من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 02 | حياة الرب يسوع ومراحلها هي نبع وسر مراحل حياتنا الجديدة

jesus-our-lord

لقد علمنا الكتاب المقدس، وعلمتنا الكنيسة في رجلها المؤمنين أن كل شيء من وب وإلي الله[1]، فلا يمكن أن نتناول أي موضوع في حياتنا بمعزل عن الرب، ودون وضع عمل المسيح وشخص الرب يسوع كمحور لما يريد الله أن يعلنه لنا.

إن حياة الرب حين نفخ في أدم أوجدت حياة الإنسان على صورة الله ومثاله، وفهمنا سر عظيم، وهو أن الرب عنده حياة حين يعطيها، وحين يعطيها تحدث أمراً عجيبًا، فهي تشكل من يستقبلها ليصير على صورته بقوة اللاهوت الكائنة في تلك الحياة حتي لو كان تراب! وكانت الخطة الأولي أن يفيض الإنسان بتلك الحياة التي استلمها علي الخليقة، ويثمر ويكثر ويملا الأرض، ويعطي تلك الحياة، لكن بالسقوط ودخول الموت أصبح الإنسان يعطي غيره موت لا حياة، ويورث غيره الموت واللعن والدمار.

لذا فقد قرر الرب أن يدخل عالمنا بعد أن سقط. قرر أن يدخله بطريقه تجعله يعطي حياته مرة آخري للإنسانية من خلال اتحاد ابن الله بالإنسانية في شخص الرب يسوع الكلمة المتجسد، لكي يحيا الرب حياة إنسانية كاملة ومتحدة باللاهوت ثم يعطيها لنا بكل تفاصيلها وباللاهوت الكائن في جسده[2]، لكي تكون تلك الحياة بقوة ذلك اللاهوت هي الفاعلة فينا. فأتي وتجسد ونما وعاش وصلب ومات وقام لكي يلدنا مرة ثانية ويعطينا حياته لنحياها.

إن سر تجسد الرب يسوع وحياته يحوي في تفاصليه وثناياه كل ما يحتاجه الإنسان لكي تنفتح عينيه على ما يحدث له عن ولادته الجديدة من الرب وفي الرب وحتي نهاية رسالته علي الأرض، ففي سر التجسد، تري الرب وقد ولد صغيراً، وهي مرحلة عاشها كاملة، وبعدها توجد نقلة في حياته حين أصبح رجلاً وبدأ ممارسة عمله المسياني وخدمته التي استلمها من الآب إلى أن أكمل رسالته كما استلمها وأسلم الروح، وقد أعطي لنا تلك الحياة ذات الرسالة الكاملة من بدايتها لنهايتها لنحياها ربما بتفاصيل مختلفة لكن بنفس الجوهر.

تعودنا أن نتناول قصة التجسد كحدث “قديم وخارجي” حدث في أورشليم منذ الفي عام، بينما هو حدث “حاضر وداخلي” يحدث فينا يومياً، فتلك القصة التي حدثت في أورشليم منذ الفي عام، ليست قصة تاريخية انتهت وتبقي منا أن نسردها بانبهار، ولا حتى هي قصة حاضرة أمامنا نشاهدها خارجنا ونقف منها موقف المتفرجين، بل وليست هي قصة نأخذ منها الأحداث الكبيرة الواضحة ونعي أنها لنا ثم نكتفي! كلا، إنها قصة حية شخصية سرائرية، إنها قصة كل واحد فينا، ولو لم نختبرها بكل تفاصيلها فليس لنا فجر.. فهي تحدث فينا بكل تفاصيها المستيكية[3]، فالمسيح نزل وتجسد وعاش حياة كاملة ليودعها بكل اسرارها وتفاصيلها ويغرسها في كل من يؤمن به[4].

نعم لقد صار الله إنسانًا، وفعل كل ما فعله لأجلنا[5]، فهو أراد أن يكون مثلنا ونكون مثله وأن يأخذ الحياة المائتة التي لنا ويميتها، وأن يعطينا حياته التي تأنس وعاشها لنكون مثله كما تجرأ بولس وقال إنه يكون بكر بين أخوة كثيرين[6]، فالكلمة صار جسدًا وحل فينا[7].

