من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 05 | ولادتنا الجديدة من الله

baby-jesus-in-manger_jpg1

كما تكلمنا في المقدمة، أن كل مرحلة في حياة الرب يسوع الكلمة المتجسد هي نبع وسر كل عطية اعطيت لنا لخلع إنساننا العتيق ونوال الحياة الجديدة[1]، لذا تحتم أن تكون أول محطة لتلك الحياة الجديدة المعطاة لنا هي ولادة المسيح لأجلنا، ومنها يكون أول عطية لنا هي ولادتنا الجديدة أو ولادة المسيح فينا[2].

يقول الأب متي المسكين: “إن موضوع الميلاد الثاني للإنسان من فوق هو الموضوع الأساسي الذي جاء المسيح ليُتمِّمه للإنسان في نفسه أولاً، وقد تمَّمه أولاً باتحاده بجسدنا الذي أخذه من العذراء القديسة مريم ومن الروح القدس ليضمن مسيرتنا معه من البداية حتى النهاية، وبميلاد جديد روحاني من فوق هتفت له الملائكة يوم تمَّ مهلِّلة بالمجد لله في الأعالي والسلام على الأرض. بمعنى أن بهذا الميلاد تمَّ بالفعل مجد الله، وسلام الإنسان، ومسرة بعد عداوة وأحزان، ملأت كل الدهور السالفة. فكان ميلاد المسيح ونحن فيه، أول صورة للإنسان الجديد المولود من فوق.”[3]

لقد كانت المشيئة الإلهية منذ البداية أن يخلق الله أولاداً له، لكن بالسقوط صار الإنسان في حالة انفصال عن الرب وعداوة صنعها الإنسان بنفسه، وفقد بنويته، بل صار الإنسان كما يقول الكتاب “أبناء غضب”[4]، وقد أراد الرب أن يرد الإنسان للبنوه، وهنا قام الرب بتدبير الفداء لكي يخلق الإنسان مرة أخري في نفسه، ويولده ثانية من طبيعة ابن الله المتجسد[5] لكي نكون قديسين وبلا لوم فيه، وننال من خلال ذلك الفعل وبقوة سر الولادة الجديدة.

سر الولادة الجديدة

إن سر الولادة الجديدة فينا يحدث بنفس التسلسل الذي حدث حين ولد المسيح في إسرائيل كما تكلمنا في الجزء السابق، يسبقه نفس التاريخ ويليه نفس المستقبل، إنه يحدث حين تنفتح العين على حالة الفساد الشديد والعبودية الذي تتملكها[6]، ويري الإنسان أنه مائت ويتألم كل يوم يكمل فيه في طريقه هكذا… بل وهو عاجز عن إصلاح نفسه، وأن نهاية تلك الطريق هي الهلاك والفناء[7]، ويبدأ بالفعل في البحث عن الرب وعن طريقه، هنا تكون البداية وليس الولادة!

ذلك الانفتاح يأتي بطرق كثيرة يحاول بها الرب بكل رفق أن يوصل للإنسان تلك الرسالة، يستخدم التعليم والكلمة لكي يدرك الإنسان حقيقته، يستخدم العطايا والمعجزات والعجائب التي تجعل الإنسان يشعر بعظمة الرب وعجزه وهو بدونه ويدرك أن طريق الرب هو الحق والحياة، وإذا تصلب قلب الإنسان واكمل في طريقة المتغرب عن الرب، يحدث كنتيجة طبيعية تعرضه لضيق والالام كثيرة بسبب تأديبات الجسد والعالم الإنسان[8]، وتلك يستخدمها الرب أيضا لكي تصل إليه نفس الرسالة وهي أنه فاسد والطريق الوحيد للحياة هو الرب، وتبدا محبة المسيح تحصرنا لكي تيقظ وعينا أننا مقيدين في سلطان الظلمة، حيث الموت والهلاك والظلام، ونحتاج أن ننتقل من سلطان الظلمة إلى ملكوت ابن محبته حيث الحياة والنجاة النور.

