ولم أجد مَنْ أثق فيه.. إلا أنت وحدك.. ومَنْ هم فيك

LOST0020-med

جلست أفكر وحيداً وانا أنظر الغروب.. والأحداث في بلادي تعلو وتهبط في جنون..
والشعب في حيرة.. بينما الصراع علي السلطة قائم..
والمتصارعين كلهم يريدون مصلحتهم الشخصية ومنفعتهم الذاتية وهم ينظرون لحال البلاد.. وبالطبع يُدعّوُن العكس..
يريدون الجلوس علي عرش البلاد والتمتع بخيراتها.. ويتصارعون علي كرسيها..
تماماً كما يتصارع الناس علي كرسي إدارة شركة  كبيرة، أو كما يسعون بشتي الطرق لمنصب مدير مرموق..
وخلال صراعهم لكل واحد مدرسة مختلفة لكي يصل..
فهناك الكاذب الذي يخدع وحين يصل يستبد وينفضح كذبه..
وهناك من يريد أن ينتفع ولا مانع أن يجعل غيره ينتفع حين يجلس علي الكرسي..
هناك المثقف الأنيق.. والناعم المتسلق.. والقوي المتحكم… والفظ الغليظ.. لكل منهم مدرسته…
هناك من يصل بالسطوة.. وآخر بالدهاء.. وغيره بالقضاء علي المنافسين..
وغيره بمزيج من كل ما سبق وبنسب مختلفة!
لكن المشترك أنهم كلهم يدعون المصلحة العامة وحب المؤسسة والعاملين بها!!
ويوهموني أنهم زاهدون ولا يريدون الإدارة وأنها حمل ثقيل قبلوه لأجلنا..
وابتسمت في سخرية.. فأنا اعرف أن المنفعة الشخصية  ولا سواها هي محرك كل شيء..
وأعرف قدرتها العظيمة علي التهام كل نقاء وابتلاعه بلعاً..

أعطهم الأسامي التي تريدها..
سلفيين.. إخوان.. متدينين.. جيش.. مدنيين.. فلول.. ليبراليين.. ثوار.. مُصلِحين..
كلهم يحاربون لأجل أنفسهم.. لا لأجل نفسي.. نفسي لا يهتم بها أحد..
فقد اكتشفت في حياتي الشخصية زيف أحباء وأقرباء أوهموني أنهم يحاربون لأجل نفسي..
واكتشفت أنهم يحاربون لأجل أنفسهم ولا مانع أن يدوسوا عليّ إن لزم الأمر..
بل دعني أخبرك سراً وخجلاً.. أني أنا فعلت نفس الشيء نحو كثير ممن احبوني..
فسطوة المصلحة الشخصية مرعبة.. أقوي بكثير من حبنا للآخر..
وأفهم جيداً صعوبة أن يحارب أحد لأجل من يحب..
بل واستحالة ذلك حين يتعارض مع المصلحة الشخصية.. وأعلم أن التعارض سيأتي عاجلاً  أم آجلاً..
فهل وصلت بي السذاجة أن اصدق أن محبي السلطة يحاربون لأجلي؟
وأن المتصارعين علي الحكم يحبون الوطن ويريدون بذل أنفسهم فداء لأجله؟

ونظرت لنفسي وسط تلك الحرب وسألت السؤال المؤلم الذي أهرب منه.. لماذا ارهق نفسي بتأييد وتصديق واحد منهم؟
لماذا أريد أن أصدقهم؟ وأن أضع رجائي في أحدهم؟ لماذا أوهم نفسي أنهم صالحون ولمصلحتي يعملون؟
كلامهم يشهد علي فسادهم.. وها التكنولوجيا جعلت كل شيء مسجل ومثبت..
وكواليسهم التي تنفضح بسبب تطور الاتصالات وتكشف زيفهم كلهم..
هل أنا لا اريد أن اري الحقيقة.. بسبب قسوتها؟
هل تخدير نفسي وإيهامها أنهم قد يكونوا صالحين سينجح؟ أنا أعرف الإجابة لكن أرتجف من مواجهتها..
لكن في نفس الوقت.. خبراتي السابقة في تصديق مدعين المحبة كانت مؤلمة جدا وخسارتها فادحة..