لقد شرح القديس أثناسيوس وكثيرين أخرين مثل الأب متي المسكين ذلك السر حين قال إن الرب صار إنسان، شرح الفارق بين أن يكون الرب نفسه صار إنسان[8]، وبين أن يكون صار مع إنسان[9] [10] [11]. ففي تأنس الرب سر عظيم حدث لنا ولأجلنا، فقد حل اللاهوت في الجسد ليكون جسد الرب[12]، لكي يُعطي جسد الرب لنا فنحيا بذلك الجسد[13] [14] ، فنأخذ منه وتكون لنا من ملئه نعمة فوق نعمة[15]، ونحن كثيراً في حياتنا ننظر للأمر وكأن “الله مع الإنسان” وذلك يجعلنا نفقد الكثير والكثير في حياتنا فالمسيح تعدي كونه معنا بل صار “فينا” وصار إنساناً مثلنا لكي نصير نحن ألهه![16] [17].

إن ذلك الاتحاد السري بين اللاهوت والناسوت هو اتحاد كامل بلا اختلاط ولا امتزاج، وهو أيضًا بلا ازدواجية الإنسان الكامل والإله الكامل التي تعودنا ان نقولها[18]. ذلك الاتحاد السري أصبح مركز اللاهوت السليم ومحور اعلان عمل الله في البشرية.

أن حياة الرب يسوع بكل تفاصيلها الصغيرة، وبمراحلها الكبيرة (التجسد أو الميلاد – النمو – الحياة – الصليب – القيامة) قد حدثت لأجلنا، واعطيت لنا بكل تفاصيلها لكي نحيا تلك الحياة نفسها كما عاشها هو لأجلنا ولأجل خلاصنا. وهكذا صارت كل لمحة من لمحات الحياة التي عاشها الرب يسوع تحمل أسرار حياتنا الجديدة وهدم حياتنا القديمة[19]، فكانت بداية تدبير الفداء، هي دخول الابن لعالمنا المتغرب عنه، واتخاذه جسداً، حيث اتحد لاهوته بناسوت ذلك الجسد الإنساني، لكي يكون ذلك الاتحاد أول خطوة تنقض حركة الانفصال القائمة بين الله والإنسانية، وصارت تلك الولادة (ولادة الرب الكلمة المتجسد) عمل ينقض الموت (موت الإنسان بانفصاله عن الله). لكي يكون من الممكن أن يولد الابن في حياة كل واحد فينا بخليقة جديدة، ثم نمو في القامة والنعمة لينقض به اضمحلال بشريتنا وتحركنا نحو التلاشي والعدم، مروراً بحياة مجيدة نقية، حياة مثمرة منيرة تكون نبع حياتنا ونقائنا بدلاُ من حياتنا الدنسة المفلسة المظلمة، لكي يكون للحياة الجديدة التي ننالها منه نمو ويكون حياتنا القديمة نقض وهدم، ثم حروب مع ابليس ينتصر فيها لينقض بها حالة الهزيمة والقهر التي لنا، لكي يكون لنا نصرة من خلال حضوره فينا، ثم صلب وموت يحمل فيه الطبيعة العتيقة وخطايانا ليبطل سلطانها لكي ينقض سلطان وسيطرة تلك الطبيعة الفاسدة علينا، لكي يكون يميت ذواتنا الفاسدة وطبيعتنا العتيقة بصليبه فينا، واخيراً قيامة وصعود عوضاً عن موت وانحدار اصابنا، لكي يقيمنا ويجلسنا معه في السماويات.

كلها أفعال ناقض بها الرب يسوع عمل ابليس، وكانت أرض المعركة للطرفين هي بشريتنا… هي أنا وأنت، وأعطانا نفس الحياة بكل مراحلها في جسده[20]. وبعد أن كنا محكوم علينا بالموت في خطايانا بلا رجاء… صار لنا حياة يسوع كاملة اعطيت لنا… أي عقل يستوعب تلك النعمة، لقد أصبح لنا أن يحيا فينا ونحيا فيه ونعمل اعماله وأعظم منها كما قال هو نفسه[21].

