الملحد الأمين أنقي من المتدين المزيف

zf3bv4qn-1330299206

وَقَالَ: «إِنْسَانٌ كَانَ لَهُ ابْنَانِ. فَقَالَ أَصْغَرُهُمَا لأَبِيهِ: يَا أَبِي أَعْطِنِي الْقِسْمَ الَّذِي يُصِيبُنِي مِنَ الْمَالِ. فَقَسَمَ لَهُمَا مَعِيشَتَهُ. وَبَعْدَ أَيَّامٍ لَيْسَتْ بِكَثِيرَةٍ جَمَعَ الاِبْنُ الأَصْغَرُ كُلَّ شَيْءٍ وَسَافَرَ إِلَى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ وَهُنَاكَ بَذَّرَ مَالَهُ بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ. فَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ حَدَثَ جُوعٌ شَدِيدٌ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ فَابْتَدَأَ يَحْتَاجُ. فَمَضَى وَالْتَصَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْكُورَةِ فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ لِيَرْعَى خَنَازِيرَ. وَكَانَ يَشْتَهِي أَنْ يَمْلَأَ بَطْنَهُ مِنَ الْخُرْنُوبِ الَّذِي كَانَتِ الْخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ. فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ الْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعاً! أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ وَلَسْتُ مُسْتَحِقّاً بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْناً. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ. فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ. وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيداً رَآهُ أَبُوهُ فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ. فَقَالَ لَهُ الاِبْنُ: يَا أَبِي أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ وَلَسْتُ مُسْتَحِقّاً بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْناً. فَقَالَ الأَبُ لِعَبِيدِهِ: أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ وَاجْعَلُوا خَاتَماً فِي يَدِهِ وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ لأَنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ مَيِّتاً فَعَاشَ وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ. فَابْتَدَأُوا يَفْرَحُونَ. وَكَانَ ابْنُهُ الأَكْبَرُ فِي الْحَقْلِ. فَلَمَّا جَاءَ وَقَرُبَ مِنَ الْبَيْتِ سَمِعَ صَوْتَ آلاَتِ طَرَبٍ وَرَقْصاً فَدَعَا وَاحِداً مِنَ الْغِلْمَانِ وَسَأَلَهُ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ: أَخُوكَ جَاءَ فَذَبَحَ أَبُوكَ الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ لأَنَّهُ قَبِلَهُ سَالِماً. فَغَضِبَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُلَ. فَخَرَجَ أَبُوهُ يَطْلُبُ إِلَيْهِ. فَقَالَ لأَبِيهِ: هَا أَنَا أَخْدِمُكَ سِنِينَ هَذَا عَدَدُهَا وَقَطُّ لَمْ أَتَجَاوَزْ وَصِيَّتَكَ وَجَدْياً لَمْ تُعْطِنِي قَطُّ لأَفْرَحَ مَعَ أَصْدِقَائِي.وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ ابْنُكَ هَذَا الَّذِي أَكَلَ مَعِيشَتَكَ مَعَ الزَّوَانِي ذَبَحْتَ لَهُ الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ. فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ أَنْتَ مَعِي فِي كُلِّ حِينٍ وَكُلُّ مَا لِي فَهُوَ لَكَ. وَلَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ لأَنَّ أَخَاكَ هَذَا كَانَ مَيِّتاً فَعَاشَ وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ». (لو 15)

 يحكي يسوع المسيح لنا قصة رمزية غاية في العمق بالإنجيل بحسب رواية لوقا البشير الإصحاح (15)، عن أب له ابنان، إحداهما قرر أن يترك بيت أبيه ويلهو بميراثه بعيداً، والآخر قرر أن يجلس في البيت ويعمل في الحقل ويخدم أبيه خاضعاً.

النظرة الأولي تحكم علي الصغير أنه “ضال فاسد”، والكبير “أمين صالح”، لكن تبعيات القصة تخبرنا بأمر آخر، أن ذلك الذي رأيناه صالح، حين قال ما بداخله (لو 15: 29)، وجدناه مفاجأة، فهو ليس موجود لكونه صالح وأمين وخاضع للاب، لكنه موجود في بيت ابيه بسبب الطمع، ولأجل المصلحة والمنفعة الشخصية، وبداخله نفس رغبات الآخر الذي سميناه “ضال”، إنه يريد أن يلهو ويستمتع، لكنه يريد تحقيق ذلك بطريقة “شرعية”!