وكان تدبير الفداء وظهور الكلمة المتجسد لكي ينقض ويبطل عمل ابليس[9] ونتائجه من الفساد والتشوه واللعنة الذين دخلوا البشرية بمليء ارادتها واختيارها، والتي بسببها صار الإنسان حبيس في زنزانة الأنا ومحكوم عليه بالموت، حتى وإن رغب في الحياة والحرية، فصار تدبير الفداء لكل الجياع والعطاش للبر عوضاً عن الفساد، ولكل طالبي للحياة عوضاً عن الموت، ولكل الراغبين في، وكانت كل لمحة وحركة في ذلك التدبير العجيب هي عمل معاكس لكل حركة حدثت بسبب دخول الخطية وتفشي الفساد والموت.

وصارت كل لمحة من لمحات الحياة التي عاشها الرب يسوع تحمل أسرار حياتنا الجديدة ونموها، وهدم حياتنا القديمة، وسنركز في ذلك الجزء علي ميلاد الرب وميلادنا منه، والخلقة الجديدة[10] التي أخذناها منه والتي بدونها لا دخول لملكوت السموات بل موت وفناء[11]، والتي اعطيت لنا لكي نحيا فيه وبه.

كيف تحدث الولادة الجديدة

كما أن إسرائيل حين انتبه لحقيقة عبوديته في أرض مصر ثم احتاج زمانا بل أزمنة لكي يدرك حقيقة فساده، وقاده الرب خلال وقت طويل وتعاملات لكي يعي أن مشكلته أنه فسد، فيعي احتياجه للمسيح المخلص. هكذا أيضا يحدث في حياة كل واحد منا، وبنفس الروح.

فبمجرد أن ينتبه الإنسان لحقيقه فسادة، غالباً ما يأخذ وقت في اكتشاف ابعادها، ويبدأ بمحاولة الالتزام في الحياة مع الرب والسلوك بوصاياه وحق الإنجيل والوصية متوهما ان المشكلة كانت في شكل الحياة التي كان يحياها، وظاناً أنه قادر أن يلتزم ويسلك مع الرب، إنه نفس توهم إسرائيل في البرية أنهم قادرين على الالتزام بالناموس.

لكن تلك المحاولات تثمر فشل وتكشف أكثر للإنسان مشكلة فساده وبصورة أعمق. فتنفتح عين الإنسان على حالة من الفساد اتي هو مبتلي بها أكثر بما لا يقارن حين بدأ محاولاته النقية للالتزام بالوصية قبلاً. وحين يدرك الإنسان تلك الحقيقة وتنكشف عينيه على ضراوة الصراع وكيف أنه فاشل تماما في أن يعمل الصالح الذي يريده بل هو يفعل الشر الذي لا يريده[12] يصرخ صرخة بولس الشهيرة

وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا الْمَوْتِ؟ (رو 7: 24)

وبتلك الصرخة التي تخرج من أعماق الإنسان يكون الناموس[13] (أي محاولة الالتزام بالوصية) هو من أدبنا للمسيح، وبلغة أخري… كان فشلنا الزريع بأن نسلك في طريق الرب وتنفيذ وصيته واقتناء القداسة اعتماداً على قدراتنا الذاتية وتوهمنا أننا نقدر، هو من أدبنا لكي نبطل الرجاء في الأنا وتوهم أنها قادرة على فعل أي شيء صالح، وبكون ذلك بداية البحث عن مخلص ينقذني من جسد هذا الموت.

هنا تحدث الولادة الجديدة للإنسان حين يؤمن بموته وقيامة الرب[14] (التي هي المعمودية)[15]، وحين تنفتح عينيي إيمان الإنسان على موت وقيامة الرب، ويدرك حقيقة فسادة وكيف أنه عاجز عن الانفلات منه حتى لو أراد، ويعي الخبر السار والمفرح، وهو أن المسيح أبطل سلطان الموت وأعطاه حياه جديدة هي حياة الرب نفسه، فيتألم مماتاً مع المسيح المصلوب من صدمته في حقيقية فساده، ويفرح مع المسيح القائم من الأموات لأجل إقامته وغفران خطاياه.

