من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 13 | أسس مضللة لتقييم الميلاد الثاني | أولاً | الإيمان النظري والمائت

faith-in-god

تكلمنا في المقال السابق عن سمات الأسس الحقيقية السليمة والأسس المضللة الخاطئة، والتي تتلخص في أن الأسس الحقيقية السليمة تكون من الثمر الشخصي والحياة ومحاكات الاختبار بينما الأسس المضللة الخاطئة تكون من السلوكيات الظاهرية والكلمات والمواقف السهلة التي لا تحسب اختباراً.

في تلك المقال [1]سنتناول أحد أشهر الأسس الخادعة وهي الإيمان المائت أو النظري، والذي بالطبع لا نسميه لا مائت ولا نظري، لذا لنقترب قليلاً لذلك الأساس لكي نعرف ماهيته وكيف يمكن أن يخدعنا.

الإيمان المائت

يخبرنا الكتاب المقدس عن “سيمون الساحر” أمراً غاية في الأهمية، فهو قد “أمن” و”اعتمد”!!

وَكَانَ قَبْلاً فِي الْمَدِينَةِ رَجُلٌ اسْمُهُ سِيمُونُ يَسْتَعْمِلُ السِّحْرَ وَيُدْهِشُ شَعْبَ السَّامِرَةِ قَائِلاً: «إِنَّهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ!». وَكَانَ الْجَمِيعُ يَتْبَعُونَهُ مِنَ الصَّغِيرِ إِلَى الْكَبِيرِ قَائِلِينَ: «هَذَا هُوَ قُوَّةُ اللهِ الْعَظِيمَةُ».  وَكَانُوا يَتْبَعُونَهُ لِكَوْنِهِمْ قَدِ انْدَهَشُوا زَمَاناً طَوِيلاً بِسِحْرِهِ. وَلَكِنْ لَمَّا صَدَّقُوا فِيلُبُّسَ وَهُوَ يُبَشِّرُ بِالْأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ وَبِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدُوا رِجَالاً وَنِسَاءً. وَسِيمُونُ أَيْضاً نَفْسُهُ آمَنَ. وَلَمَّا اعْتَمَدَ كَانَ يُلاَزِمُ فِيلُبُّسَ وَإِذْ رَأَى آيَاتٍ وَقُوَّاتٍ عَظِيمَةً تُجْرَى انْدَهَشَ. وَلَمَّا سَمِعَ الرُّسُلُ الَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ أَنَّ السَّامِرَةَ قَدْ قَبِلَتْ كَلِمَةَ اللهِ أَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا اللَّذَيْنِ لَمَّا نَزَلاَ صَلَّيَا لأَجْلِهِمْ لِكَيْ يَقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ حَلَّ بَعْدُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ – غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَمِدِينَ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ. حِينَئِذٍ وَضَعَا الأَيَادِيَ عَلَيْهِمْ فَقَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. وَلَمَّا رَأَى سِيمُونُ أَنَّهُ بِوَضْعِ أَيْدِي الرُّسُلِ يُعْطَى الرُّوحُ الْقُدُسُ قَدَّمَ لَهُمَا دَرَاهِمَ قَائِلاً: «أَعْطِيَانِي أَنَا أَيْضاً هَذَا السُّلْطَانَ حَتَّى أَيُّ مَنْ وَضَعْتُ عَلَيْهِ يَدَيَّ يَقْبَلُ الرُّوحَ الْقُدُسَ». فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «لِتَكُنْ فِضَّتُكَ مَعَكَ لِلْهَلاَكِ لأَنَّكَ ظَنَنْتَ أَنْ تَقْتَنِيَ مَوْهِبَةَ اللهِ بِدَرَاهِمَ. لَيْسَ لَكَ نَصِيبٌ وَلاَ قُرْعَةٌ فِي هَذَا الأَمْرِ لأَنَّ قَلْبَكَ لَيْسَ مُسْتَقِيماً أَمَامَ اللهِ. فَتُبْ مِنْ شَرِّكَ هَذَا وَاطْلُبْ إِلَى اللهِ عَسَى أَنْ يُغْفَرَ لَكَ فِكْرُ قَلْبِكَ   لأَنِّي أَرَاكَ فِي مَرَارَةِ الْمُرِّ وَرِبَاطِ الظُّلْمِ». فَأَجَابَ سِيمُونُ: «اطْلُبَا أَنْتُمَا إِلَى الرَّبِّ مِنْ أَجْلِي لِكَيْ لاَ يَأْتِيَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْتُمَا». (اع 8: 9 – 24)

فالكنائس التقليدية (الأرثوذكسية والكاثوليكية) تركز على تحقيق المعمودية بالماء كدليل للولادة الجديدة وقل الاهتمام بحقيقية إيمان الشخص بالرب، بينما تركز الكنائس الغربية البروتستانتية على أن يتلفظ المؤمن بعبارات إيمانية وشهادات إيمان كدليل للولادة الجديدة وقل الاهتمام باختبار الشخص للرب ولتلك الكلمات.

