وراء كل ملحد أمين يوجد متدين مزيف

1309006842-29

وَقَالَ: «إِنْسَانٌ كَانَ لَهُ ابْنَانِ. فَقَالَ أَصْغَرُهُمَا لأَبِيهِ: يَا أَبِي أَعْطِنِي الْقِسْمَ الَّذِي يُصِيبُنِي مِنَ الْمَالِ. فَقَسَمَ لَهُمَا مَعِيشَتَهُ. وَبَعْدَ أَيَّامٍ لَيْسَتْ بِكَثِيرَةٍ جَمَعَ الاِبْنُ الأَصْغَرُ كُلَّ شَيْءٍ وَسَافَرَ إِلَى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ وَهُنَاكَ بَذَّرَ مَالَهُ بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ. فَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ حَدَثَ جُوعٌ شَدِيدٌ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ فَابْتَدَأَ يَحْتَاجُ. فَمَضَى وَالْتَصَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْكُورَةِ فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ لِيَرْعَى خَنَازِيرَ. وَكَانَ يَشْتَهِي أَنْ يَمْلَأَ بَطْنَهُ مِنَ الْخُرْنُوبِ الَّذِي كَانَتِ الْخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ. فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ الْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعاً! أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ وَلَسْتُ مُسْتَحِقّاً بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْناً. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ. فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ. وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيداً رَآهُ أَبُوهُ فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ. فَقَالَ لَهُ الاِبْنُ: يَا أَبِي أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ وَلَسْتُ مُسْتَحِقّاً بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْناً. فَقَالَ الأَبُ لِعَبِيدِهِ: أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ وَاجْعَلُوا خَاتَماً فِي يَدِهِ وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ لأَنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ مَيِّتاً فَعَاشَ وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ. فَابْتَدَأُوا يَفْرَحُونَ. وَكَانَ ابْنُهُ الأَكْبَرُ فِي الْحَقْلِ. فَلَمَّا جَاءَ وَقَرُبَ مِنَ الْبَيْتِ سَمِعَ صَوْتَ آلاَتِ طَرَبٍ وَرَقْصاً فَدَعَا وَاحِداً مِنَ الْغِلْمَانِ وَسَأَلَهُ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ: أَخُوكَ جَاءَ فَذَبَحَ أَبُوكَ الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ لأَنَّهُ قَبِلَهُ سَالِماً. فَغَضِبَ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْخُلَ. فَخَرَجَ أَبُوهُ يَطْلُبُ إِلَيْهِ. فَقَالَ لأَبِيهِ: هَا أَنَا أَخْدِمُكَ سِنِينَ هَذَا عَدَدُهَا وَقَطُّ لَمْ أَتَجَاوَزْ وَصِيَّتَكَ وَجَدْياً لَمْ تُعْطِنِي قَطُّ لأَفْرَحَ مَعَ أَصْدِقَائِي.وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ ابْنُكَ هَذَا الَّذِي أَكَلَ مَعِيشَتَكَ مَعَ الزَّوَانِي ذَبَحْتَ لَهُ الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ. فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ أَنْتَ مَعِي فِي كُلِّ حِينٍ وَكُلُّ مَا لِي فَهُوَ لَكَ. وَلَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ لأَنَّ أَخَاكَ هَذَا كَانَ مَيِّتاً فَعَاشَ وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ». (لو 15)

 

من خلال نهاية القصة التي ذكرها يسوع المسيح، يمكننا أن نستنتج بسهولة أمور عن بدايتها، يمكننا أن نستنتج أن الابن الأكبر المتدين الملتزم، ربما كان دائم اللوم لأخيه الأصغر بسبب تقصيره في خدمة الاب، يتهمه دوماً بأنه منفلت ومقصر، يلومه لرغباته في اللهو واللعب مع أصحابه وعدم الجدية في العمل في الحقل.

لكن ما غاب عن الأخ الأكبر أنه يحيا مع الأخ الأصغر في نفس البيت كل يوم، وأنه من المستحيل أن تخفي حقيقتك على من يعرفوك جيداً ويرونك على طبيعتك وقت طويل، تكشف القصة في نهايتها أن ذلك الأخ الأكبر كان يريد أن يلهو مع أصحابه ويريد العبث مثل الصغير (عدد 29)، لكنه ينتظر أن يحقق له أبوه شهواته بطريقة شرعية.