هنا في المعمودية يولد المسيح في الإنسان، يولد بطبيعته التي لا تخطئ لأنها طبيعة المسيح نفسها[16]، وفي نفس الوقت، بحلوله وفاعلية صليبه… يميت الطبيعة العتيقة (أي يبطل سلطانها ويكسر شوكتها)[17].

وتلك الولادة وذلك الحلول الإلهي (في المعمودية التي ترادف الإيمان) يحدث تحول جذرياً في توجهات الإنسان، فمن ناحية… ولد المسيح في الإنسان بتوجه نحو السماويات والنمو فيها لمليء قامة المسيح، ومن ناحية أخري تم إبطال سلطان إبليس[18] الذي كان متسلطاً علي جسد الخطية[19] (أي الإنسان العتيق) ومالك بالموت ويحدر الإنسان للأرضيات والذي يضمحل ويبطل تدريجياً.

Romany Joseph
2nd Ocrober 2013

الأجزاء السابقة:

من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 01 | مقدمة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 02 | حياة الرب يسوع ومراحلها هي نبع وسر مراحل حياتنا الجديدة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 03 | طبيعتنا  قبل الميلاد الثاني
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 04 | ميلاد المسيح في إسرائيل يحمل سر ميلاده فينا


[1]  لقد وضع نفسه لكي يرفع إلي رفعته الخاصة ما هو وضيع بحسب الطبيعة، ولبس صورة العبد مع كونه بحسب الطبيعة هو الرب وهو الابن، لكي يجعل الذي هو عبد بالطبيعة شريكاً في مجد التبني الذي بشبه مجده الخاص، فقد صار مثلنا أي إنساناً لكي يجعلنا مثله أي أبناء، وهكذا أخذ لنفسه خاصة ما هو لنا وأعطانا عوضاً عنه ما هو له

القديس كيرلس الكبير – تفسير يوحنا 20: 17

[2]  الولادة الجديدة (متي 19: 28)، الخليقة الجديدة (غل 6 :  15)، الولادة من فوق (يو  3 :  3)، الانسان الثاني (1كو  15 :  47)، ا الانسان الجديد (اف  4 :  24)،  الخليقة الجديدة (2كو  5 :  17)، الميلاد الثاني (تي  3 :  5) و (1بط 1: 3) كلها مصطلحات استخدمها الكتاب المقدس لوصف التحول الكياني التام الذي يحدث في الإنسان بحلول المسيح فيه، ودخوله عضواً في جسد المسيح في عملية اتحاد سري لكيان الإنسان مع المسيح، وهي التعبير الذي يصف العلاقة الحقيقية مع الله من خلال عمل المسيح.

[3]  الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة للإنسان في الإيمان المسيحي  – الجزء التاني – ص 6

 [4] وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلاً حَسَبَ دَهْرِ هَذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ، الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضاً جَمِيعاً تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضاً (اف 2: 1 – 3)

[5]  ولكن الله خلق الإنسان أصلاً ليكون له حبيباً وصديقاً كخليقة تسبِّحه وتمجِّده، وتبنَّاها لتبقى عنده دائماً. فلما سقط آدم وطُرد من أمام وجه الله وعاد إلى الأرض التي منها أُخذ جسده  لأنك تراب وإلى تراب تعود «(تك 19:3)، صمَّم الله أن ينفِّذ خطة خلقته الأولى للإنسان، وبدأ يعمل على إعادة خلقته (الميلاد الثاني)، ولكن على الأساس الذي لا يمكن أن يخطئ فيه الإنسان للموت أو يعصاه أو يموت أو يفترق عنه. فهذه المرة صمَّم أن يخلقه، لا على صورته كشبهه فقط، بل من روحه وجسد ابنه بحال قيامته من بين الأموات خَلَقَه؛ وليس من تراب الأرض، بل من روحه ومن برِّه وقداسته في الحق! ليليق هذه المرة أن يحيا أمامه في القداسة بلا لوم في المحبة يمدح مجد نعمته إلى أبد الآبدين.

