من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 03 | طبيعتنا قبل الميلاد الثاني

files

إن كانت حياة الرب يسوع ومراحلها هي نبع وسر حياتنا الجديدة… تحتم عينا أيضاً أن نقترب لحياتنا القديمة (الحياة بدون مسيح وقبل حلوله فينا) لكي نعرف أكثر ماهيتها، ومشكلتها الرئيسية، ولم كان الحل في تجسد الكلمة وموته وقيامته؟

لقد دعي الكتاب المقدس حياتنا قبل المسيح بألفاظ عديدة مترادفة أشهرها هو الإنسان العتيق[1]، ووصفها بأوصاف أكثر وشرح توجهاتها[2] لكي نعي ونفهم من نحن بدون المسيح وقبل حضوره في حياتنا بالميلاد الثاني.

الإنسان العتيق هو حال الطبيعة البشرية بسبب كونها منفصلة عن الله مصدر الحياة، تلك الطبيعة التي كانت في يوم تحمل صوة الله وتشوهت[3] [4]، وهي بطبيعتها تتحرك نحو إدراك سر وجودها وهدفها في الحياة وتسعي نحو نوال الشبع والفرح، وتلك الحركة في عموميتها لا توجد بها مشكلة.

لكن حين ينفصل الإنسان عن رب الحياة يموت، فتصبح تلك الحركة نحو إدراك سر الوجود والهدف منقطعة عن الحياة التي لها في الرب، وتكون محاولات السعي  نحو نوال الشبع والفرح تكون بدون الرب وبعيداً عنه[5]، فيتحول الإنسان لذاته ويكون متمحوراً حولها وسالك بحسب مشيئته الذاتية المستقلة عن الرب[6] وبمنتهي الأنانية، وبسبب ذلك التمحور تسلك النفس بعمي وفي طريق مظلم محاولة الوصول لسر وجودها وغايتها وهدفها، وبدلاُ من أن تحاول نوال الشبع والفرح واكتشاف سر وجودها من الرب، تتجه نحو الأنانية وتأليه نفسها وتعظيم معيشتها والاستعباد للملذات[7]، وكنتيجة لما سبق…لا ينال الإنسان إلا مزيد من التيهان والحيرة والتخبط والألم، تلك هي الطبيعة العتيقة التي تنمو في الموت والألم والفشل والأنانية ويزداد فشلها وإخفاقها يوما فيوماً[8]. وهي في خطيتها (إنفصاله عن الرب) لا يخرج منها أي شيء صالح.[9]

نستطيع أن نتعلم مفهوم الموت الذي أصاب الإنسان حين ننظر للحياة الجسدية والموت الجسدي[10]، ففي حالة الحياة، كانت وظائف الجسم واعضائه تعمل توافق تام وانسجام كامل يثمر صحة وانضباط للجسد، أما حين تفارق الحياة الإنسان، يبدأ كل عضو بالتحرك لتدمير الجسد، فمثلا الأنزيمات التي كانت لها دور إيجابي في نشاطات الجسد تبدأ تهاجم الأعضاء[11]، والبكتريا التي كانت موجودة في الأمعاء لتساعد على الهضم تتحول لتهاجمها وتحطمها.

كذلك حين كان الإنسان مع الرب كانت كل تحركاته في انسجام وتوافق كامل مثمر وبناء، لكن حين انقطع الإنسان عن الرب وروح الحياة التي فيه، مات روحياً… وهنا تتحرك أفكاره ومشاعره واختياراته لتكون جميعاً في اتجاه تدمير حياته وفنائه رغماً عنه بسبب الموت، فيكون واقعه هو التحرك نحو الفناء والهلاك، إنه يحطم نفسه بنفسه، وكل من هو أمين مع نفسه ولا يخدعها يري نفسه يسير بثبات نحو الموت، من سيء لأسوأ في انحدار، ويتفشى فيه الفساد والشر والخطية التي أجرتها موت.

لا يوجد أدني حل عند الإنسان للانفكاك من تلك الحالة، فالموت قد ملك عليه[12]، وهو كثيرا ما يكون مغيب ولا يعرف حقيقة حالته، وإن عرف مشكلته: أنه منقطع عن الرب وأنه يحيا في الخطية، وأراد أن يحيا للرب، يكون ذلك جيداُ، لكنه غير كاف، فهو يدخل لمرحلة جديدة وهي مرحلة الصراع مع نفسه ليفعل الصلاح ويترك حالة الخطية لكنه لا ينجع أبداً، تلك المرحلة التي كتبها بولس الرسول في الاصحاح السابع من رسالته لرومية، والتي انتهت بفشل الإنسان في نهاية ذلك الصراع لان الموت والفساد الكائن فيه أقوي منه، وهنا صرخ صرحته الشهيرة التي يبحث فيها الإنسان عن مخلص من جسد هذا الموت.

وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا الْمَوْتِ؟  (رو 7: 24)

هذه الصرخة نكون بمثابة نداء للمسيح، وقد تجسد المسيح وعاش وقام لكي يعيد تلك الصورة لصورته عن طريق صلب الإنسان العتيق وإقامة المسيح في الإنسان، وهو ما ستتناوله بالتفصل في المرات القادمة.

 Romany Joseph
25th September 2013

الأجزاء السابقة:

من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 01 | مقدمة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 02 | حياة الرب يسوع ومراحلها هي نبع وسر مراحل حياتنا الجديدة


[1]  الإنسان العتيق (رو 6 :  6)، آدم الأول (1كو  15 :  45)، الجسد  (رو  8 :  6)، الانسان الأول  (1كو  15 :  47)، الإنسان الطبيعي (1كو  2 :  14) كلها مصطلحات كتابية تدل علي نفس المعني الذي يتم تناول شرحه في تلك المقالة

[2]  لا يمكن حصر الآيات التي تتكلم عن طبيعتنا القديمة بدون المسيح أو بدون حلول الله، فالكتاب المقدس كله يحكي قصة الإنسان مع الله، إما وهو فيه ومتحد معه، وإما وهو بدونه ومنفصل عنه، لكن يسعنا هنا أن نذكر باختصار شرح القديس بولس بعمق لتلك الحقيقية في الإصحاحات السبع الأولي من رسالة رومية كتلخيص لحال الإنسانية بدون المسيح

[3]  وهكذا خلق الله الإنسان وكان قصده أن يبقى في غير فساد. أما البشر، فإذ احتقروا التفكير في الله ورفضوه، وفكروا في الشر وابتدعوه لأنفسهم كما أشرنا أولاً فقد حكم عليهم بحكم الموت الذي سبق إنذارهم به، ومن ذلك الحين لم يبقوا بعد كما خُلقوا، بل إن أفكارهم قادتهم إلى الفساد ومَلَك عليهم الموت. لأن تعدي الوصية أعادهم إلى حالتهم الطبيعية، حتى أنهم كما وُجِدوا من العدم هكذا أيضًا بالضرورة يلحقهم الفناء بمرور الزمن

القديس اثناسيوس الرسول – تجسد الكلمة – الفصل الرابع – فقرة 5

[4]  على أن علاقة التراب الذي صار حيًّا (كجسد للإنسان) بالروح التي كانت على صورة الله كشبهه، كانت كالطبعة بالنسبة للأصل أو الصورة بالنسبة للجوهر. فكان الجسد يحمل صورة النفس، ولكن لَمَّا سقط آدم وتمزَّقت صورة الله التي لنفسه وضاع الشبه، تغيَّرت طبعة الجسد وتشوَّهت الصورة جداً حتى أصبح لا يُرى في صورة الجسد للإنسان أية ملامح من عند الله، خصوصاً لو ارتقينا بمعنى الصورة من حيث البهاء والمجد والحكمة والهيبة والقداسة. ولهذا انقطعت مع الله وشائج المحبة والأُلفة والصداقة والطاعة المطلقة ومعها الحكمة والقداسة والبرارة. وذهب الإنسان غريباً وحيداً بائساً يَنْعى حظَّه على الأرض بدون الله، وعرف معنى الخطية والعصيان ومعاداة الله.

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – الجزء الأول – ص 9

[5]  ولكنها إذ تردت في محبة الملذات بدأت تخرجها في أشكال مختلفة. لأنها إذ هي بالطبيعة متحركة فإنها لا تفقد حركتها حتى ولو ابتعدت عن الخير. اذن فهي تتحرك لا نحو الفضيلة فيما بعد، ولا لكي ترى الله، بل تستخدم قواها استخداماً غريباً، مفكرة فيما لا وجود له، ومسيئة استخدام تلك القوى كوسيلة للملذات التي اخترعتها، طالما كان لها السلطان على ذاتها.