لقد أصبح سر حياتنا في ذلك الجسد الذي اتخذه الكلمة واتحد به، فذلك الجسد المتحد باللاهوت أصبح هو العطية التي نأخذها ونأكلها سرائرياً لنحيا، لقد اُعطي لنا ذلك الجسد المتحد بالكلمة لنصير فيه وهو فينا[22]، ويكون ذلك الجسد هو الكنيسة[23]. أي نحن المؤمنون، فيعمل فينا ويتحد بنا[24] ويكون هو خليقتنا الجديدة أي المسيح فينا، والقديس أثناسيوس يقول: “إن كل ما كُتب فيما يختص بناسوت مُخلّصنا ينبغي أن يُعتبر لكل الجنس البشري[25].

لذا فكل تلك الأفعال، من ولادة وتجسد ونمو وحياة بالروح وصليب وموت وقيامة [26] … كل ذلك يصب في صالحنا نحن البشر ولأجلنا، ولأجل خلقنا خلقة جديدة في المسيح من طبيعته ولكي يسترد لنا الصورة التي أردها لنا قبل تأسيس العالم[27]، لذا صار شخص الرب يسوع وحياته بكل مراحلها هي نبع استعلانات شخصيتنا وحياتنا الجديدة بكل مراحلها، وهي العطية التي اُعطيت لنا[28]، وسنستمد من ذلك النور، ومن الكلمة، ومن حياة رجال لله الذين تصور المسيح فيهم ومراحل نموهم، معرفتنا بماهية الولادة والطفولة والنمو والرجولة في مسيرتنا الروحية لمليء قامة المسيح.

Romany Joseph
14th September 2013

الأجزاء السابقة:

من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 01 | مقدمة


[1]  لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ (رو 11: 36)

[2]  حيث أن جسد المخلص صار محيياً بسبب اتحاده بذاك الذي هو الحياة بطبعه أي باللوغوس، لذلك نحن حينما نأكل هذا الجسد الإلهي ننال منه الحياة داخلنا لأننا نصير متحدين به بمثل ما هو متحد باللوجوس الساكن فيه

القديس كيرلس الكبير – تفسير يوحنا 6: 54

[3]  كلمة ميستيكي Mystical = μυστική: هو اللفظ اليوناني الذي يُترجم عادة بكلمة ” سري “، مع أن كلمة ” سري ” باللغة العربية لا تعطي المعنى الدقيق للفظ اليوناني الأصيل للكلمة، فكلمة سري في اللغة العربية تعني: الخفي وتفهم على أساس الشيء المخفي والغير ظاهر !!! ولكن كلمة ميستيكي Mystical = μυστική في الحياة الروحية تعني: الاختبار الباطني المباشر لله ومعرفة الإلهيات من خلال الثيئوريا θεωρία أي ” التأمل أو النظر والرؤيا في الإلهيات “، ولا يُشترط أن يكون ذلك من خلال رؤية مناظر فائقة الطبيعة، ولكن هي حالة خضوع العقل والإرادة كلياً لله.

 ولكلمة ميستيكي Mystical = μυστική معنى آخر هو: اقتناء أو توصيل معنى روحي أو حقيقة روحية محتجبة وراء كلام أو مظاهر مرئية. وفي هذا المعنى تكمن التفسيرات الميستيكية لبعض آيات الكتاب المقدس