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة للإنسان في الإيمان المسيحي  – الجزء الأول – ص 11

[6]  واضح أن الضربة التي أصابت نفس الإنسان، أي روحه، إثر المخالفة وعصيان أمر الله بسبب الطاعة للشيطان، كانت فقدان الصلة بين حرية إرادة الإنسان ومعرفته، وبين إرادة الله والمعرفة التي هي النور الإلهي. فأصبح الإنسان لا يعرف الحق ولا يريده، وإن عرفه لا يقوى على عمله. وها هو القديس بولس يصف الإنسان قبل عملية الفداء التي أكملها المسيح:

+ » لأني لست أعرف ما أنا أفعله، إذ لست أفعل ما أريده، بل ما أُبغضه فإيَّاه أفعل… لأن الإرادة حاضرة عندي (حرية الإرادة)، وأما أن أفعل الحُسْنَى فلستُ أجد (انقطاع الإرادة عن الله). لأني لست أفعل الصالح الذي أُريده، بل الشر الذي لست أُريده فإيَّاه أفعل. «(رو 15:7و18و19) هكذا وقع الإنسان تحت عبودية الشيطان، إذ فَقَدَ صلته بالله على مستوى الإرادة والمعرفة، وصار جسده مطيَّة للشيطان.

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – الجزء الاول –  ص 13

[7]  وهكذا خلق الله الإنسان وكان قصده أن يبقى في غير فساد. أما البشر فإذ احتقروا التفكير في الله ورفضوه، وفكروا في الشر وابتدعوه لأنفسهم كما أشرنا أولاً، فقد حكم عليهم بحكم الموت الذي سبق إنذارهم به، ومن ذلك الحين لم يبقوا بعد كما خُلقوا، بل إن أفكارهم قادتهم إلى الفساد ومَلَك عليهم الموت. لأن تعدي الوصية أعادهم إلى حالتهم الطبيعية، حتى أنهم كما وُجِدوا من العدم هكذا أيضًا بالضرورة يلحقهم الفناء بمرور الزمن.

القديس أثناسيوس الرسول – تجسد الكلمة – الفصل الرابع – فقرة 4

[8]  لقد استُعلن الله كخالق الكون بكافة مخلوقاته الذي يضبط كل قوانينه، يتحكَّم في الحر والبرد والرياح والمطر والزلازل والبراكين، ولكن ليس بقانون تحكمي مطلق منفرد. فالإنسان يدخل مشاركاً مع الله في مسئولية تطبيق هذه القوانين في العالم وعلى كل المخلوقات التي فيه، فإن شر الإنسان يجعل الأرض الخضراء المثمرة قفراً، وصلاح الإنسان ومخافته لله يحوِّلان القفار إلى جنة:

+ «يجعل الأنهار قفاراً، ومجاري المياه مَعْطَشة، والأرض المثمرة سبخة، من شر الساكنين فيها. يجعل القفر غدير مياه، وأرضاً يابسة ينابيع مياه … ويعلي المسكين من الذل ويجعل القبائل مثل قطعان الغنم، يرى ذلك المستقيمون فيفرحون، وكل إثم يسد فاه. مَنْ كان حكيماً يحفظ هذا ويتعقَّل مراحم الرب.» (مز 107: 33-35، 41-43)

وطاعة الإنسان وخضوعه لوصايا الله تسخِّر له قوى الطبيعة لنضج الثمار وتكاثر الحيوان وتوفر المحصولات كأفضل ما يكون، دون أن يمسها مرض أو وباء أو الحشرات المفسدة:

