من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 08 | هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | ثانيًا | أسباب التفسيرات الخاطئة

wrong

تكلمنا في الجزء السابق عن ثلاثة توجهات شهيرة للإجابة عن سؤال: “هل مات الإنسان العتيق بالميلاد الثاني أو بوجودنا في المسيح؟” وكانت الإجابات التي تناولناها تتطرف بين التركيز على الإيمان بميلاد الإنسان الجديد وقوة النعمة، أو التركيز على الأعمال والجهاد ضد الإنسان العتيق، أو وضع الكرة في ملعب الإرادة البشرية، وسنعرض في ذلك المقال الأسباب التي تحدث تفسيرات مرتبكة أو خاطئة.

غياب مفهوم الخطية التي للموت والخطية التي ليست للموت

يقول القديس يوحنا في رسالته الأولي حقيقة أننا نخطي حتى بعد معرفة الرب، ويعلمنا أننا في النور نحتاج لدمه ليطهرنا من كل خطية

إِنْ قُلْنَا إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ. وَلَكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ. إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا. إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ. إِنْ قُلْنَا إِنَّنَا لَمْ نُخْطِئْ نَجْعَلْهُ كَاذِباً، وَكَلِمَتُهُ لَيْسَتْ فِينَا. (1يو 1: 6-10)

فالكتاب المقدس فَرق بين خطيتين…. خطية للموت وخطية ليست للموت:

إِنْ رَأَى أَحَدٌ أَخَاهُ يُخْطِئُ خَطِيَّةً لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ، يَطْلُبُ، فَيُعْطِيهِ حَيَاةً لِلَّذِينَ يُخْطِئُونَ لَيْسَ لِلْمَوْتِ. تُوجَدُ خَطِيَّةٌ لِلْمَوْتِ. لَيْسَ لأَجْلِ هَذِهِ أَقُولُ أَنْ يُطْلَبَ. كُلُّ إِثْمٍ هُوَ خَطِيَّةٌ، وَتُوجَدُ خَطِيَّةٌ لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ (1 يو 5: 15 – 16)

وكانت الخطية للموت بوضوح هي الاتجاه العام الخاطئ[1] المنفصل عن الرب والحياة المتغربة عنه، والتي فيها يحيا الإنسان لذاته متمحوراً حولها ويرفض الرب ويستبيح ويتلاعب (أو يجعله أمر فرعي جانبي فلا فرق). وأما الخطية التي ليست للموت هي الخطايا التي تقلقنا في اتجاه الحياة الجديد المنطلق نحو الله حيث يكون الشخص مولود من الله وواضعا الله محور لحياته ويشتاق ويرنو لحضور الله… لكنه في تلك المسيرة يخطئ بسبب ضعفاته.

الخطية للموت حالة، إنها حالة الابن الضال المتغرب بعيداً، فسواء كان له بعض التصرفات السليمة وهو في الكورة البعيدة أم خاطئة، فهو في كل الأحوال منقطع أن ابيه وعن بيته، والخطية التي ليست للموت هي أنه عند رجوعه وتوبته وحضوره في البيت سوف يخطئ ويسقط لكنه في وضع جديد وحالة مختلفة.

إن سر تلك التوجهات الغير سليمة في التفسير هي التعامل مع الخطية علي أنها تصرفات وزلات، بينما الخطية هي توجه عام، هي حالة كيانية يكون فيها الإنسان العتيق هو المالك والمتسلط، يكون حي ونامي ومتصاعد، ولا وجود للمسيح فينا أو لإنساننا الجديد في المسيح. بينما الحالة المقابلة يكون الإنسان الجديد المولود من الله يكون هو الحي وبه المسيح مالك فينا، وهو حين يكون حاضر يكون نامي ومتصاعد، بينما العتيق يكون ميت وفاقد سلطانه، ويتحرك نحو الفناء والاضمحلال تدريجيًا كما سنشرح لاحقًا بالتفصيل.

لذا أثناء الإجابة الغير سليمة، نجد أن حقيقة كون الخطية توجهات شبه غائب، وكل واحد يركز علي خطاياه الشهيرة (غضب – شهوة – كبرياء) ويجيب علي سؤال: “هل مات العتيق؟” من منطلق كون خطاياه المؤرقة هي كل تعريف الخطية، وبالتالي يحصر مفهوم موت العتيق بأن يكون هو فقط النصرة على تلك الخطايا، فتخرج الإجابات قاصرة ومشوشة، ويضيع مفهوم الخطية الحقيقة الانفصال عن الله، والحياة التي هي الانتقال من الظلمة إلى ملكوت المسيح وعودة الإنسان لحضن الله بعد انفصاله.