وحين نقترب أكثر، نجد أن من سميناه “ضال” كان صريحاً مع نفسه وغير مخادع من بداية القصة، إنه يري الحياة مع الأب ثقيلة ومملة وممتلئة بالقيود، ويريد أن يستمتع بعيداً، ورغم خطأ تصوره، ربما لأفكار مغلوطة عن العلاقة مع الاب، إلا أن تلك الأمانة والصراحة التي جعلته يغادر البيت، هي نفس الأمانة والصراحة مع النفس التي جعلته يعيد تقييم الأمور في وقت لاحق، بعد أن ضاق به الحال وافتقر وأفلس بعيداً عن أبيه، وتلك الأمانة جعلته يعود ويندم ويرجع لأبيه من جديد، ويعلم أنه أخطاء ويكون موجود لا للمصلحة بل لأنه يعرف أن ذلك هو الطريق السليم للحياة.

بينما من سميناه “صالح” يحيا متوهم أنه أفضل من غيره، بينما هو غير واعي لحالة بسبب سلوكه الظاهري، ومغيب تماماً أن ما بداخله هو نفس ما في داخل أخيه الذي يلومه، الفارق في القناع والطريقة الأكثر دهاء التي يسلكها، وتنتهي القصة أن من سميناه “ضال” رجع، بينما من سميناه “صالح” لم يفيق من وهمه، ونفاجأ أن الأول نقي وحقيقي وإن كان مخطئ، والثاني فاسد ومتلون ومزيف، وإن ظننا أنه على صواب.

هذان النموذجان يمثلا الصورة الاعم للتبعية الخاطئة لله، تبعية الابن الأصغر الذي ضل وراء شهواته واهوائه صراحة، والابن الأكبر الذي يريد نفس الشهوات والأهواء لكن بطريقة شرعية ومن خلال الله، فكان ضلاله مملوء نجاسة وشر لأنه يريد أن يجعل الله خادماً لرغباته الشريرة (وحاشا).

النموذج الأول هو الذي ننتقده حولنا ونكفره، إنه الغير ملتزم دينياً وحديثاً أصبح هو الملحد، الذي يلومه الأهل في البيت والأصدقاء خارج البيت، الذي ينفر منه أغلبية المجتمع ويعتبره مرض وآفة ينبغي التخلص منها.

ومن هم أغلبية المجتمع؟ لنلقي نظرة قريبة وصريحة، لقد قامت مجلة روز اليوسف بعمل بحث في بداية تلك الألفية حول أكبر عشر مشكلات في المجتمع المصري، وجاء في المركز الأول التدين المزيف بلا منازع، هذا فضلاً على أننا أعلي دولة في نسبة التحرش عالمياً، ومن اعلي الدول التي تبحث عن كلمة “جنس” على الأنترنت.

من هم أغلبية المجتمع؟ إنه ذلك الملتحي الذي بعدما يصلي الظهر في عمله يأخذ رشوة بهدوء وكأنه يكمل فرائضه، إنه ذلك المواطن المسيحي الذي يردد عامة المسيحيين مقولتهم الشهيرة “اننا زمان كنا نتعامل مع الصنايعي المسيحي بثقة، دلوقتي نخاف منه”، إنه رجل الدين الذي يتاجر بالدين سواء مسلم أم مسيحي وأمثلة الطرفين كثيرة، إنه المسيحي والمسلم الذي يخصص يوم الجمعة لله، فيذهب الأغلبية للكنائس والجوامع راسمين الورع والتقوى والخشوع على وجوههم، ثم يرجعون لعشق المال ونهم السلطة والكذب والتلاعب والنفاق والرياء والكبرياء والشر والانفلات الجنسي؟ إنها الفتاة التي تدعي التقوى لكي تصطاد عريساُ والفتي الذي يدعي الأخلاق لكي يجذب فتاة فتكون النهاية زوجين مزيفين فاسدين يلدان طفل في بيشة خصبة للإلحاد، فوراء كل ملحد أمين متدين مزيف.