+ «وإن سمعت سمعاً لصوت الرب إلهك لتحرص أن تعمل بجميع وصاياه، مباركاً تكون في المدينة ومباركاً تكون في الحقل، ومباركة تكون ثمرة بطنك وثمرة أرضك وثمرة بهائمك … مباركة تكون سلَّتك ومعجنك، مباركاً تكون في دخولك ومباركاً تكون في خروجك …» (تث 28: 1-14)

ولكن العقوبة مُشهَرَة في وجه الإنسان، إن هو حاد عن الطاعة لله، فالطبيعة تنقلب كلها عدوَّة له: يزرع ولا يحصد، وتقف الوحوش والحشرات والأمراض له بالمرصاد:

+ «ولكن إن لم تسمع لصوت الرب إلهك لتحرص أن تعمل بجميع وصاياه وفرائضه التي أنا أوصيك بها اليوم، تأتي عليك هذه اللعنات وتدركك. ملعوناً تكون في المدينة وملعوناً تكون في الحقل … يرسل الرب عليك اللعن والاضطراب والزجر في كل ما تمتد إليه يدك لتعمله حتى تهلك وتفنى سريعاً من أجل سوء أفعالك، إذ تركتني…» (تث 28: 15-68)

وقد استخلص الأنبياء بصورة قاطعة أن القانون الطبيعي مرتبط بالقانون الأخلاقي في حكم الله عامة، وفي مملكة إسرائيل بنوع خاص، ولا يقف أحدهما بمعزل كلي عن الآخر، والله يضبط العالم بمعيار مادي وروحي فائق يتناسب مع صلاح الله الشخصي، وفي نفس الوقت يتوافق مع تأديب الإنسان ونموه. وكان هذا التهذيب والتأديب الإلهي بواسطة تطبيق نواميس الطبيعة المادية على حياة الإنسان بمثابة الدرس الأول الذي تلقَّاه الإنسان الطفل الممثَّل في شعب إسرائيل، تمهيداً لتطبيق نواميس الروح على الإنسان الناضج الممثَّل للروحانية، مما يتمشَّى مع التطور المطلوب للإنسان من حياة حسب الجسد لحياة حسب الروح!!!

الأب متي المسكين – تاريخ إسرائيل – ثانياً: “الله” كما ظهر لإسرائيل في العهد القديم – ص 354 – 356

[9]   لأَجْلِ هَذَا أُظْهِرَ ابْنُ اللهِ لِكَيْ يَنْقُضَ أَعْمَالَ إِبْلِيسَ (1يو 3: 8)

[10]  الخليقة الجديدة ترادف وجودنا في المسيح، ووجود المسيح فينا. فالإنسان الجديد هو المسيح فينا أو هو نحن في المسيح. والآن ما هي النتائج المتعدِّدة الأوجه المترتبة على وجود المسيح فينا، ووجودنا في المسيح؟

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة للإنسان في الإيمان المسيحي – الجزء الثاني – ص 8

[11]  » الحق الحق أقول لك: إن كان أحد لا يولَد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله. «(يو 5:3)

[12]   لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ.  (رو 7: 19)

[13]  أول علاج قدَّمه الله للطبيعة البشرية الساقطة لضبط السالبية فيها هو الناموس الذي رتَّبه الله مع موسى، وهو القانون الأخلاقي ليرتقي بالإنسان ليحدَّ من سالبيته ويقرِّبه نحوه إن أطاع.

 والناموس طبيعته روحية، ويقوم على العدل، وغاية أعمال الناموس في مقاصد الله هي توعية الإنسان والكشف عن الأعمال السالبية» بالناموس معرفة الخطية «(رو 20:7)» بل لم أعرف الخطية إلاَّ بالناموس «(رو 7:7). وهكذا بالناموس دخل القانون الروحي حياة الإنسان ليكشف مدى سالبيته ويضبطها. ويقول عنها بولس الرسول» الناموس روحي، وأما أنا فجسديٌّ مَبيعٌ تحت الخطية «(رو 14:7). وهذا يعتبر أقصى حالة إذلال للإنسان حينما يُستعبد للخطية، وذلك بسبب بُعده المباشر عن الله الذي هو القوة الإيجابية العظمى.