 [4]  إذن فالكلمة هو واحد حقاً وفعلاً بالطبيعة مع الآب أما نحن فقد أعطى لنا أن نتشبه بهذه الطبيعة كما سبق أن قيل لأنه أضاف مباشرة “أنا فيم وأنت في، ليكونوا مكملين إلى واحد” (يو23: 17). ولذا فالرب هنا يطلب لأجلنا شيئاً أعظم وأكمل لأنه واضح أن الكلمة قد جاء لكى يكون فينا لأنه قد لبس جسدنا. وبقوله “وأنت أيها الآب في” فهو يعنى “لأنى أنا كلمتك، وحيث أنك أن فى، بسبب كونى كلمتك، وأنا فيهم بسبب الجسد، ومنك يتحقق خلاص البشر فىّ” لأّلك أسأل أن يصيروا هم أيضاً واحداً، بسبب الجسد في وبحسب كماله لكى يصيروا هم أيضاً كاملين إذ يكون لهم وحدة مع الجسد، ولأنهم قد صاروا واحداً في هذا الجسد، فإنهم كما لو كانوا محمولين فىّ، يصيرون جميعاً جسداً واحداً وروحاً واحداً (أفسس 4: 4) ولكى ينمو الجميع إلى إنسان كامل (أفسس 13: 4) لأننا جميعاً، باشتراكنا فيه، نصير جسداً واحداً، لأننا نحصل على الرب الواحد في أنفسنا

 القديس اثناسيوس – المقالة الثالثة ضد الأريوسين – فقرة 22

[5]  إذن فإن كان يقدس ذاته من أجلنا. وهو يفعل هذا لأنه قد صار إنساناً، فمن الواضح جداً أن نزول الروح عليه في الأردن، إنما كان نزولاً علينا نحن، بسبب لبسه جسدنا. وهذا لم يصر من أجل ترقية اللوغوس، بل من أجل تقديسنا من جديد، ولكي نشترك فى مسحته، ولكى يقال عنا “ألستم تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم” (1كو16: 3) فحينما أغتسل الرب فى الأردن كإنسان، كنا نحن الذين نغتسل فيه وبواسطته. وحينما أقتبل الروح، كنا نحن الذين صرنا مقتبلين للروح بواسطته.

القديس أثناسيوس – المقالة الأولي ضد الأريوسين – فقرة 47

[6]  لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ لِيَكُونَ هُوَ بِكْراً بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ. (رو 9: 29)

[7]  وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا (يو 1: 14)

[8]  إذن فمن يقرأ للكتاب الإلهي، سيعرف هذه الآيات من كتب العهد القديم، ومن الأناجيل أيضاً وسيدرك أن الرب صار إنساناُ، لأن الكتاب يقول “الكلمة صار جسداًُ وحل بيننا” (يو14: 1). والكلمة صار إنساناً، ولم يأت إلى داخل إنسان، لأن هذا ضروري أن نعرفه، لئلا يحدث أن هؤلاء الناس عديمي التقوى يضلون ثم يخدعون الآخرين بهذا الضلال ظانين أنه كما اعتاد الكلمة أن يأتي إلى القديسين في العصور السابقة، هكذا يأتي الآن أيضاً في إنسان ويقدمه ويظهر نفسه بواسطته كما أظهر نفسه فى السابقين، لأنه لو كان الأمر كذلك، وأنه ظهر فقط فى إنسان، لما كان هذا أمراً غريباً، ولما تعجب أولئك الذين رآوه قائلين “من أين هو؟” (أنظر يو9: 19) و “لماذا وأنت أنسان تجعل نفسك إلهاً” (يو33: 10) لأنهم قد اعتادوا على مجيء كلمة الله إلى الأنبياء من الكلمات التي تقول “صارت كلمة الرب، إلى هذا أو ذاك من الأنبياء. ولكن الآن، حيث إن كلمة الله، الذي به كان كل شيء، قبل أن يصير ابن الإنسان، ووضع نفسه، أخذاً صورة عبد، لذلك صار صليب المسيح لليهود عثرة أما لنا نحن، فالمسيح هو قوة الله وحكمة الله (أنظر 1كو24: 1).