ألا يحاول كل واحد من هؤلاء برشوة الله نفسه ويتوهم أنه يرضيه وينال تأييده بسبب تلك الممارسات الكاذبة الظاهرية الخاوية؟ ألا يحاول الجميع الاستثمار في التدين الشكلي لكي يعود عليه بفوائد السمعة الجيدة والصيت الحسن، لكي يرتقي في الحياة ويكون مقبولاً حين يتقدم للزواج أو ليرتقي لوظيفة؟

وليس هذا فقط، بل يحاول خداع من حوله بقناع التدين المزيف هذا، الا يذهب مسيحيين للكنائس لكي فقط يحصل على لقب “خادم” و” خادمة” أو “أبن ربنا” و “بنت ربنا”؟ ويحاول التربح من خلال مجتمعه الكنسي، ومثلهم يفعل الكثيرين من المسلمين يحين يطيلون اللحى ويمسكون المسابح في أماكن عملهم كي يعطيك انطباع أنك بين يدي أمينة فيسهل النصب عليك؟

إن الملحد الأمين الذي يكون صريح معه نفسه هو في نظري أكثر نقاء بما لا يقاس من تجار الدين الاثمة الفجار، بداية من كل من هو مزيف من أصحاب كبار المناصب الدينية، إلى كل اب وأم مزيف وغير حقيقي.

هؤلاء أصحاب التدين الظاهري هم من لا يهتمون بالله بقلوبهم لكنهم يتاجروا بالدين بألسنتهم، لذا تجدهم مفلسين أمام الأسئلة الشائكة لأنهم غير مهتمين، لو كانوا يحبوا الله فعلا ويتبعونه كما تدعي السنتهم لكانوا اجابوا الملحدين على تساؤلاتهم الدينية وكانوا صنعوا امامهم قدوة بسلوكهم المنير الذي يجذب النفوس لتبعية الله لا ينفرها بزيفه.

فالملحد الأمين الذي يلومونه لأنه لا يرتدي الأقنعة مثلهم، هو شخص يبحث عن الحق ويسعي  – ولو في طرق نراها خاطئة – نحو الحق، هو ربما مصدوم وعنده صور مشوه عن حقائق كثيرة، لكن قبل أن نلومه ونكفره، لنلوم أنفسنا، فمرة أخري. وراء كل ملحد أمين يوجد متدين مزيف.

يا لقلب ذلك الاب الذي له إبنان احداهما تائه والآخر متوهم أنه وجد الطريق، لأجل ذلك الأب ولأجل رد الأولاد إليه.. جاء يسوع المسيح للكل، جاء ليحارب المتاجرين بالدين ويفضح المزيفين لعلهم يفيقون، جاء يحتضن كل الأمناء والضعفاء، وحاول أن يفيق المتصالحين مع شرورهم، لم يحارب يسوع المسيح فئة إلا فئة المتاجرين بالدين والمزيفين حتى ضاقوا منه وقتلوه، يسوع الذي جاء لينقذ لكل أمين اهتز إيمانه بسبب أخطاء وتشوهات، ووشك على أن يفقد إيمانه، لهم هو جاء، وكان رئيس الإيمان وسر الإيمان، وغير حياة كل من عرفوه بحق، أجاب على كل التساؤلات بحياته قبل كلماته! وكانت حياته هي الحل لكل مشتاق للحياة!!

في حياته أجاب على مشكلة الألم وعثرتها
في حياته أجاب على معني وهدف الحياة
في حياته اعطي نموذج لمن حارب العالم كله وانتصر
في حياته حتى الموت انتصر عليه وقهره
في حياته أعلن أن الإيمان به هو الحل
وأعلن أن الحياة الحقة هي فقط أن نسلك مثله وفي طريقه.

Romany Joseph
12th November 2013

 

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in خواطر حول الإلحاد and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.

11 Responses to الملحد الأمين أنقي من المتدين المزيف

  1. Mark Ramez says:

    رائع

  2. Nora Nabil says:

    awesome

  3. Roben Aziz says:

    روماني شكرا

  4. Nageh wagdy says:

    رائع ومتألق دائما أيها الحبيب روماني

  5. Mariem Gohar says:

    يو اكتشفت زيف نفسى دى كانت اعظم صدمة اخدتها فى حياتى وكانت السبب الوحيد والادعى انى اغير من طريقى بأدراكى لحقيقة الطريق وهو يسوع نفسه رجعت لحضن الاب واصبحت ارتعب كلما اهتتمت بأى شئ حتى وان كان سماوى وروحى عن انى اهتم بشخصه واتمتع بعلاقتى معه

  6. Pingback: الملحد.. والكاهن المشهور.. وأنا (قصة حقيقية) | Romanyjoseph's Blog

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s