لا توجد هنا مساحة للجدل النظري الأليم والعقيم بين تلك الطوائف وتوجهاتها حول المعمودية وشهادة الإيمان، والتركيز المتطرف لكل طائفة علي أمر وإغفال أخر… هذان التطرفان كانا كفخ من فخاخ ابليس أوقع الكنائس في جدال نظري مائت حول هل المعمودية بالماء[2] أم بشهادة الإيمان؟ فاعتقد أنه يجب أن نتوقف عن تلك الجدالات البالية التي مزقت المسيحية وتمسكت كل طائفة بنظريتها المجردة بحدة وتطرفت، أحداهما بناها على معمودية ولا يعلم بمن يؤمن، وآخري يبنيها على كلمات رددها وهو لا يعرف من يحققها في حياته! وخرج اتباع التطرفين في تيه عن الإجابة: الإجابة التي هي “يسوع المسيح” مٌن يعطيني حياة جديدة في المعمودية ويسير معي في حياة الإيمان معي،

وسواء كنا معمدين أو نطقنا شهادية إيمانية، بدون اختبار الإيمان بشخص الرب، يكون عندنا ضحالة وهشاشة في الحياة، زيف وازدواجية، سطحية في معرفة بالرب بل تغرب عنه، عدم تمييز وغياب للثمر، وكانت كلمات الرب (من ثمارهم تعرفوهم) تشهد على وجود أمر غير سليم في كل تلك التطرفات، فكم ممن نالوا المعمودية أو نطقوا بشهادة الإيمان بحماس هلكوا.

فلسنا ضد هذا أو ذاك، نحن مع الإنسان المسكين الذي تاه في علاقته مع الرب وبنها على أسس غير سليمة، نحن هنا لسنا بصدد جدال نظري طائفي، والمختبرين للرب والمؤمنين الحقيقين من كل الطوائف ارتقوا بمسيحهم فوق ذلك الجدال العقيم وركزوا على تعميق الإيمان ولاهوت الموت والقيامة في حياة الإنسان ومساعدة المؤمنين على اختبار الرب والسلوك فيه، والذي كان من المفترض ان تكون معمودية الماء والشهادة بالفم هي تحقيق للإيمان الحي وليس شعارات.

نحن الآن أمام “سيمون الساحر”، نموذج آمن وأعتمد وسلك سلوكاً معيبًا، والمتابع لقصته تاريخيًا يعرف أنه صار أباً للمذهب الغنوسي المسيحي[3]، وها هو قد اعتمد العماد الذي يبالغ في التركيز عليه الكنائس الشرقية التقليدية ونطق بفمه اعلان الإيمان التي يبالغ في التركيز عليه الكنائس الغربية، وهو شهادة كتابية قائمة أن الموضوع أكثر عمقاً مما يبدوا، والإيمان بالشفاه أو المعمودية حسناً، لكنه إن كان فعل خارجي ليس له أصل داخلي فهو باطل مثل إيمان أو معمودية سيمون الساحر. لذا، يحتاج كل من أتباع المدرستين عدم الاكتفاء بالتركيز على تلك الأمور بمبالغة وتجاهل لكل أمر آخر، فليس كل من اعتمد بالماء سيخلص، ولا كل من قال بلسانه يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات. ونحتاج أن نراجع نحن أن إيماننا بموت وقيامة الرب لو كان حقيقي وحي، سيكون مثمر في حياتنا ودائم التغيير لها وينشئ إماتة وقيامة في حياتي.

 

الإيمان النظري

 

أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ. حَسَناً تَفْعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ! (يع 2: 19)

الإيمان النظري بالحقائق هو أن تؤمن بحقيقة ولا تخدع نفسك فيها، مثل وجود الله، وذلك حسن، لكن تلك الحقيقة إن لم تثمر أي في داخلك أي نتيجة، فذلك لا يفرق شيئاً عن الشياطين، ويتكلم بعدها عن ثمر الإيمان، فالتصديق النظري لحقائق لا قيمه له إن لم يكن مثمر في سلوك وتوجه قلبي.

إن الحقائق الإيمانية النظرية أمر خادع جداً لو صار أساس لتقييم ولادتي الجديدة وعلاقتي بالرب، كثيرون يعترفون بالمسيح رباً، وهذا حسن، لكن الشياطين أيضاً اعترفت ذلك الاعتراف، كثيرا ما نلقي بذلك الاعتراف بشفاهنا، ونرتاح بعدها ونثق أننا نتبع الرب، بينما توجهاتنا في حياتنا اليومية تقول أن المسيح ليس ربًا لنا على الإطلاق، فهو عند كثيرين “رب” كحقيقة نظرية، لكنه ليس محور اهتمامهم، ولا نقطتهم المرجعية، ولا هو من يتبعوه[4].