القديس اثناسيوس – المقالة الثالثة ضد الأريوسين – فقرة 30

[9]  ومنذ القدم صار هذا مع كل واحد من القديسين لكي يقدس أولئك الذين يقبلونه باستفادة، ولكن حينما ولد أولئك الأنبياء، لم يقل عندئذ أنه (الكلمة) صار جسداً، ولا حينما تألموا قيل أنه هو نفسه قد تألم. ولكن حينما جاء بيننا من مريم في نهاية الآزمة لأجل إبطال الخطية، لأنه هكذا سر الآب أن يرسل ابنه الذاتي “مولوداً من أمرأه مولوداً تحت الناموس” (غلا4: 4)، وعندئذ قيل إنه أخذ جسداً وصار إنساناً، وبهذا الجسد تألم لأجلنا كما يقول بطرس “فإذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد” (1بط1: 4)، لكى يقبل الكل ويؤمنوا أنه كان إلهاً على الدوام، مقدساً أولئك الذين أتى إليهم، ومنظماً لكل الأشياء حسب مشيئة الآبن ولكنه فيما بعد صار لأجلنا إنساناً وحل جسدياً، كما يقول الرسول “اللاهوت حل في الجسد” (كو9: 2)، وهذا يساوى القول “إذ هو الله، فقد أخذ له جسداً خاصاً به وصار إنساناً لأجلنا مستخدماً هذا الجسد كأداة.

القديس اثناسيوس – المقالة الثالثة ضد الأريوسين – فقرة 31

[10]  وق. يوحنا – عن حكمة روحية وبصيرة لاهوتية – اختار كلمة “صار” ولم يقل “أخذ جسداً” كما يخطئ بع اللاهوتيون، فهو لم “يأخذ” وإلا كان من المحتمل أن “يترك” كذلك لم يقل: “حل في الجسد” مجرد الحلول وإلا احتمل الإخلاء والترك، بل قال “صار” لكي بحيث يستحيل ان يتراجع فيما صار اليه لأن الصيرورة هنا شملت الكيان كله.

الاب متي المسكين – شرح إنجيل يوحنا: الأصحاح الأول عدد 14 – ص 84

[11]  ولدحض ذلك التعليم الغنوسي، قام يوحنا بكتابه الإنجيل والرسائل التي تشرح لنا أن يسوع لم يأخذ جسداً بل “صار جسداً” وعبارة صار جسداً أقوى بكثير من عبارة أخذ جسداً، لأن عملية التجسد لم تكن عملية لبس ثوب آخر، بل هي عملية اتحاد كلي وجزئي دون أن تطغي او ان تلاشي طبيعة الواجد طبيعة الآخر. فالمسيح صار جسداً، صار فعلاً وحقاً إنسان.

حنا جرجس الخضري – تاريخ الفكر المسيحي – الجزء الأول – ص 402 – 403

[12]  وبناء على هذا فقد قيل عن خواص الجسد إنها خاصة به حيث أنه كان في الجسد، وذلك مثل أن يجوع، وأن يعطش، وأن يتألم، وأن يتعب، وما شابهها من الأمور المختصة بالجسد، بينما من الناحية الأخرى فإن الأعمال الخاصة بالكلمة ذاته مثل إقامة الموتى، وإعادة البصر إلى العميان، وشفاء المرأة نازفة الدم، قد فعلها بواسطة جسده، والجسد خدم أعمال اللاهوت، لأن اللاهوت كان في الجسد ولأن الجسد كان جسد الله. وحسناً قال النبي “حملها” (أش4: 53، مت17: 8) ولم يقل أنه “شفى ضعفاتنا” لئلا إذ تكون هذه الضعفات خارج جسده هو” وهو يشفيها فقط – كما كان يفعل دائماً فإنه يترك البشر خاضعين للموت، ولكنه حمل ضعفاتنا، احتمل هو نفسه خطايانا، لكى يتضح أنه قد صار إنساناً لأجلنا، وأن الجسد الذى حمل الضعفات، هو جسده الخاص، وبينما هو نفسه لم يصبه ضرر أبداً “بحملة خطايانا فى جسده على الخشبة” كما قال بطرس (1بط24: 2) فإننا نحن البشر قد افتدينا من أوجاعنا وامتلأنا ببر الكلمة.

القديس اثناسيوس – المقالة الثالثة ضد الأريوسين – فقرة 31

 [13]    أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ (يو 6: 51)

[14]  لا نظنوا أن جسد ابن الإنسان جسد عادي مثلنا، وإلا كيف لجسد عادي أن يعطي حياة؟ فإنه جسد ذلك الذي صار إنساناً لأجلنا – القديس كيرلس الكبير

Epist. Ad. Nestorium ; P. G. T. 27. Col 113; Gugie  258.

