من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 14 | أسس مضللة لتقييم الميلاد الثاني | ثانياً | المعرفة النظرية

too-much-knowledge

 

إن أكثر ضربة لهذا الجيل أن ينتفخ البعض بالمعرفة النظرية المائتة ويظنوها معرفة اختبارية بالرب، وأن يحارب الناس الحقيقين الذين يعرفون الرب معرفة اختبارية بحجة أنها نظرية مائتة، أو أن يشعر الأنقياء الذين لم يعطوا معرفة لاهوتية أو كتابية وقوة حكمة أنهم لم يعرفوا الله (وهو بذلك غالباً ما يفترض أن كل من يعرفون نظريات ومعلومات مختبرين الرب)، ووسط هذا يتم التشويش علي حقيقة الإيمان ويحدث خلط في الأمور يعثر الكثيرين في تقييم حقيقة علاقتهم مع الرب وميلادهم الثاني من فوق.

تقييم أني مولود من الله بسبب كثرة المعرفة النظرية

في زمن تكنولوجيا المعلومات وثورة الاتصالات، أصبح من أسهل الأمور أن تصل لمعلومات ومعرفة وفيرة غزيرة حتى في أصعب المواضيع، ما عليك ألا ان تكلف نفسك دقائق قليلة في البحث على الإنترنت فتجد كمية من المعلومات حول ما تبحث عنه في الغالب ستكون فوق ما تتصوره، فلا يوجد جيل في تاريخ البشرية توافرت ليه كم المصادر التي عندنا وبكل اللغات، وفي المجال الكنسي المسيحي، أصبح عندنا رصيد ضخم من ترجمات الكتاب المقدس، ورصيد أضخم من البحوث في الأصول اللغوية لكلماته ومفرداته، ورصيد لا يمكن حصره من تفسيرات الكتاب المقدس الرائعة والتعليم المسيحي، وكلها يمكن الوصول له بسهولة في ثوان.

للوهلة الأولي يبدون أننا نحيا في نعمة كبيرة، أنها حقيقة أن تلك الكنوز الموجودة بين يدينا والتي لم تتوفر لجيل قبلنا هي نعمة عظيمة ووزنة كبيرة، لكن نظرة مدققة تجعلك تري مشكلة كبيرة فينا نحن، لأن كثرة المعلومات والمصادر وسهولة توافرها جعلت المعرفة وكأنها رخيصة وأصبح الكل يدلو بدلوه في كل الأمور ولا سيما الروحية، ما أسهل أن تسأل بسؤال على مواقع التواصل الاجتماعي وتري الكل يجيبك وكأنه عالم وفاهم ودارس ومختبر بينما هو في الغالب ناقل، وأصبح كثيرين يتوهمون المعرفة والعلم وكثيرون حكماء في عين أنفسهم بسبب معرفة نظرية.

النظرة المدققة تكشف أن الأمر له جوانب سلبية كثيرة بسبب توجهنا، لكن العجيب، أنه لو فحصنا بنظرة أكثر تدقيقاً في نتيجة ذلك، سنجد أنه مع كثرة المعرفة ينفضح التخبط والجهل والارتباك، ويتوه الإنسان في التمييز بين الأمور المتخالفة، ومع زيادة المعلومات وتوقع الوصول لمعرفة الحق، ينكشف المزيد من التخبط لا الحلول، والحيرة لا اليقين، حتى أنه أحيانًا نجد أسئلة بسيطة ولها إجابات واضحة، لكنها حين تطرح للمناقشة، نري جدالات وصراعات وتفلسف كثير وأحيانا تحوير للحق وتخبط وارتباك، ومن هو أمين يري ذلك بوضوح. ويعرف أننا نحيا أزمة شديدة… أزمة اسمها وفرة المعلومات وقلة الإعلانات، أزمة أسمها كثرة التعاليم وندرة الحق، أزمة أسمها فيض الأفكار وجفاف الروح.

نعم، لقد كشفت كثرة المعرفة ووفرة المصادر أنها وحدها لا تكفي، وأننا في أمس الحاجة إلي أمر آخر، إنه الإعلان واختبار الحق ببساطة وعمق، تلك اللمسة الروحية التي بمنتهي السلاسة والبساطة تعطي مسحة مختلفة للمعرفة فتنير الذهن في صورة اعلان لا معلومات، وصورة حق لا نظريات، ومعرفة اختبارية معاشة لا معرفة ذهنية نظرية.