التعامل مع كلمة الله بمعزل عن شخص المسيح

الكتاب المقدس يعلمنا أن محور كل أمر هو الله، والله الذي يبدوا غامضاُ أعلن نفسه بالتمام لنا في المسيح[2] (يو 1: 18)[3]، الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره، فأصبح فهم أمور الله وحل كل تيهان يحل بنا في التعامل مع الله واستيعاب حياتنا الروحية هو الرجوع لشخص المسيح المتجسد وتدبير الفداء بحسب اعلان الكلمة[4]، وليس في التعامل مع الآيات ومحاولة فهمها دون أن يكون المسيح[5] وتدبير الفداء هو المحور. ذلك هو الفكر الكتابي في فهم الكتاب، أنظر إلى الانجيل ورسائل كتب العهد الجديد ستجد كل اقتباسات وفهم ما كتب في كتابات العهد القديم محوره هو عمل المسيح وتدبير الفداء[6]، فلا باب لفهم إعلانات الرب بمعزل عن شخص الرب يسوع ووضعه كمحور بصورة عملية جداً[7]، وحين تغيب حياة الرب يسوع وتدبير تجسده كمحورية لفهم أي أمر، يخرج التفكير متخبطاً، وغالبا في تلك الحالة يكون محور التفسير هو محاولة التوفيق بين الأفكار والآيات المتناقدة فتأتي الكلمات متخبطة ومتناقدة[8].

التعامل مع الآيات التي تتكلم عن موت الإنسان العتيق بدون محورية المسيح ومحورية عمله لنا جعلت أكبر الكتاب وأشهر الوعاظ يفسرون الأمر في تخبط وتناقد، فحين يغفل على المفسر أن يكون محور تفسيره هو تجسد المسيح وحياته التي تكلمنا عنها في الأجزاء السابقة، يكون التفسير مشوشاً، ويكون الجهد والهدف هو محاولة التوفيق بين الأفكار والآيات السابقة المربكة، فتاني الكلمات متخبطة ومتناقدة وفاقدة للرؤيا السليمة.

Romany Joseph
10th October 2013

الأجزاء السابقة:

من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 01 | مقدمة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 02 | حياة الرب يسوع ومراحلها هي نبع وسر مراحل حياتنا الجديدة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 03 | طبيعتنا  قبل الميلاد الثاني
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 04 | ميلاد المسيح في إسرائيل يحمل سر ميلاده فينا
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 05 | ولادتنا الجديدة من الله
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 06 | من هو الإنسان الجديد؟
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 07 | هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | أولاً | التفسيرات الخاطئة


[1]  للمزيد يمكن مراجعة مقال: بين الاتجاه والموقف

[2]    اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ (يو 1: 18)

[3]  والآية (يو1: 18) بحد ذاتها تضع الله في السمو المطلق وتقنع الإنسان الذي تعلق بفحص الله أن يعود إلى بيته ودائرة محدوديته، كما تقنع الإنسان الذي يتحرق شوقاً وحبا لله أن يلتجئ إلى الابن المتجسد ليشبع منه وفيه كل اشتياقاته وحبه، فالابن المتجسد هو الابن المحبوب الحامل ليس فقط لمعرفة الآب بل حبه

الأب متي المسكين – تفسير إنجيل يوحنا – شرح الآية (يو 1: 18) – ص 118

[4]  التجسُّد هو النقطة الأساسية التي بُنى عليها الإعلان الإلهي، والإعلان الذي نقصده ليس مجرد رؤيا أو نبوءة أو تعبير عن صفة، ولكن الإعلان المقصود هنا هو الإعلان عن شخصية الله. ولذا فقد صاحَب التجسُّد أشياء أخرى منها الإعلان عن طبيعة الحياة الإلهية وطبيعة العلاقة مع الخليقة: “من رآني فقد رأى الآب” والفعل “يرى” كما مرَّ بنا يعني “المعرفة والإدراك” وذلك منحة وعطية إلهية، وبالتالي ارتبطت معرفة الابن بمعرفة الآب، فكل من يعرف الابن المتجسد، فهو يعرف الآب أيضًا. هذا الإعلان

أعطى قيمًة وتفسيرًا حيًا لكل الإعلانات السابقة لا سيما ظهورات الله في العهد القديم، وظهور الله في الجسد أعطى منهجًا جديدًا لتفسير العهد القديم وحوَّله إلى حقيقة تُفهم وتُشرح في المسيح.

لقد أعلن الله عن نفسه في يسوع المسيح، وبالتالي صار كل ما في العهد القديم مؤشرات وإعلانات ﺗﻬدينا على طريق هذا الإعلان. ويمكننا أن نعبِّر عن هذه الحقيقة بصورة أخرى، فنحن لكي نكون على وعي وإدراك بعمق العهد القديم علينا أن نبدأ بالعهد الجديد راجعين إلى الوراء أي إلى الإشارات والنبوءات والتاريخ. وهذا لا يمنع أن نقرأ الكتاب المقدس من التكوين، ولكننا لا نستطيع أن نستوعب أو ندرك ما في الكتاب المقدس ما لم نبدأ بحياة المسيح كهدف لمقاصد الله وكغاية للنبوءات.

