من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 11 | هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | خامسًا | موقفنا من صراع “رومية 7” بعد الميلاد الثاني

r7-conflicting-desires

توجد أراء كثيرة حول الصراع الذي كتبه بولس الرسول في رسالته لرومية بالإصحاح السابع، والذي وصف فيه الصراع الداخلي في الإنسان بين رغبته لعمل الخير وهزيمته من الشر، ووضع ذلك الصراع بعد الولادة الجديدة وحلول المسيح، دارسات كثيرة وأمينة شرحت ذلك الإصحاح وكانت متعمقة في الأصول اللغوية والكلمات والألفاظ، لكن أحيانا يغيب عن البعض العمق والبساطة وإعلان الرب، ونتوه في الاطروحات الفكرية واضعين دور الروح القدس جانباً بعض الشيء.

تلك الآراء حول ذلك الإصحاح في الغالب متأثرة بإجابة سؤال “هل مات العتيق بعد الميلاد الثاني أم لا؟”، ولا تنفصل عنه، لو رجعنا لنص الإصحاح سنجد أن الصراع الذي وصفه بولس الرسول ليس فيه أي ذكر للمسيح وحضوره في الصراع[1]، مما يساعد في وجود تطرفين للإجابة على ذلك السؤال، ولا تنفصل عنه، سنجد البعض يفسرون هذا الإصحاح أنه كان قبل المسيح وأنه يبطل في المسيح، وينتهي بالإيمان، وأصحاب ذلك الرأي هم أصحاب إجابة أن العتيق مات تماماً ويركزون على الإيمان وشدة عمل النعمة كما تكلمنا. بينما نجد أخرين يقولون أن ذلك الصراع يبقي بعد الولادة الجديدة بنفس الطريقة ويأخذونه دليل أن الجهاد واجب ضد الخطية حتى الدم، وأصحاب هذا الرأي هم الذين يركزون على الخطية والأعمال ويخشون الانفلات بسبب الإيمان والنعمة.

من ضوء ما شرحناه وإجابتنا لحقيقة أن العتيق مات لكنه لم يفني بعد وأن الامر يتطلب وقت، وأن حلول المسيح يميت العتيق لكنه لا يفنيه في لحظة، وذلك لأن طبيعتنا الجديدة تبدأ كطفل وتنمو، سنجد أن غوامض ووضع الصراع المكتوب في ذلك الإصحاح تتضح، سنجد أن صراع رومية 7 يتكلم عن حالة من الهزيمة لشخص أمين يشتهي السلوك في الله، لكن اتجاهه العام أنه مهزوم من نفسه وخطيته، والسر ان طبيعته تعجز عن حياة البر بسبب غياب المسيح.

أما في المسيح، فكما شرحنا أنه حين يعترف الإنسان بهزيمته وفساده، وتقوده تلك الهزيمة للصراخ لكي يبحث عن مخلص، يري موته وتنفتح عينيه علي الرب الذي مات لأجل أن يمت ذلك العتيق، ويري قيامة الرب ويستعلن له أن الرب يقيمه من الأموات، وهنا يبدأ الإنسان يختبر الفداء ويتحد بالمسيح ويحل المسيح فيه بالإيمان في قلبه، ويولد الإنسان ميلاد جديد، ويحدث تحول جذري لحياة الإنسان، فحلول المخلص يميت العتيق، لكنه كما شرحنا لا يفني في لحظة بل فنائه رحلة، ونمونا وتصور المسيح فينا رحلة.

لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهَذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، حَتَّى تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُونَ (غلا 5: 18)[2]

لذا، في المسيح الصراع لا ينتهي، لكن يحدث تحول جذري في اتجاه الصراع، حلول المسيح يعكس اتجاه الصراع ونتيجته، فهو يتحول من الهزيمة للنصرة، ذلك التحول تدريجي يحكمه نمو الإنسان الجديد فينا، ودعنا نصل لأهم نقطة نحتاج أن نقف معها، الوقت!! فنمو الإنسان الجديد نمو منطقي وهادئ ويتطلب وقت، النمو الروحي ليس خزعبلي ولا ليس سحراً، ويجب أن نعي أنه يأخذ وقت ولا نتوهم الكمال في لحظة وإلا كنا غير مولودين من الله.