لقد آكل أدم من شجرة معرفة الخير والشر، وما عرفه كان نظرياً سليم، لقد علم حقيقة أنه عاري، لكنه لم يكن مؤهل للتعامل مع تلك الحقيقة، فهو قد اخذها وقطفها بطريقته ولم تكن من يد الرب، فكانت خالية من الحياة ومن قوة الرب، فارتبك بشدة وراح يبحث عن حلول ليتعامل مع معرفته الجديدة، ربما الاختباء، أو ورق التين، أو القاء اللوم على الأخر، واليوم نحن كلما عرفنا ارتبكنا واحبطنا وازداد تيهاننا.

كانت مشكلة الرب في الطريقة التي عرف بها، لذلك سأله: من أعلمك أنك عريان؟ والأن يكرر كثيرين نفس القصة، يقطفون من شجرة معرفة الخير والشر ولو كانت من قلب الكتاب المقدس، الم يخرج كل الهراطقة من قبل الكتاب؟ واخرجوا من عطية الله الصالحة لنا موت، فهل نقع في نفس الفخ؟ هل نهرطق على المستوي الشخصي بسبب المعرفة؟ هل نعرف فننتفخ[1]؟

المعرفة الحقة هي شجرة الحياة، هي اكل الرب يسوع نفسه[2] سرائريا واتحادنا به ودخولنا فيه وهو فينا، وتلك المعرفة الاختبارية ينتج عنها إعلانات الروح المبهجة لا المحزنة، المبكتة لا المخدرة، الحية لا الجافة، المغيرة لا المنتفخة، المميزة لا المربكة، الواضحة لا المشوشة، فحين يحل المسيح في زيجته مع النفس، لم نعد نرتبك، فنحن لا نسرد معلومات عن آخر[3]، نحن لا نقرأ نظريات، نحن نشارك بما رأيناه ولمسته أيدينا[4] ورأته أعيننا في شخص الرب يسوع وما وجدنا فيه من كل كنوز الحكمة والمعرفة، المعرفة التي تحيي لا التي تميت.

لذا، المعرفة النظرية أمر يختلف تمامًا عن المعرفة الاختبارية، والمعلومات أمر يختلف تمامًا عن الحق، المعرفة النظرية تنفخ، والمعلومات لا تغير، بينما الحق هو شخص يسوع المسيح نفسه وبذاته، والمعرفة الاختبارية هي اختبار الشركة معه ذلك الشخص والوجود فيه وحلوله فينا، ما أكبر الفجوة والهوة بين هذا وذاك، ويجب أن ننتبه لكيلا نجعل ما نعرفه من معلومات ونظريات دليل علي علاقتنا بالرب وولادتنا الجديدة منه[5]. هذا يوفر وقت وجهد ويخدم الإنسانية ويقصر الطريق لمن يري، لكي يعلن أن المعرفة النظرية بهذه الطريقة هي موت، وهي ليس دليل علي علاقته مع الرب أو كونه شخص روحي نال الميلاد الثاني.

يوجد أشخاص تحيا المسيح وتختبره أحسن ألف مرة بعض من دارسي الكتاب المقدس واللاهوت، ببساطة لأن وزنتهم ليست الدراسة والعلم، لو كانت تلك الحقيقة تسبب لك ضيق… أعرف أنك ميت منفوخ، وتري العلم هو الطريق الوحيد لا المسيح، أنت ميت حتى لو قالوا عليك أنك أروع من يتكلم عن الرب، ولو كانت تلك الحقيقة تزيدك اتضاعاً، أعرف أنك في الطريق الصحيح حتى لو قالوا عليك منفوخ.

تقييم أني غير مولود من الله بسبب قلة المعرفة النظرية

على الجانب الآخر، يقيس بعض الأنقياء أنفسهم أنهم بعيدين عن الرب لأنهم لا يعرفون معلومات كثيرة، ربما عن الكتاب المقدس أو تاريخ الكنيسة أو اللاهوت النظري أو دراسة الكتاب، فالمعرفة النظرية سلاح ذو حدين، فكما هي يمكن أن تجعل شخص لا يعرف المسيح يتوهم أنه يعرفه، هي يمكن أيضاً أن تجعل أخر يحيا في ملء الميلاد الثاني يظن أنه لم يولد بعد من الله لمجرد أن معلوماته النظرية قليله، تلك الفكرة المضللة يلعب بها ابليس على الطرفين.

ربما تكون طفلاً في الإيمان ولا تعرف معلومات كثيرة، لكن الرب فتح عينيك وعرفته وكل يوم يعلن لك ذاته ويميك في المعرفة الحقيقية لا النظرية، فلماذا تقارن نفسك بمن يحشون اذهانهم بالمعلومات والدراسات، كلها عدم إن كانت بلا اختبار، ومعرفة اختبارية صغيرة بالرب أحسن ألف مرة من الوف المعلومات النظرية.