لكن واضح أن الابن الأصغر بحكم وجوده في البيت، لم يحتاج لكلمات أخيه الأكبر مثلنا ليعرف حقيقة ما في قلبه، لقد تعامل معه وعرف أنه مزيف وأنه بداخله نفس الشعور بأن خدمة الاب ثقيلة لا جدوى منها، واللهو والعبث أحسن، لكن مدرسة الأخ الأكبر هي الطاعة الرخيصة الشكلية مقابل الاجر لفعل الأهواء والشهوات.

لماذا قرر الابن الاصغر ترك البيت؟
ألم نفكر أن عثرة سلوك الأخ الأكبر ربما لها دور كبير في حركة الابن الاصغر ؟
ألم نفكر أنه ربما صورة أخيه المزيف كانت أمامه، وهو لا يريد أن يكون مثله حين يكبر؟
وأن عنده أفضل أن يكون غير خاضع لوالده علي أن يكون مزيف؟
ربما أخطأ الابن الأصغر أنه لم يتكلم مع أبيه فيما يراه من سلوك أخيه الزائف، لكننا هنا نخرج الخشبة التي في عين الابن الأكبر قبل القذي الذي في عين الأصغر.

يذكر أحد الأطباء النفسيين أنه سيدة أتت بابنها المراهق ذو ال 16 عام تشكوا مشاكله الكثيرة وتمرده وسلوكه، وحين تكلم الطبيب معه وجد أن مشكلته الكبرى في أبيه، وحين سأله الطبيب كيف يري أبوه، فكتب الشاب (16 عام) في دقائق حوالي عشرون صفة ذميمة في ابوه مثل أنه (أناني -غير محب للناس – كسول – عصبي) وصفات أخري كثيرة، لكن أكثر ما لفت نظري أن ذلك المراهق وصف أبيه أنه محب للجنس (يحب مشاهد الجنس التلفزيونية ويدمنها) ويندمج معها بشدة.[1].

يظن الكبار أنهم أكثر ذكاء من الصغار، ويتوهمون بحماقة أنهم حين يلقون الخطب ويكثرون الشعارات، سيقنعون الصغار بحياة الفضيلة التي لا يسلكوها، بالطبع ذلك الأب الأخرق في كبريائه يتوهم أنه حين يعظ الأبن عن الفضيلة والأخلاق والحياة المستقيمة، أن الأبن سيستجيب ويفرح به ويصفق له مهللاً.

ببساطة شديدة، لقد لاحظ المراهق سلوك أبيه الجنسي المشين وهو متزوج، فلك أن تتخيل كيف يمكن أن يستقبل الصغير الأعزب نصائح أخلاقية من الأب الكبير المتزوج وهو منفلت؟ ليس فقط أب منفلت، بل هو ينادي بعكس ما يفعل وعكس ما يسلك، ماذا سيكون رد فعله؟ سيسخر منه في قلبه، وسيعاني من صراع رهيب، بين من توجب أن يكون مثل اعلي وهو منحل، تخيل ذلك الأب الذي في الغالب ملتزم دينيا كأغلبية المصريين، حين يأخذ ابنه لصلاة الجمعة أو الكنيسة، تخيل معي انطباع ذلك الطفل نحو معرفه الله، سيري كل ذلك كذب وزيف وخداع؟ ولو لم يفتقده الله بمراحمه بنفسه أو من خلال أمناء.. سيصبح أبن ضال تائه.

نعم نحن مجتمع يغلبه التدين الظاهري، يفعل مثل الابن الأكبر ويتربح بالدين ويرسم التقوى ويفعل كل شر، لكن في الخفاء وخلف قناع من التقوى المزيف والورع الكاذب، ثم يلوم الأصغر على سلوكه، بينما هو نفسه يفعل تلك الأمور بعينها، الأصغر يعلم ذلك جيداً لأنه يعرفهم ويراهم على حقيقتهم، وكنتيجة مباشرة ومنطقية، لا يسمع لنصائحهم بأن يكون ملتزم فهو يعرف أنهم ممثلون كاذبون.

