ماذا بعد فوز مصر بكأس العالم؟

 fotolia_4812455_m

ذهبت مصر لكأس العالم بمعجزة.. وفرحنا لفترة.. وحين اقتربت البطولة.. داعبنا الأمل والرغبة في العبور من الدور الأول.. وبعد أداء جيد في المباراتين الأوليتين، أصبح الشعب لا يقبل بديلاً عن عبور الدور الأول (مثلما حدث في كأس العالم للقارات 2010 بعدما هزمنا إيطاليا وفاجأنا البرازيل).

وبعد عبور الدور الأول فرحنا، راحت الرغبة والأمل تنمو وتتمني بل تطالب بعبور الدور الثاني، وبعد العبور من دور لدور أصبح هناك مطلب شعبي بالحصول على كأس العالم وعدم اهدار الفرصة التي لن تتكرر، وببساطة، نستطيع أن نري أن المنتخب المصري لو ذهب لكأس العالم سيملكنا الإحباط في أي حالة غير حصوله على البطولة، وبنفس المنهج… ستتعالى الصيحات المتألمة الملآنة حسرة:

مش لو كان اللاعب “فلان الفلاني” ما ضيعش الكورة السهلة كنا عدينا الدور الأول؟ حاجة تشل! أو لو كان الحارس”فلان” صد الكورة السهلة كنا وصلنا القبل النهائي، حاجة تجيب المرض! أو لو كان المدرب الملعون لعب بخطة أحسن…مش كنا أخدنا كأس العالم؟ حاجة تقرف!  

وحين نفوز بكأس العالم… سنغضب جداً لو لم نفوز بالكأس التالية. ومن المؤكد أنه بعد تحقيق كأسين عالم متتالين سيكون من الضروري أن نكمل الثلاثية. لا تظن أني ابالغ، فقد فعلنا ذلك حين أخفقنا في كأس الأمم الأفريقية الرابعة، وأقلنا المدرب وغضبنا من اللاعبين، وبات من الواضح أننا لا يرضينا إلا الفوز بالكأس للأبد.

وتبقي تلك الدائرة اللعينة مغلقة بلا حل:

حلم… أمل… محاولات… نجاح لا يرضي.. اخفاق… غضب… أمل… محاولات…نجاح لا يرضي… إخفاق… غضب”

وهكذا للأبد… وإذ بالحلم الذي يعني الفرح والنجاح والتحليق والأماني العالية، يتحول لسور وحصن وسجن كريه من الفشل والمرار والحزن. كيف يمكن أن يحدث هذا؟ كيف يمكن أن يتحول الحلم لسجن؟

المشكلة تحدث في أن الغالب علي أحلامنا… هو نوع شرير جدا من الأحلام.. يمكن أن نسميه “الأحلام التنافسية”، والتي مقياسها هو الفارق بيني وبين الآخرين، ومدي تفوقي عنهم، في تلك النوعية من الأحلام، النجاح لا يعتمد فقط علي قدرتي أو علي ما أحتاجه، بل علي قدرة  الآخرين الموجودة خارج حدود سيطرتي وما يريدونه والذي ربما لا أحتاجه، فيصبح تحقيق الحلم يعتمد علي تنمية قدراتي لتكون أعلي من الأخرين، وربما تعطيل الآخرين! ويصبح الهدف ليس تحقيق أمر أحتاجه بل التفوق علي الآخرين وسحقهم سحقًا، نعم ربما تكون محتاج لتحقيق أمر ما بطريقة معينة، لكن روح التنافس تجعلك تريد تحقيق ثلاثة أو أربع أضعاف ما تحتاجه بحق، لمجرد فكرة الرغبة في التفوق علي الآخرين، بل ولعلنا نصبح مثل الصورة الموجودة اعلاه، نتسلق سلم لمجرد أن نصل أعلي من الأخرين وقبلهم، نصل لأين؟ لا يهم.. المهم التفوق عليهم!

تلك الأحلام التنافسية في الغالب تستنزف جميع طاقاته الإنسان وتجعله تدريجياً مبتلعاً من روح التنافس، ومستعبد لها، وتسبب له توتراً ونزيفاً معنوياً، إما لضعف قدراته، أو لروعة قدرات المنافسين، وحينها يتحول الحلم من نعمة لنقمة، بل تلك الطريقة في التعامل مع الحلم تكون هي سبب فشل تحقيقه وتشوهه، وسبب تعاسة وذل ومرار يصنعهما الإنسان لنفسه، ويفسد بها حلمه الذي أثق أنه كان تنافسي.