فحين تحدث الولادة الجديدة يميت المسيح إنساننا العتيق بقوة عمله ونعمته وصليبه، لكن كما قلنا العتيق وإن مات فهو لم يفني، لكن كما كان إسماعيل المولود حسب الجسد يضايق اسحق المولود حسب الوعد، يكون الإنسان الجديد الروحي مولود صغير وينمو وطبيعتنا العتيقة المائتة تضايقه[3]، وفي نموه ينتصر بالمسيح تدريجيًا شيئا فشيئاً، ولا يفشل، ويعطي حلول الرب فينا نمواً للطبيعة الجديدة وانفتاح عليه فينميها ويجددها، وفي نفس الوقت، يعطي فناء للطبيعة العتيقة تدريجي وطرد لها.

لِذَلِكَ لاَ نَفْشَلُ. بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ (العتيق) يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ (المسيح) يَتَجَدَّدُ يَوْماً فَيَوْماً.   (2كو 4: 12)

لذا أيها القاري اترك التطرفات التي تربكك، فلا تصدق أو تتوقع أن الإنسان العتيق مات وفني في لحظة، وإلا لماذا قال يوحنا أننا نكذب لو قلنا إنه ليس فينا خطية[4]، ونضل أنفسنا وليس الحق فينا. ولماذا يقول أن خلال سلوكنا في النور دم المسيح يطهرنا من كل خطية[5]؟ ولا تصدق أننا في المسيح وبعد الميلاد الثاني نصارع كما كنا قبل حلوله فينا، وإلا كان حلول المسيح يساوي صفراً في أرض الواقع وكان عمل المسيح شعارات جوفاء، وكانت نعمة الله باطلة وغير عاملة فينا.

نعم… صراع “رومية 7” الشهير قبل المسيح يتحول إلي نصرة للمسيح فينا، لكنها نصرة تدريجية هادئة عبر مسيرة حياتنا الطويلة وليس في لحظة ولا موقف، لماذا نريد أن نكون عمالقة في الحال؟ والرب يسوع نفسه نما تدريجياً في النعمة والقامة[6]، وتحركت حياته من الطفولة إلي النصرة علي الوحوش والشياطين وهزيمة الموت نفسه، ليس في موقف ولا لحظة، بل رحلة حياة[7]، وإن كان أعطانا تلك الحياة، تحتم أن نصارع بقوته ونختبر النصرة التدريجية، وننمو من طفولته في النعمة والقامة حتى نموت ونقوم معه وفيه غالبين الموت، أو لماذا نأخذ التطرف الآخر وتتوهم أننا سنبقي طوال حياتك نصارع مهزومين ومرتبكين بالخطايا وسقف احلامنا هو التخلص من خطية أو عادة ما، والمسيح واقف يعلن أننا فيه ننمو لملء قامته ونعمل أعمال أعظم منه لأنه مضي للاب وعطانا حياته لنمجده [8].

Romany Joseph
14th October 2013

الأجزاء السابقة:

من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 01 | مقدمة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 02 | حياة الرب يسوع ومراحلها هي نبع وسر مراحل حياتنا الجديدة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 03 | طبيعتنا  قبل الميلاد الثاني
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 04 | ميلاد المسيح في إسرائيل يحمل سر ميلاده فينا
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 05 | ولادتنا الجديدة من الله
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 06 | من هو الإنسان الجديد؟
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 07 | هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | أولاً | التفسيرات الخاطئة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 08 | هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | ثانيًا| أسباب التفسيرات الخاطئة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 09| هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | ثالثاً | تابع أسباب التفسيرات الخاطئة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 10| هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | رابعاً | الإجابة من محور تدبير الفداء


[1]  فقط في نهاية الصراع بولس يشكر على يقظة ذهنه انه يخدم ناموس الله بعقله أي يعرف أنه يجب أن يتبع الصلاح: أَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا! إِذاً أَنَا نَفْسِي بِذِهْنِي أَخْدِمُ نَامُوسَ اللهِ وَلَكِنْ بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيَّةِ. (رو 7: 25)