نحن مجتمع في بيوته وأعماله وقنوات اعلامه مزدوج ومزيف، تسمع فيه عظات عن التقوى من أفوه الفاسدين، كلمات عن العفاف من ألسنة المنفلتين، ونصائح عن القناعة من أفواه طماعين، أغاني عن الطهارة من قلوب نجسة، أشعار عن الله ممن لا يتبعوه،  مثاليات عن الدين من خلال تجار الدين، سلوكياتنا تشهد على ذلك بوضوح، وأعمي وكاذب هو من ينكر ذلك، الرياء والنفاق أصبح جزء من طبيعتنا، فصرنا كمن يكذب كذبة ويصدقها، ويصدم حين يري من يعرفون ازدواجيتنا وريائنا ونقاومهم لو تجرأوا أن يتسأئلوا، لكن الصغار الأنقياء بعيونهم البسيطة يستطيعوا التعرف على زيفنا وريائنا وخوائنا، فلا تؤثر فيها الكلمات الرنانة وهم يرون عكسها، فيشكون في كل شيء

بل والأدهى أن ذلك الأصغر لو حاول البحث عن الحق، حين يخرج تساؤلاته وحيرته تجد الكبار يخرسوه ويستغفرون الله من أسئلته، وحين يفكر في أمور الله ويقف عاجزا أمام بعض المشكلات الدينية والحياتية، يجعلوه يشعر أن تفكيره كفر وشر وفسق، ويردوا بوقار كاذب ردود جوفاء خرقاء حمقاء، وذلك طبيعي، فهل من الممكن لمن يسلك بالتدين المزيف أن يجيب على أعماق وأسرار الحياة التي يبحث عنها الأمناء؟ إنه لا يعرف ولا يهتم؟ انه يحيا لنفسه ومعرفه الله لا تتعدي شكل ومظهر فكيف يجيب؟ لكن المشكلة أن الصغير لا يستوعب ذلك في الغالب، وكنتيجة سلوكهم ثم ردودهم، تكتمل العثرة ويتأكد أن طريق الله هو وهم وزيف.

لاحظ التشابه بين مثل الابن الضال والواقع الذي نحياه، فعلاً إن الكبار هم المزيفون، بينما الصريح هو الصغير كما قال المثل تماماً، ربما الكبار كانوا يومًا ما صغار لا يخادعون، لكنهم اختاروا مع الوقت خبث التلون والزيف وتعلموا من الكبار الذين سبقوهم، وربما الصغير قرر أن يسلك ذلك المسلك لأنه علم أن أخيه الكبير يطيع ويسمع ظاهريا وهو مزيف وفاسد داخياً. وهكذا دائرة الصغير والكبير وتطرفاتهما المؤلمة جدا.

لقد جاء يسوع المسيح ثائر الزيف والنفاق، ثار ضد على هؤلاء القبور المبيضة من الخارج والملائة عظام أموات ونجاسة من الداخل، لعلهم يفيقوا، جاء ليحتوي المعثرين والتائهين، ويحتضنهم ويعطهم ما يحتاجوه، جاء ليصحح الصدمة التي صنعها المتدينون المزيفون، فضح زيف كل تدين ظاهري، أعلن أنه يقبل الإنسان كمان هو وسيغيره بمسيرتهما سوياً، أعلن أننا لا نحتاج لأقنعة لنبدو أجمل، بل أحبنا كما نحن، وأعلن أننا مقبولين بكل ما فينا ولا نحتاج لأقنعة، وشفي كل ضعف ومرض في شعبه المسكين الذي يشتهي الحياة النقية.

لذا، اثق أنه وراء كل ملحد أمين باحث عن الحق والحياة، يوجد شخص متدين مزيف كان له دور في ارتباكه وتشوه الصورة التي عنده نحو الحق ونحو الله ووجوده والعلاقة معه، وخلف كلاهما يسعي يسوع المسيح  – الحق الكامل – ليعلن الحق ويخرج النور ويعطي القلب الفرح المنشود والمعني المفقود.

 Romany Joseph
12th November 2013


[1]  د. سامي فوزي

http://www.youtube.com/watch?v=KerlJOnc_Rc

 

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in خواطر حول الإلحاد and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.

5 Responses to وراء كل ملحد أمين يوجد متدين مزيف

  1. Pingback: الملحد الأمين أنقي من المتدين المزيف | Romanyjoseph's Blog

  2. Mark Ramez says:

    حقيقة مرعبة ..

  3. fadysaeed says:

    تأمل جميل وواقعي ومن زاوية لم أدركها من قبل، شكراً لك أخي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s