ضاقت بي الدنيا ولم أعرف ماذا أفعل..
أحنيت رأسي وأنا جالس علي كرسيي لأصلي..
مرة من المرات القلائل التي أحاول فيها التلامس مع الرب بطريقة عملية وسط تلك الأزمة…
أنا بارع في سرد الشعارات.. لذا في تلك المرة.. لم أجد كلمات..
حاولت أن أطلب من الله أن يقف مع اقلهم فساداً لكي ينقذ البلاد.. فعجزت تلك الكلمات المتناقضة أن تخرج من فمي..
حاولت أن أطلب منه أن يختار احسنهم لنا.. فلم استطع أن أقولها.. فقد فتح عيني أنه لا يوجد فيهم أي شيء صالح…
حاولت أن أطلب منه أن يقف معنا نحن المساكين.. فلم أقدر أن أطلب! فنحن مثلهم تماماً في دوائرنا الصغرى.. بتوع مصالح.. ولسنا أبر منهم.

تحيرت.. ودمعت عيناي.. وقلت له خذني إذن.. موتي خير من حياتي..
ما أبشع تلك الحياة التي يحركها المصالح الشخصية.. رائحتها رائحة موت..
وكنت علي وشك إنهاء صلاتي كالعادة دون تلقي رد.. لكنه ولأول مرة تكلم ..
وقال في حنان: أنا هنا.. كنت أنتظر أن تدرك الموت لأكلمك.. وها قد أدركت..
أجبت وقلت: نعم.. ما أبشع عالم أناني كله مصالح غارق فيها ويزيفها..
ابتسم وقال لي: أنا أحببتك دون أدني مصلحة..
قلت له في ارتباك: أنت خلقتني ولم يكلفك ذلك اي عناء ولا تعارض مع مصلحتك..
رد بحنان: خطيتك كلفتي وألمتني وأنا لا اطيقها، لكني مت لأجلك وحملتها وفديتك.. دون أن أريد أي نفع..
لم أجد ما أقوله.. فأنا أعلم أنه الوحيد الذي يحبني بلا أدني مصلحة.. لكني دوماً اتجنبه.. وأبحث عن غيره أضع فيهم ثقتي ورجائي.. ربما أراه بعيداً.. أو غير عملي.. أو محتجب.. أو أري محبته ليست المكان أو الحل المناسب في ذلك العالم.. أو في وسط تلك الظروف.. الكل يعتبر كلامه لا يصلح إلا داخل الدير او الكنيسة.. أما في تحديات الحياة فكلامه دروشة وروحنة..  لم احتمل أفكاري السلبية نحوه، مقابل فيض حنانه.. وصمته المحب إزاء تشويهنا له وتهمنا نحوه..
انحنيت وبكيت.. وقلت له: خذني إذن عندك من ذلك العالم الذي ينهشني.. فأنا متعب وغير قادر.. لا احتمل مزيد من الصدمات في عالم كله مصالح شخصية وأنانية.. حولي وداخلي لا يوجد إلا فساد!