القديس اثناسيوس الرسول – ضد الوثنيين – الفصل الرابع – فقرة 2

[6]  على أن صحة هذا تتبين في الإنسان الذي خُلق أولاً كما تخبرنا الكتب المقدسة عنه. لأنه هو ايضاً طالما كان عقله مركزاً في الله ومداوماً على التأمل في الله كان متحولاً عن التأمل في الجسد. ولكنه عندما ابتعد عن التفكير في الله بمشورة الحية، وبدأ يتأمل في نفسه، فانهما لم يترديا إلى شهوات الجسد فحسب، بل عرفا أنهما عريانان، واذ عرفا هذا خجلا. على انهما لم يعرفا انهما عريانان من اللباس بقدر ما عرفا انهما تجردا من التأمل في الأمور الالهية، وحولا ذهنهما إلى الضد. لأنهما إذ ابتعدا عن التأمل في الواحد الحق أي الله، وعن الرغبة فيه، فانهما منذ تلك اللحظة انشغلا بشهوات مختلفة، وشهوات الحواس الجسدانية المتعددة.

القديس اثناسيوس الرسول – ضد الوثنيين – الفصل الثالث – فقرة 3

[7]  صحيح أن الله أعطى الإنسان حرية إرادة ومعرفة، ولكن كانت الحرية مربوطة بالله، والمعرفة مستمدة منه، طالما كانا طائعَيْن خاضعَيْن. ولكن إن هما عصيا أمر الله، فالمعرفة تنقطع صلتها بالله، والحرية الشخصية تفقد تأمينها، ويصيران تحت سلطة الشيطان. لم تنتبه حواء للفخ ولا للسم الموضوع في الكلام الصحيح: » فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل، وأنها بهجة للعيون (الحواس بدون حراسة العقل المتَّصل بالله، والحرية بلا مدبِّر أو موجِّه)، وأن الشجرة شهية للنظر. فأخذتْ من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضاً معها فأكل. فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان… «(تك 6:3و7)

هذا كان مدخل خطية آدم، إذ بعصيان الله تعرَّى من نعمة الحفظ في حرية الله وتدبيره. وهكذا صار الإنسان بجسده الترابي فاقداً حريته المحفوظة في الله، ومعرفته المستمدة من الحق. صحيح أن له إرادة حرَّة، وصحيح أن له معرفة، ولكنه أصبح غير قادر على حفظ حرِّيته من سيطرة الشيطان، ولا أصبح قادراً على معرفة الحق الذي يحفظه بلا خطية.

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – الجزء الأول – ص 21

[8]  يعتبر الإصحاح الثاني من سفر الجامعة هو من أكبر الأمثلة علي النمو في تأليه الذات والإخفاق في تحقيقها

[9]  فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ أَيْ فِي جَسَدِي شَيْءٌ صَالِحٌ (رو 7: 18)

[10]  تكلم يسوع بأمثال لكي يوصل لشعبه أعمق الحقائق اللاهوتية بأبسط الكلمات، نذكر منها علي سبيل المثال: مثل الزارع لشرح عمل الكلمة ونمو النباتات في شرح نمونا الملكوتي، ومثل حبة الحنطة لشرح موتنا، وتبعه بولس في تشبيه ميلادنا بالطفولة والبلوغ، والحرب الروحية واسلحتها بالأسلحة الحقيقية، والسر أن الأمور المادية حولنا تحوي أسرار الأمور الروحية، فإن أردنا معرفة كيف يموت الإنسان العتيق بعمق، علينا أن نفهم طبيعة الموت، والأسرار التي أودعها “لان اموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية و لاهوته حتى انهم بلا عذر (رو  1 :  20)”

[11]  المرحلة الأولى في تحلل الجسم بعد الموت هي الانحلال الذاتي أو الهضم الذاتي، حيث يتم تدمير خلايا الجسم من خلال عمل الانزيمات الهاضمة الخاصة بها

[12]  مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ. فَإِنَّهُ حَتَّى النَّامُوسِ كَانَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْعَالَمِ. عَلَى أَنَّ الْخَطِيَّةَ لاَ تُحْسَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَامُوسٌ. لَكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى وَذَلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ الَّذِي هُوَ مِثَالُ الآتِي. (رو 5: 12 – 14)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

3 Responses to من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 03 | طبيعتنا قبل الميلاد الثاني

  1. Pingback: من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 09| هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | ثالثاً| تابع أسباب التفسيرات الخاطئة | Romanyjoseph's Blog

  2. الين رمزى says:

    صلب الانسان العتيق …موت الذات ..عملية مؤلمة جداااا

    • RomanyJoseph says:

      مؤلمة جدا جدا.. اتفق بشدة
      ومن يخفف منها لم يفهم المسيحية بعد
      لكن في النهاية.. يتحول الألم لمجد
      والموت لحياة
      والصليب لقيامة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s