[15]  وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ. (يو 1: 16)

[16]  لأنه قد صار إنسانًا لكي يؤلِّهنا في ذاته، وصار من نسل المرأة ووُلد من عذراء لكي يحول لنفسه ميلادنا الذي كان في ضلال، ولكي نصير فيما بعد ” جنساً مقدساً” (1بط: 2: 9)، بل وشركاء الطبيعة الإلهية كما َ كتب الطوباوي بطرس (2بط 1: 4)

القديس أثناسيوس الرسولي – الرسالة ٦٠ إلى أدلفيوس ٣ و ٤

[17]  يوجد جدل كبير حول فكرة تأليه الإنسان وكثيرين يرفضوها ويظنوها تعالي… والسر ببساطة أن وصف الإله عندنا خالي هو وصف اغريقي أو غير مسيحي، قوة باطشة، شخصية عالية محاطة بأمجاد وعظمة، أننا نرسم صورة لإله بعيد جالس على عرش منفصل عن البشرية، بينما كان يتوجب علينا أن يكون الإله الذي نرسمه هو “يسوع المسيح” سر الوهيته هو المحبة والإخلاء والبر والقداسة… وحين نقول إننا علي صورة المسيح ونرفض أننا نتأله فنحن نناقد أنفسنا…فقد صرنا ألهه بحسب التعبير الكتابي “اجابهم يسوع اليس مكتوبا في ناموسكم انا قلت انكم الهة (يو  10 :  34)”وبحسب تدبير الفداء وكل فكر الله أن نصير “واحد”.

[18]  إن الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية اتحدتا بالتجسد اتحادًا كليًا وكاملاً وصارتا واحدًا، ولكن هذا الاتحاد لم يغير شيئًا من الطبيعتين، كل في مجاله، فهو إله متأنس وليس الهًا وإنسانًا وكأنه ازدوج الشخصية، فلم يأت عملا الهيا دون أن يكون الجسد شريكًا فيه ولم يعمل عملاً جسدانيا دون أن يكون اللاهوت شريكًا فيه.

الاب متي المسكين – شرح إنجيل يوحنا: الأصحاح الأول عدد 14 – ص 89

[19]  كل ما كُتب عن المخلِّص بحسب بشريته، يلزم أن ننسبه لجنس البشرية عامة، لأنه أخذ جسدنا وحمل ضعفاتنا

Ibid. p. 278.

الاب متي المسكين – القديس اثناسيوس الرسول  – القسم اللاهوتي – الفصل الخامس – الإنسان والخلاص في اللاهوت عند أثناسيوس

[20]  إذن فإن كان يقدس ذاته من أجلنا. وهو يفعل هذا لأنه قد صار إنساناً، فمن الواضح جداً أن نزول الروح عليه في الأردن، إنما كان نزولاً علينا نحن، بسبب لبسه جسدنا. وهذا لم يصر من أجل ترقية اللوغوس، بل من أجل تقديسنا من جديد، ولكي نشترك في مسحته، ولكي يقال عنا “ألستم تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم” (1كو16: 3) فحينما أغتسل الرب في الأردن كإنسان، كنا نحن الذين نغتسل فيه وبواسطته. وحينما أقتبل الروح، كنا نحن الذين صرنا مقتبلين للروح بواسطته.

القديس اثناسيوس – المقالة الأولي ضد الأريوسين – فقرة 47

[21]   اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضاً وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا لأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي. (يو 14: 12)

[22]  ويستمر أثناسيوس في شرحه وتعليله لقيمة اتخاذ الكلمة جسداً بشرياً كاملاً ليعمل فيه عمله الخلاصي العجيب، موضِّحاً أن كل ما “للكلمة” صار للجسد البشري الذي اتخذه لنفسه، وهذا بالتالي كله انتقل إلينا لمَّا أعطانا جسده.