احتواني وقال: لقد خلقت داخل ذلك الجحيم جنة.. بها محبة حقيقية غرستها هناك بنفسي.. ولا فساد يمسها، ولا سلطة للموت هناك!
قلت له في لهفة: أين؟.. أريد أن أحيا هناك.. لأرتاح من ذلك الموت.. أرجوك قل لي أين؟
أشار إلي مجموعة صغيرة بسيطة تجلس معاً في منزل وتتشارك في الإنجيل وتصلي بحب… وقال: هل تري هؤلاء؟ هناك وفي مجموعات مماثلة ستجد الجنة.. هذه هي كنيستي.. اقتنيتها بدمي ونزعت عنها الأنانية وزرعت حبي النقي فيها..
قلت في حزن : جربت أماكن مماثلة وكانوا مزيفين ويرتدون اقنعة.. ويبحثون عن ربح وشهرة وسمعه وسلطة حتي في المجالات الروحية..
رد في ألم: اعلم ذلك جيداً.. المزيفين يبحثون عن ربح ومصلحة.. حتي داخل الكنيسة.. فيجعلون بيت أبي مغارة لصوص.. ويضلون ويجرحون المساكين بحبهم لذواتهم.. لكن هؤلاء حقيقيين..
سألته في حيرة: وكيف أعرف وأميز؟
رد عليّ: الأمر بسيط.. لا يوجد مصلحة تجمعهم أو تحركهم.. كلهم مثلك.. متألمين وطالبي حب.. وكلهم يخسرون لأجل ربحي..
تساءلت في شك: ألن تجرحنا أنانيتنا وتفضيل مصالحنا حين نقترب لبعض أكثر؟
قال لي: لقد قمت بصلب ذلك وقتله وخلق محبة جديدة من محبتي..
تساءلت مرة أخري مستوضحاً: أتعني أنه لن تكون هناك جراح الأنانية والمصلحة الشخصية بيننا علي الإطلاق؟
أجابني بصراحة: المحبة بينكم مولود جديد ضمان نموه هو حضوري الحقيقي.. والأنانية والمصلحة بينكم لن تنمو بل تفني كلما زادت محبتي فيكم.. قد تحدث جراح وتصرفات قديمة بينكم .. لكن حضوري يجعل ذلك المكان يتحرك عكس ما يتحرك العالم حولكم.. العالم ينمو في الانانية والمصالح الشخصية… وأنتم تنمون في المحبة وتنفي أنانيتكم حتي تتلاشي..
تذكرت فجأة أني كنت بدأت كلامي بسبب صراعات العالم حولنا في البلاد، فقلت له: وماذا عن العالم.. من سيحكمنا ويدير بلادنا؟
اجابني: ألم تصل أنت لنتيجة أنه لا فارق.. وكلهم فاسدون؟
قلت له: نعم.. ولكني أتمني أن يكون الوقت القادم هادي..
نظر لي بحنان وقال: كان هادئاً قبلاً.. وهدؤه لم يلغي المصالح والأنانية وجراحها فيك!
لم أعرف ماذا اقول، فأشار إلي المجموعة الصغيرة ونظر لي قائلاً: وسط اخوتك سأعطيك سلامي.
غمرني سلام مع كلماته، وعلمت أنه علي حق: وسألته: وماذا عن العالم حولنا؟ ماذا نفعل ونحن في جنة وسط جحيم مؤلم
نظر في عيني وقال في جدية: كن نور.. واجذب نفوس من ذلك العالم المتألم إلي جنتي ..
ارتبكت وقلت: يرونك شخص غير عملي وكلماتك ومبادئك لا تصلح لتحديات الحياة!!
بدا علي وجهه الحزن وهو يقول: أعلم.. ليتهم يفكرون ثمار ما جنوه مما يسمونه عمليه وإيجابية.. ثم سألني: وهل أنت تراني غير عملي وكلماتي لا تصلح لتحديات الحياة؟ وغيرها كان صالحاً ونافعاً؟
كانت المقارنة التي وضعها مخجلة.. فكلنا جربنا كل الطرق ولم تفلح.. وبقي طريقه نحكم عليه من بعيد.. تداخلت كل الكلمات معاً.. ووجدت نفسي أقول له: أنت صعب.. طريقك صعب!
ابتسم في حنان وقال لي: حقيقي.. إدراكك لذلك شيء جيد، فطريقي الصعب أنا احملك فيه ولا تستطيع السير فيه بمفردك أو معتمداً علي قدرتك، كل من جربوا طريقي وتراجعوا، حاولوا المشي فيه بدوني وظنوه سهل فيأسوا.. والعجيب أنهم رجعوا لطرقهم المائتة السهلة.. فجيد أنك وعيت ذلك.. وسأعلمك وأرشدك وأحملك في الطريق.. واعطيك قلبي وحياتي فتكون مثلي.
حاولت أن انتهز فرصة حضوره لكي أطلب وهو يجيب.. حاولت أن أطلب لنفسي.. أو لمن أعرفهم… أو للبلاد
فلم اجد إلا طلبة واحدة.. غير أن تنمو جنته وتحتوي الكل.. ويأتي ملكوته.
أغمضت عيني.. وقررت أن أتبعه .. ولا أضع رجائي إلا في سواه.