لندخل قليلاً للعمق ونحاول فهم أنفسنا… ربما في مباره كرة قدم.. رأينا وعكسنا على المستوي الجماعي ما يحيياه كل منا في عالمه الفردي الخاص، ولنحاول معاً أن ننظر لحالنا كشعب.. سنجد أن الرغبة الشديدة في الوصول لكأس العالم على مستوي شعب هي نفس الرغبة الفردية الشديدة الموجودة داخلنا كأفراد في تحقيق ذواتنا والترقي والنجاح والارتفاع فوق الآخرين وسحقهم، ربما في العمل، أو الشهرة، أو في موهبة ما، أو في أي مجال من مجالات الحياة، روح التنافس ذات الرائحة العفنة قائمة ودائمًا تجتاح الإنسان وتسيطر عليه، وحين تتملك كيانه، تدريجياً يصبح مستعبد لها، مستعبد للخوف من الفشل، ومستعبد لنشوة روعة التفوق علي الآخرين، ونفسه تتمزق بين تطرفي الخوف من فقدان الحلم والرغبة في تحقيقه.

وحينها يتحرك الإنسان مقيداً لا يري شيء في الكون إلا تحقيق التفوق علي الآخرين، وربما يكون مستعد لفعل كل الوسائل الشريفة وربما الغير شريفة للوصول لذلك، لا يهم.. المهم.. التفوق علي الآخرين حتي لو لم أكن احتاجه أو عن كان غير ضروري لحياتي. وربما يربح.. ولكنه يفقد حياته تمنًا!

وتدريجياً، يصاب الإنسان بالعمي.. نعم.. يمكن أن يعميك الحلم التنافسي فلا تري غيره، يعميك عن الفرح والرضا بإنجازات رائعة لكنها أقل، يعميك ويجعلك غير راض.. لا يرضيك مثلاُ 3 كؤوس أمم افريقية متواصلة، ولا يرضيك هزيمة بطل العالم في 2010، كل ذلك لا شيء، فقد سبب الحلم التنافسي عمي، وحول ما يمكن أن يعزيك ويفرحك، لأمر يزيد مرارك، وبدلاً من أن تقول هدوء وقبول: “الحمد لله على الأقل فعلنا كذا وكذا”، تجد أن الحلم سبب عمي وتجد نفسك تقول في غضب ومرارة: يعني نعمل كل دا.. وبرضه ما نروحش كاس العالم.. حرام.

أتعلم لماذا لم يستنكر الأغلبية ردود الأفعال العنيفة نحو فريق كرة القدم المصري حين يُهزم؟ السبب بسيط جداً!! نحن نفعل ذلك كل يوم! نفعله مثلاً في اعمالنا؟ وبنفس الطريقة، لا يرضينا منصبًا جيدًا في العمل ولا يرضينا دخل مقبول، ونعيش في توتر وشد وعصبية لاهثين خلف المنصب الأعلى فالأعلى فالأعلى؟ عيوننا مثبتة علي أين نحن من الآخرين وأين هم منا، ونفقد الفرح بنجاحات حققناها في الطريق بسبب اللهث خلف نجاح أعظم لا نصل إليه؟ وبسبب قياس نجاحنا على الآخرين، وكنتيجة لذلك، نكون متوترين.. عصبيين.. متمررين.. وعميان عن أمور مفرحة، وحزاني لأجل عدم تحقيق حلم جعلنا المسافة بين اقدامنا وبين تحقيقه ثابتة لا تتغير!

ليس هذا فقط، بل يمكن أن يعميك الحلم فلا تلتمس عذر لنفسك ولغيرك، لا تلتمس عذر للاعبين لا يلعبون لثلاث سنوات. فقد صرت مبتلعاً من رغبة التنافس ولا عذر مقبول أمام الإخفاق سواء لك ولغيرك، وخطأ واحد يعني انهيار كل إنجازات الشخص والمجموعة. وحينها يتحول الحلم لسجن.. ألم نري أباء أن يغتالوا أولادهم نفسيا بسبب الضغوط التي يصنعوها نحوهم لكي يحققوا احلامهم من نجاح وتفوق جعلوا مقياسه هو الآخرين.. ولا يقبلوهم إلا لو كانوا ناجحين متفوقين، فيخلقون جيلاً من عريضاً من الفاشلين، وقلة من الناجحين المتكبرين المتنافسين؟

العجيب، أن الأحلام التنافسية التي نجري فيها لا تشبعنا على الإطلاق.. واقعنا يقر بهذا، والمنافسة لا تنتهي بل تبقي للأبد، ودائما هناك أفضل وبالتالي دائما انا غير راضي، وعيني علي ما حققه الآخر حتي لو انا لا احتاجه، وفاقد لتمييز احتياجاتي وسط تلك الآجواء.