الاب متي المسكين – القديس اثناسيوس الرسول  – القسم اللاهوتي – الفصل الخامس – الإنسان والخلاص في اللاهوت عند أثناسيوس

[23]

–        واخضع كل شيء تحت قدميه، واياه جعل راسا فوق كل شيء للكنيسة، التي هي جسده، ملء الذي يملا الكل في الكل. (اف 1: 22 – 23)

–        وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّماً فِي كُلِّ شَيْءٍ (كو 1: 18)

–        الَّذِي الآنَ افْرَحُ فِي الاَمِي لأَجْلِكُمْ، وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي لأَجْلِ جَسَدِهِ: الَّذِي هُوَ الْكَنِيسَةُ، (كو 1: 24)

[24]  ومن أجل صِلاتنا بجسده صرنا نحن أيضاً هيكلاً لله، وبالتالي صرنا أبناء الله، حتى أن الرب المعبود محسوب أنه داخلنا أيضاً، والذين ينظروننا يقولون: «إن الله فيهم بالحقيقة»

Ibid., C. Ar., 1. 43.

 الاب متي المسكين – القديس اثناسيوس الرسول  – القسم اللاهوتي – الفصل الخامس – الإنسان والخلاص في اللاهوت عند أثناسيوس –

[25]  وجودنا وكياننا في المسيح في فكر القدّيس كيرلُّس الكبير، إصدار دير القدّيس مقاريوس صـ 5

 [26]   وكما أننا متنا في آدم، هكذا في المسيح سنحيا، إذ نوَلد معه ونصلب معه وندفن معه ونقوم معه ثانية… هكذا نعيد، ليس بطريقة عالمية، بل بما يفوق العالم، ليس بالخليقة الأولى، بل بتجديد الخليقة

القديس غريغوريوس التريتري – عظة ٣٨ على الميلاد

[27]  وبهذا يكون قد استرد المسيح لنا صورته وشبهه في البر وقداسة الحق، وذلك في الإنسان الجديد الذي خلقه الله غالباً الخطية، بل ولا يستطيع أيضاً أن يخطئ لأنه من طبيعة جسد القيامة» كل مَنْ هو مولود من الله (بسر المعمودية) لا يفعل خطية، لأن زرعه يثبُتُ فيه (متَّحد بالمسيح)، ولا يستطيع أن يُخطئ لأنه مولود من الله (من طبيعة المسيح القائمة من بين الأموات). «(1يو 9:3) هكذا تأهَّل الإنسان رسمياً لميراث الله في الحياة الأبدية بالتبنِّي لضمان الاتحاد بالمسيح ابن الله» الروح نفسه أيضاً يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله. فإن كنَّا أولاداً فإننا ورثة أيضاً، ورثة الله ووارثون مع المسيح. «(رو 16:8و17)

الآب كتي المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – الجزء الأول – ص 17

[28]  على أن كل ما أخذه كلمة الله من الإنسان بالتجسُّد قدَّمة للإنسان وجعله قابلاً للاتحاد بالله (التألُّه) جسداً ونفساً وعقلاً وروحاً، أي كل طبيعته!! كذلك فإن كل ما استرده المسيح لنا – بصفة عامة وليست فردية – أصبح غير قابل للضياع أو الفقدان الناتج من ضعف طبيعتنا، فالمسيح لا يمكن أن يفقد ما اكتسبه لنا بسبب أخطائنا نحن، وهذه هي صفات الخليقة الجديدة التي هو رأسها والضامن لتحقيقها!!

[لأنه بالموت الذي (جازه) وصل عدم الموت إلى الجميع، ولأنه بتأنس الكلمة عرَّفت العناية الإلهية العامة الإنسان بكل شيء، كما عرف الإنسان واهبها وبارئها أي كلمة الله نفسه، لأنه صار إنساناً لكي نصير نحن فيه إلهاً، وأظهر نفسه في جسد لكي يستعلن لنا الآب غير المنظور.]

De lncar., 54. 2,3. N.P.N.F., ser. II, vol. IV, p. 65.

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.

2 Responses to من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 02 | حياة الرب يسوع ومراحلها هي نبع وسر مراحل حياتنا الجديدة

  1. Tamer says:

    I started reading this series just today. I think it’s a great topic u r writing about here Romany.. God bless u.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s