د. جورج حبيب بباوي – المدخل إلى اللاهوت الأرثوذكسي – ص 61

[5]  إن أردنا حقاً أن تعرف الله فلا بد أن تكون قد أُعطيت نقطة للدخول إليه، بحيث تكون تلك النقطة في كل من الله ذاته، وفي كياننا نحن كمخلوقات،  وهذا هو بالتحديد ما حصلنا عليه في التجسد، حيث إعلان الله عن ذاته “كآب”  يتم من خلال إعطاء ذاته لنا في يسوع المسيح ابنه، وعندما يعطينا الله أن نصل لمعرفته بهذه الصورة فهو يفعل ذلك في إطار الزمان والمكان أي داخل حدود ما يمكن ان نفهمه نحن البشر، وفي نفس الوقت، فإن المعرفة التي يعطيها لنا الله عن ذاته في ابنه المتجسد يكون مركزها الله في ذاته وبالتالي يكون كل فهمنا البشري لله وكل تصوراتنا عنه يمكن فحصها وضبطها وفقا لطبيعته الإلهية

الإيمان بالثالوث – الفكر اللاهوتي الكتابي الكنسي للكنيسة الجامعة في القرون الأولي – توماس ف. تورانس – ص 73

  See especially Athanasius, Expositio fidei 1-4

http://www.ccel.org/ccel/schaff/npnf204.x.ii.html

[6]   ومن هنا، فإن الأولوية القصوى التي اعطاها مجمع نيقيه “للإيمان” علي هذا النحو كانت لها دلالة كبير للغاية، لأنها تمثل التحول الجذري في فهم شعب الكنيسة، حيث استنارت عقولهم بحقيقة الله الحي وتحرروا من الأسر في ظلمة التحيزات الشخصية والتخمينات والأوهام التي لا اساس لها، وهو تحول من مركزية الفكر داخل المنطق البشري الشخصي الغريب عن الله، إلي أن يكون المركز هو إعلان الله عن ذاته، وفي فعل المصالحة الذي تم في يسوع المسيح “كلمته” المتجسد دخا حيز الزمان والمكان في عالمنا المخلوق، هذه الاستنارة بحقيقة الله كانت السبب وراء الثقة الراسخة في إيمان الكنيسة بالله،

الإيمان بالثالوث – الفكر اللاهوتي الكتابي الكنسي للكنيسة الجامعة في القرون الأولي – توماس.ف تورانس – ص 25

[7]  شدد لاهوت الاباء منذ بداية تكوينه على حقيقة هامة، وهي ان الإنسان قادر أن يقترب من الله من خلال الابن وفي الروح القدس فقط دون اي اسلوب ووسيلة أخري

الوجود شركة – المطران يوحنا زيزيولاس – تعريب مؤسسة القديس أنطونيوس – ص25

[8] ويمكن أن نلاحظ أن التقسيم امتد بعد القرن الخامس – وفي الغرب بشكل خاص – إلى فصل أحداث الخلاص التاريخية عن الشخص أو الأُقنوم، ومحاولة فهم الشخص من خلال الأحداث، وليس الأحداث من خلال مكانة وطبيعة الشخص، وهذا هو في حد ذاته منهج الهرطقات القديمة، ولكنه تحول تدريجيًا إلى مدرسة لاهوتية كاملة تحاول عزل الأحداث عن الشخص وتسليط الأضواء على الحدث محاولة أن تبني (وبشكل يُقال أنه تاريخي) صورة ومكانة الشخص، وهو المنهج الذي يصل إلى ذروته على يد “Welhusen” و “F. Bauer”، وأساتذة المدرسة التاريخية الذين حاولوا إعادة كتابة التاريخ المسيحي من خلال النظرة التاريخية النقدية  “Historical criticism” ويمكننا هنا أن نرصد ثلاثة حقائق تاريخية تتعارض مع المدرسة التاريخية النقدية الأُوروبية

أولاً: إن الشخص يسبق الحدث في الوجود. والشخص يصنع الحدث لا سيما في الأدب، والنصوص الدينية، وبشكل خاص في الكتاب المقدس.

ثانيًا: من خلال تطور قانون الإيمان نفسه، وقاعدة الإيمان التي وضعت في عصرٍ مبكرٍ، حوالي سنة ١٧٥م، يظهر لنا أن مبادئ الإيمان، تدور حول الشخص، وأن يسوع هو خالق الأحداث، وهو الذي بشخصه يعطي لها المعنى.

ثالثًا: إن يسوع المسيح هو أقنوم الابن الأزلي المتجسد. وبالتالي، فهو الأزلية مع التاريخ، والله مع الإنسان. وهذا هو ما يجعل هوية وطبيعة الفادي والمخلص، هي المفتاح الأول لفهم أحداث الخلاص. أي أن أزلية المخلص هي التي تشرح لنا أحداث التاريخ وتحدد معناها. حقًا هذا هو منهج آباء الإسكندرية، وهو منهج يعتمد على الإيمان الرسولي نفسه، وعلى ما جاء في الكتاب المقدس، وفي العهد الجديد بشكل خاص.

د. جورج حبيب بباوي: الخلقة الجديدة في المسيح يسوع – ص 85

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s