Romany Joseph
25th July 2013

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in الكنيسة ومصر and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

19 Responses to ولم أجد مَنْ أثق فيه.. إلا أنت وحدك.. ومَنْ هم فيك

  1. Maged Lewis says:

    رائع يا رومانى زى العاده

  2. Lion & Eagle says:

    Thanks for sharing this man of God. it was refreshing to my heart .
    I felt that I was setting with you and listening

  3. marlin says:

    يارومانى حلوة اووووووووووى وفى وقتها جدااااااااااااااا
    God bless u brother 🙂

  4. Pingback: المسيح وموفقه | بين آدم الأول والإنسان الجديد | الجزء الأول | Romanyjoseph's Blog

  5. Mirande says:

    حتي الان لم اجد هذا الجسد و بالرغم ما تعرضت له من هذا الجسد من رفض و تحرش و إدانة و احكام الا انني علي يقين انه في مكان ما يوجد هذه الجنة و هؤلاء الأناس الدين اخذوا قرار المحبة ويشتاقوا ان يتذوقها إخوتهم معهم . كم اشتاق و احتاج ان استريح في حضن هذه المحبة،كم اشتاق ان اتحد مع من هم فيه حيث لا أنانية و لا إدانة و لا احكام و لا تدين إنما محبة صافية دافئة حقيقية

    • RomanyJoseph says:

      أمين يا اختي العزيز… المسيح يرشدك حسب اشتياق قلبك
      واتمني ان اساعدك في الوصول لمسيحيين حقيقين علي قدر علمي ومعرفتي

      يمكنك التواصل معي علي الميل
      romany.joseph@hotmail.com

      ربنا يباركك

  6. randa ramzy says:

    اشكرك .. كلمات لا توصف

  7. Mirna Ishak says:

    Gamiiila gedaaaan 🙂
    Wel 7ewar ma3 allah mo3azyyy le daraga matetwesefsh 🙂
    God bless you 🙂

  8. beman says:

    الله عليك ياجميل

  9. Fa Mank says:

    كما تعامل الله برمزيه مع هوشع مازال يتعامل معنا ..
    ونحن بغباوه نعتقد ام ما نراهتجربه من الشيطان ليضايقنا ..بينمابعد الدخول في ” عديد” من العواصف نبداان نستوعب انها ليست منابليس ولا من الناس لكنها جراحه ” ميه بيضه”تفتح عينك علي حقيقه الوان ضعف البشر والحياه و حقيقه البيات الشتوي الذي نتلذذ الركون اليه وسط العالم في ركن “هاديء” .. لا ليس هناك ركن هادي .. وقليل من يسير وراء يسوع ويجول يصنع الحب .. بل كثير من يبيع الحب .. يبيع و يشتري به لنفسه.. ويكسب ومن يمتهن حرفه بيع الحب ال”صيني” الشكلي الذي يدوم يومين .. مبروك العمليه نجحت واراك ارشدت الكثيرين لروءيه الالوان والاشياء بحجمها الحقيقي … ورايت الواقف وراء الاحداث .. وًسمعته .. و فهمت قبل ان تنتهي القصه كلها .. ونكنتشف عندما نقف امامه اننا .. ذاكرنا من الكتاب الغلط ..واجبنا كل الاجابات غلط .. وقضينا العمر نحفظ … ولم نفهم ولا كلمه … مشكور المدرس الاعظم علي المراجعات النهاءيه .. قبل تسويف العمر باطلا … محبتي و تقديري ..
    🙂

  10. mina.shamshoon says:

    صحيح في كل جتة زيف زيف زيف زيف ……… أحيانا بيجلى شعور ان الوهم هو أنك تصدق ان فيه حد على الأرض غير ربنا ممكن يحبك كده من غير مصلحة حتى لو كانت احتياج عاطفى ” وده الأغلبية ” بس محبة ربنا عاملة زى حبل نازل من فوق كده ياتمسك فيه وأنت مش عارف هو جاى منين وهايخدك على فين ياتفضل واقف على الأرض اللى أنت فاكرها ثابتة تحت رجليك وهى أصلا سراب في خيالك ……. غموض ….. ده وصف الحالة اللى الأنسان الصريح فيها

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s