أثق أن الله لم يخلقنا في الأصل لنتنافس بل لنتكامل، لقد خلق الله لكل منا مسار وخطة واحلام ومواهب لا تعارض ولا تضارب مع الآخر فيها، بل هي تنسجم وتتكامل بطريقة مبهرة، كمجموعة عازفين موهوبين ليعزفوا لحنا فريداً، يتكاملون فيه معا في هدوء وانسجام وتوافق بديع يفرح القلب ويشبع النفس ويعطي قيمة.

لكننا قررنا أن يركز كل واحد على الألة الموسيقية التي يعزفها ويحاول أن يعزف لحناً أعلي وأحسن من الآخرين، فقام الكل بالعزف بمفرده، وربما حاول البعض تحطيم آلة أخيه، وآخر أكثر دهاء قطع الكهرباء عن آلة أخ آخر، وانقسم الناس لمشجعين ومتحزبين لكل واحد لعل صوته يعلو ويسحق الآخرين، وكانت النتيجة النهائية ضوضاء مقيتة وجو مشحون، وبدلا من أن تكون القاعة مكان هادئ، صارت جحيما، فقد العازفين متعة آدائهم معا، والأكثر إيلاماً، أن هؤلاء المشجعين والمتعصبين لو سمعوا اللحن المبدع، لاكتشفوا أنهم أيضاً عازفين، ولصار اللحن أكثر روعة! ولكن كذلك العالم حولنا، صراع تنافسي تتوه فيه كل روعة وجمال.

وحين يفتح الله اعيننا وتنكشف تلك الحقيقة، تتوقف الأحلام التنافسية ونراها سراب، وتخرج للنور أحلام اخري، أحلام لا نشاهدها كمتفرجين ولا نتمناها ونحن بعيدين، بل احلاماً تخرج من أعماقنا ونصنعها بما فينا من مواهب وعطايا. أحلام تشبعنا لأنها بحسب تصميمينا ومغروسة في كياننا، وهي ترادف رسالتنا التي يعطيها لنا الله، ورسالتنا التي خلقنا الله لها لا يوجد بها تنافس لأنها ببساطة لا يستطيع شخص أن يفعلها في الكون سوانا، فلم يكن صدفة ان تكون بصمة الأصابع لا تتكرر في البشرية كلها، لكي يعطي لنا الله رسالة أن دوري لن يتكرر ولا يوجد مثله.

وفي أجواء الهدوء والسكينة، يتحقق الحلم الفريد ببساطة ويسر، ويتبدل الصراع التنافسي العنيف لاكتشاف شخصي هادئ، ويكتشف كل منا دوره، الدور المتفرد الذي لا يحتاج لتنافس لأنه لن يفعله أحد سوك. وحينها سيفرح قلبي أن أكون مثمراُ وتهدأ نفسي في أن أكون مقلدًا متنافسًا، وأعلم أنني نافع لغيري وذو قيمة متفردة، وادرك قيمتي لا من منظور التنافس والمقارنة ولا من منظور الأنانية والتوهم، بل من منظور الحقيقة الكائنة داخلي، حينها سأشبع وأشبع غيري، فالمروي هو أيضاً يُروي.

لقد جاء المسيح  في عالم مشوه ومتنافس، لأجل إعادة تشكيل الحياة بتلك الصورة البديعة وتلك الروح المختلفة، فقام  بإزالة كل تشوه في كل من يطلبوه ويقبلوه، وراح يعيد تشكيل كيانهم ويبث الحياة الحقيقية والمعني في نفوسهم، وينمي وعيهم وادركهم ليكون الجميع واحد يكملون بعضاً في وحدة وتناغم وتفرد تنبع من عمله ومن حضوره فيهم، وبدونه وبدون عمله يبقي الإنسان رغماً عن أنفه مستعبدا من دائرة التنافس واعمي عن رسالته وتفرده ومتغرب عن الحياة الحقيقية المدفونة فيه.

العالم مملوء بسباقات التنافس، وكل ما حولنا يصرخ به، فهل نفيق ونحيا إنسانيتنا ولا يحيا العالم فينا، هل نقبل عمل المسيح الي هو الطريق الوحيد لتلك الحياة؟ لكي على مستوانا الفردي نكتشف دورنا وإنسانيتنا، ثم ننمو سوياً في دور متفرد متميز وسط العالم؟

Romany Joseph
17th October 2013

 

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in أمور تلخبط and tagged , , , . Bookmark the permalink.

2 Responses to ماذا بعد فوز مصر بكأس العالم؟

  1. grainofgrist says:

    have to say that this article is beyond expectation for me from the first line. after reading the first article I didn’t thought that the second part will be that real and that good.
    Stay blessed

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s