والسالبية هنا داهمت الإنسان من جراء انجذابه لقوى أخرى سالبية وهو الشيطان، حينما أطاعه وأكل من الشجرة التي حرَّمه الله أن يأكل منها. لذلك يقول بولس الرسول» لأني لست أعرف ما أنا أفعله (الخطية)، إذ لست أفعل ما أُريده، بل ما أُبغضه فإيَّاه أفعل «(رو 15:3). وهذا تعبير مرير لخضوع الإرادة لإيحاء الشيطان وسطوته.

هنا الناموس فضح الأعمال السلبية أي الخطية التي للطبيعة البشرية الترابية والإرادة المنحرفة معها، ولم يفضحها وحسب؛ بل وضعها تحت حكم العدل، فكل تعدٍّ صارت له عقوبة أو موت. وبذلك يكون الناموس قد أكمل العمل الذي وضعه الله له، أي الحكم على الأعمال السلبية أنها في نظر الله، بحسب عدل الناموس، خاطئة جداً ويتحتَّم أن يدرك الإنسان ذلك. ولكن الحكم على الخطية أنها خاطئة جداً بالناموس في نظر الله هو تحصيل حاصل أنها تستحق الموت. وهكذا أقنع الله الإنسانَ أن الموت الذي يموته هو عقاب عادل. وهذا يعني أن الطبيعة التي اتَّسمت بالسالبية ينبغي أن لا تعيش.

 وهكذا وقف الناموس يُنادي بحتمية تغيير الطبيعة البشرية الترابية. كما ويشير إشارة سرِّية بليغة بحتمية خلقة جديدة للإنسان تخلو نهائياً من السالبية أي الخطية حتى يتوفَّر لها البقاء والحياة أمام الله. وهكذا انتهى الناموس إلى نقطة حرجة جداً وهي: لكي نتخلَّص من الخطية يتحتَّم تغيير الطبيعة البشرية الترابية من الأساس لأنها واقعة بطبيعتها تحت عقوبة الموت. الأمر الذي صرخ منه بولس الرسول حينما أدرك هذه الحقيقة» ولكني أرى ناموساً آخر في أعضائي يُحارِب ناموس ذهني، ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي. وَيْحِي أنا الإنسان الشقي! مَنْ يُنقذني من جسد هذا الموت؟ «(رو 23:7و24). هنا صرخة بولس الرسول ليست من أجل الخطية، بل من “جسد هذا الموت” أي الطبيعة البشرية السالبة. وهنا بولس الرسول يتطلَّع ليس للخلاص من الخطية بل الخلاص من “جسد الموت” أي الطبيعة الخاطئة، وإلى جسد آخر أي طبيعة أخرى لا تعمل فيها الخطية.

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة في الإيمان المسيحي – الجزء الثاني –  ص 22 – 24

[14]  نحن الآن أمام حصيلة الإيمان المسيحي وليس أعماله. فالإيمان بالمسيح، أنه ابن الله الذي أتى بالجسد وأكمل لنا الفداء بالموت على الصليب والخلاص والحياة الأبدية بالقيامة من بين الأموات، يحقِّق لنا من داخل سر المعمودية استحقاق الشركة مع المسيح. على أن الإيمان بالمسيح ونوال الخليقة الجديدة بالمعمودية عند القديس بولس هو بعينه عند القديس يوحنا استعلان الحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهرت لنا في شخص يسوع. وهكذا فإن هذا الاستعلان، استعلان الحياة الأبدية، يحقق لنا الشركة التي تتم لنا مع المسيح في المعمودية؛ حيث استعلان الحياة الأبدية كاستعلان النور، يجعلنا في حالة شركة فيه ([14])، وكاستعلان الحق – أي معرفته –  يجعلنا في الحق والحق فينا. هكذا نعمة استعلان الحياة الأبدية التي في المسيح تجعلنا في شركة طبيعية مع المسيح والآب:

