَةِ سَنَةٍ – وَلاَ مُمَاتِيَّةَ مُسْتَوْدَعِ سَارَةَ. وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِي وَعْدِ اللهِ بَلْ تَقَوَّى بِالإِيمَانِ مُعْطِياً مَجْداً لِلَّهِ. وَتَيَقَّنَ أَنَّ مَا وَعَدَ بِهِ هُوَ قَادِرٌ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيْضاً. لِذَلِكَ أَيْضاً حُسِبَ لَهُ بِرّاً. وَلَكِنْ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهُ أَنَّهُ حُسِبَ لَهُ بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ أَيْضاً الَّذِينَ سَيُحْسَبُ لَنَا الَّذِينَ نُؤْمِنُ بِمَنْ أَقَامَ يَسُوعَ رَبَّنَا مِنَ الأَمْوَاتِ. الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا. (رو 4: 17 – 25)

[2]  (2كو  4 :  8)

[3]  مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ! (مت 7: 14)

[4]  وَمَنْ لاَ يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُنِي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي. (مت 10: 38)

[5]  فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ وَأَحَبَّهُ وَقَالَ لَهُ: «يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ. اذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلاً الصَّلِيبَ». فَاغْتَمَّ عَلَى الْقَوْلِ وَمَضَى حَزِيناً لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ.  (مر 10: 21 – 22)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in مقالات روحية. Bookmark the permalink.

7 Responses to الاعتراف باستحالة السلوك كما المسيح هو بداية قيامة وتصور المسيح فينا

  1. sherif says:

    جميلة و بسيطة و واضحة

  2. Pingback: ولم أجد مَنْ أثق فيه.. إلا أنت وحدك.. ومَنْ هم فيك | Romanyjoseph's Blog

  3. Pingback: الإيمان والميلاد الثاني | الجزء الأول| كيف يحدث الميلاد الثاني | Romanyjoseph's Blog

  4. Pingback: رسالة من ابن إلي أبيه المحبوب.. إبليس | Romanyjoseph's Blog

  5. الرب يباركك اخي الحبيب

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s