[2]  لقد عالج ق. بولس هذه المضادة التقليدية بين الجسد والروح في رسالته إلى أهل رومية (5:8-9و12 إلخ) وانتهى إلى أن الجسد تنتهي أعماله بالموت والروح هو روح القيامة للحياة الأبدية. وفي الحقيقة أن الصراع بين الجسد والروح هو قائم وسيظل قائماً طالما أن الإنسان يحيا بالإيمان بروحه متحداً بالمسيح للحياة الأبدية التي ليس للجسد فيها نصيب، وهو في واقعه يعيش في جسد ترابي يشتهي ما في الأرض وهو مدعو إلى الموت حتماً. لذلك يمر الإنسان المسيحي في عمليتين متوازيتين:

+ » لذلك لا نفشل بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى، فالداخل يتجدَّد يوماً فيوماً. « (2كو 16:4)

بمعنى أن الإنسان الجديد المدعو “بالداخل” المخلوق بحسب الله في المسيح المدعو للحياة الأبدية، لا بد أن يرتقي بالروح الذي فيه وينمو يوماً فيوماً بقدر ما يغتذي على الإنجيل والنعمة والحق. بينما الإنسان العتيق وهو المدعو “بالخارج” أي الظاهر، فإنه بقدر ما ينمو الإنسان الجديد بقدر ما يتقهقر العتيق، لأن الجديد ينمو على أساس التخلِّي عمَّا للقديم من تسلط ووجود وقوة. والعتيق نهايته التراب حتماً وأمَّا الجديد فالسماء موطنه الموعود.

وق. بولس يعود ويصوِّر هذا التبادل العجيب في الموت والحياة داخل الإنسان بين ما هو قديم وما هو جديد أو ما هو للأرض وما هو للسماء هكذا:

+ » لأننا نعلم أنه إن نُقِضَ بيت خيمتنا الأرضي، فلنا في السماوات بناءٌ (روحيٌّ) مِنَ الله، بيتٌ غير مصنوعٍ بيدٍ، أبديٌّ. «(2كو 1:5)

ثم يعود ويكمِّل حتمية هذه المبادلة العجيبة داخلنا بين الموت والحياة كواقع لا مفر منه:

+ » فإذ نحن واثقون كل حينٍ وعالمون أننا ونحن مستوطنون في الجسد، فنحن متغرِّبون عن الرب. «(2كو 6:5)

الأب متي المسكين – تفسير رسالة غلاطية الإصحاح الخامس عدد 18

[3]  فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ ابْنَانِ، وَاحِدٌ مِنَ الْجَارِيَةِ وَالآخَرُ مِنَ الْحُرَّةِ. لَكِنَّ الَّذِي مِنَ الْجَارِيَةِ وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ، وَأَمَّا الَّذِي مِنَ الْحُرَّةِ فَبِالْمَوْعِدِ…. وَلَكِنْ كَمَا كَانَ حِينَئِذٍ الَّذِي وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ يَضْطَهِدُ الَّذِي حَسَبَ الرُّوحِ، هَكَذَا الآنَ أَيْضاً….  (غلا 4: 22 24،  29)

[4]  إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا. (1يو 1: 18)

[5]  إِنْ قُلْنَا إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ. وَلَكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ. (1يو 1: 6 – 7)

[6]  أَمَّا الصَّبِيُّ فَكَانَ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ وَكَانَ فِي الْبَرَارِي إِلَى يَوْمِ ظُهُورِهِ لِإِسْرَائِيلَ. (لو 1: 80)

[7]  فانفتاح الذهن والعمق الروحي على معرفة الله وتقبّل روح الحكمة لترافق النمو في القامات الجسدية أمر هام للغاية لأن بَدْء عمل اللاهوت انتظر حتى بلغ المسيح الثلاثين من عمره، أي حين أكمل كل القامات البشرية بكل حكمة ورزانة، لا لمنفعته الخاصة وحسب، ولكن لكي يسلِّمنا هذه القامات جميعاً مقدَّسة وبحالة روحية كاملة ونعمة.

الأب متي المسكين – تفسير إنجيل ق. لوقا – الإصحاح الثاني – أية 39 و40، ص 142

[8]   اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضاً وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا لأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي  (يو 14: 12)

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s