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة للإنسان في الإيمان المسيحي – الجزء الأول – ص 94

[15]  لا توجد هنا مساحة للجدل النظري الأليم والعقيم بين الطوائف حول الولادة الجديدة، بتطرف كل طائفة حالياً في التركيز علي تحقيق المعمودية بالماء دون الاهتمام بحقيقية إيمان الشخص بالرب، أو التطرف الأخر الذي يركز أن يتلفظ المؤمن بعبارات وشهادات إيمان دون الاهتمام باختبار الشخص لتلك الكلمات… هذان التطرفان كانا كفخ من فخاخ ابليس اوقع الكنائس في جدال نظري مائت حول هل المعمودية بالروح ام بالماء، وإن كانت بالماء هل هي بالرش أم بالتغطيس… وتم اهمال جوهر الولادة الجديدة التي هي إيمان وتصديق الموت والقيامة.

ومن يعود لكتاب أسرار الكنيسة السبعة للأرشدياكون حبيب جرجس وفصل “سر المعمودية”، سيري حتمية إيمان الأبوين في معمودية الأطفال، وحتمية اعلان الطفل لإيمانه حين يكبر، كل هذا بالطبع لم يعد يحدث وصرنا مجرمين في حق الرب كما قال بولس نحو من يمارسون الإفخارستيا بلا وعي.

وكل ما يجب ان نقوله بألم للفرقتين هو أننا لو رجعنا للكتاب المقدس والكنيسة وكل المؤمنين، لوجدنا أن المعمودية ببساطة هي إقرار الإنسان وتصديقه لحقيقة موته وحقيقة قيامة الرب، ورغبة الإنسان الملحة الجارفة في أن يموت عن الخطية ويقام في السماويات ويحا للبر تاركاً الحياة القديمة وطالبا الحياة التي للمسيح، ذلك الإيمان الحي هو من خلق رجال لله، لا الجدل النظري العقيم الأليم الحادث الآن.

يكفينا أن نقول أن سيمون الساحر الذي آمن واعتمد صار اباً لدخول بدعة الغنوسية في المسيحية (تاريخ الفكر المسيحي حنا جرجس الخضري – الجزء الأول ص 397) وها هو قد اعتمد العماد الذي يبالغ في التركيز عليه الكنائس الشرقية ونطق بفمه اعلان الإيمان التي تركز عليه الكنائس الغربية، وهو شهادة كتابية أن الموضوع أكثر عمقاً وتتأصل في اختبار الموت والقيامة، والفعل الخارجي إن لم يكن له أصل داخلي فهو باطل مثل إيمان وعمودية سيمون الساحر

[16]  والذي ينبغي أن نقف عنده ونتمسَّك به هنا، أن جسدنا الروحي الجديد لا يخطئ ولا يموت، إذ هو قائم في المسيح يسوع ومتَّحد به: » فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ «(غل 20:2)، » وأما مَنْ التصق بالرب فهو روح واحد «(1كو 17:6)، » أنتم فيَّ وأنا فيكم «(يو 20:14)، » مَنْ يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية، وأنا أُقيمه في اليوم الأخير «(يو 54:6)، » مَنْ آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل مَنْ كان حيًّا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد. «(يو 25:11و26)

الأب متي المسكين – الخلقة الجديدة للإنسان في الإيمان المسيحي – الجزء الأول – ص 27

[17]  سيتم شرح ذلك الجزء بالتفصيل لاحقاً

[18]  فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، (عب 2: 14)

[19]  عَالِمِينَ هَذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضاً لِلْخَطِيَّةِ. (رو 6: 6)

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

3 Responses to من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 05 | ولادتنا الجديدة من الله

  1. Pingback: من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 18 | أسس مضللة لتقييم الميلاد الثاني | سادسًا | الندم | Romanyjoseph's Blog

  2. Tamer says:

    Bravo ya Romany.. Kalam gameel

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s