في صراع الطوائف تتباهي كل طائفة أنها تملك الحقيقة المطلقة، وتتعالي علي الآخرى، فتجد أبناء الطائفة الأرثوذكسية يتباهون بصحة عقيدتهم واصالتها الإيمانية، وأبناء الطائفة البروتستانتية مثلا يعتبرون أنفسهم الكنيسة الإيمانية السليمة بحسب الكتاب المقدس، وذلك التفاخر بالحقائق النظرية والتراشق بها لهو اثبات علي غياب التقوي، هذا ما أتفق عليه الإباء السالكين بالإيمان في القرون الأولي[5]، كثيراً ما شدد القديس اثناسيوس ان التقوي هي السلوك بالإيمان وتفعيله[6]، ففي اعتقادي، لو كان هؤلاء المتراشقين يحيون الإيمان بحقيقة ما ينادون به، لكان ثمار الشفاه والكلمات ستختلف، لكان ذلك الإيمان العامل به محبة، وبه انحناء وغسل ارجل، لا تشامخ وتعالي، لذا لا نخدع أنفسنا بإيمان وقناعات عقلية، هذا حسن، لكنه خطر ومؤشر خطير إن كان منفصل عن السلوك وأنا مغيب تماماً عن هذا.

Romany Joseph
11th November 2013

الأجزاء السابقة:

من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 01 | مقدمة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 02 | حياة الرب يسوع ومراحلها هي نبع وسر مراحل حياتنا الجديدة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 03 | طبيعتنا  قبل الميلاد الثاني
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 04 | ميلاد المسيح في إسرائيل يحمل سر ميلاده فينا
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 05 | ولادتنا الجديدة من الله
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 06 | من هو الإنسان الجديد؟
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 07 | هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | أولاً | التفسيرات الخاطئة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 08 | هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | ثانيًا| أسباب التفسيرات الخاطئة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 09| هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | ثالثاً | تابع أسباب التفسيرات الخاطئة من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 10| هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | رابعاً | الإجابة من محور تدبير الفداء
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 11 | هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | خامسًا | موقفنا من صراع “رومية 7″ بعد الميلاد الثاني
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 12| تقييم الميلاد الثاني بين الأسس الحقيقية والمضللة



[1]  تلك المقال مبنية على عظة لخادم الرب “رفيق أنسي” ألقاها في عام 2004 على مجموعة اعداد خدام باسرة مارمينا – اسقفية الشباب – بتصرف

[2]  في الطقس الأرثوذكسي: اسرار الكنيسة السبعة – الارشدياكون حبيب جرجس

[3] تاريخ الفكر المسيحي – حنا جرجس الخضري – الجزء الأول ص 397

[4]  الإيمان بالثالوث – توماس ف.تورانس  – الإيمان والتقوي – ص 22

[5]  وإلى جانب الإيمان الذي أولاه الفكر اللاهوتي النيقاوي أهمية قصوى، كان هناك عنصر رئيس آخر له نفس الأهمية التي للإيمان، ومرتبط ومتداخل معه بغير انفصال. يجب علينا أن نأخذه ايضاً في الاعتبار، الا وهو التقوى، فالإيمان في حد ذاته هو عمل من اعمال التقوى داخل العبادة والطاعة المقدمة لله بكل تواضع وخضوع، والتقوى هي العلاقة السليمة مع الله، من خلال الإيمان الذي يعطي اتجاهاً مميزاً للعقل ويشكل الفكرة والحياة وفقاً لكلمته وحق الانجيل، التقوى إذا تعتبر من المكونات الجوهرية في التقليد الحي للكنيسة الملتزمة بالإيمان بإعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح.

الإيمان بالثالوث – الفكر اللاهوتي الكتابي الكنسي للكنيسة الجامعة في القرون الأولي – توماس.ف تورانس – ص 38

[6]  وكان ق. أثناسيوس يصر دائماً علي أن إطاعة الإيمان تؤدي إلي اسلوب شرعي في التفكير والتحدث عن الله، وذلك بفضل الاتزان الداخلي الذي يتولد نتيجة عبادة الله، ففي كل محاولة للفهم واعطاء تعبير عن أسرار الإيمان، يكون المطلوب هو انضباط خشوعي وترتيب للعقل وصل إلي حالة الانسجام بواسطة صلاة دائمة لله، معرفة تتسم بالتقوي وتضرعات مقدمة ليس بشكل عرضي ولكن بتسليم كامل للقلب، هكذا يمكن الدخول إلي الله، والذي فيه الإيمان والتقوي كل منهما يحكم الآخر في معرفته لله لان كلمتي الإيمان والتقوى مرتبطتان، وهما اختان، فمن يؤمن يالله لا ينفصل عن التقوي، ومن يتملك التقوي فهو حقا يؤمن

Athanasius Ep., 11.9-11

الإيمان بالثالوث – الفكر اللاهوتي الكتابي الكنسي للكنيسة الجامعة في القرون الأولي – توماس.ف تورانس – ص 57

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s