ربما تكون بسيطاً في الشخصية ولم تدعوا لتكون رسالتك لها صلة بالتعليم والمعرفة اللاهوتية العميقة، فلم تقارن نفسك حتى بأولاد الله الذين أعطوا معرفة روحية في صورة لاهوتية وتقيس نفسك عليهم، لقدا كان اثناسيوس مملوء معرفة اختباريه أعطاها الله له في صورة قوة كلمه وحكمة الهية، بينما في نفس الزمان كان القديس أنطونيوس عابد ويعرف الله ولم يكن له ما اعطي للقديس أثناسيوس.

أعرف خادم للرب هو أنقي مني ومختبر للرب أكثر مني بما لا يقاس، دوره أن يعطي الجميع حب، مؤثر وفعال أكثر من الألاف الكتب المكررة الفارغة، قد لا يستطيع أن يحكي ما في أعماقه نحو الله في كلمات مكتوبة، ولو أعطيته أن يعظ لن يعرف ما يقول، ببساطة لأن الكلام ليس موهبته، لكن المحبة الخارجة منه تعلن معرفة يسوع المسيح فيه، وتضرب كل المقاييس الظاهرية، ولنرجع لأول مقالة في ذلك الموضوع، فمقياس المعرفة العقلية أو النظرية ظاهري، وليس له أدني علاقة بالمعرفة الاختبارية الباطنية الحية التي في القلب قبل العقل وتثمر حياة لا موت، وحق محرر، لا فكر يضلل.

Romany Joseph
16th November 2013

الأجزاء السابقة:

من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 01 | مقدمة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 02 | حياة الرب يسوع ومراحلها هي نبع وسر مراحل حياتنا الجديدة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 03 | طبيعتنا  قبل الميلاد الثاني
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 04 | ميلاد المسيح في إسرائيل يحمل سر ميلاده فينا
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 05 | ولادتنا الجديدة من الله
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 06 | من هو الإنسان الجديد؟
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 07 | هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | أولاً | التفسيرات الخاطئة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 08 | هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | ثانيًا| أسباب التفسيرات الخاطئة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 09| هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | ثالثاً | تابع أسباب التفسيرات الخاطئة من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 10| هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | رابعاً | الإجابة من محور تدبير الفداء
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 11 | هل مات إنساننا العتيق بالولادة الجديدة؟ | خامسًا | موقفنا من صراع “رومية 7″ بعد الميلاد الثاني
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 12| تقييم الميلاد الثاني بين الأسس الحقيقية والمضللة
من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 13| أسس مضللة لتقييم الميلاد الثاني| أولاً | الإيمان النظري والمائت


[1]   الْعِلْمُ يَنْفُخُ وَلَكِنَّ الْمَحَبَّةَ تَبْنِي. (اكو 8: 1)

[2]  وفي نهاية الأمر، فإننا لابد ان نتعلم من الله ذاته، ما الذي يجب ان نفتكره عنه “لأن الله لا يمكن أن يفهم إلا من خلاله هو ذاته”، كام ان إيماننا يجب ان يرتكز على نفس “الحق” الذي بني عليه الرسل الأولون إيمانهم وفهمهم.

الإيمان بالثالوث – الفكر اللاهوتي الكتابي الكنسي للكنيسة الجامعة في القرون الأولي – توماس. ف تورانس – ص 28

[3]  والتقوى ومعرفة الحق ينتميان كلاهما إلى البناء الإنجيلي الذي “للإيمان المسلم مرة للقديسين” إن التقوى التي من هذا النوع هي التي تشكل القوة التي توجه كل تعليم صحيح، وهي التي يجب ان يسمع لها بتوجيه فهمنا اللاهوتي خاصة في مجال الإيمان المفتوح، حين نكون مضطرين أن نكون مفاهيم وننطق بعبارات عن الحق تتجاوز العبارات الصريحة التي وردت في الكتاب المقدس. فبينما اعتبرت التقوى كمرادف للإيمان والحق، اعتبر عدم التقوى كمرادف لعدم الإيمان والضلال، وكان هذا التباين هو الذي حدد الأسلوب والنمط لصراع الكنيسة مع الهراطقة على مدي الاربع قرون الأولي

الإيمان بالثالوث – الفكر اللاهوتي الكتابي الكنسي للكنيسة الجامعة في القرون الأولي – توماس.ف تورانس – ص 38

[4]   اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ. (1يو 1: 1)

[5]  هناك فرق كبير بين معلم الدين وخادم الروح. الاول يلقن المعرفة والثاني يبنى النفس. الاول يستقى المعرفة من الكتاب ويقدمها للتلميذ على ورقة والثاني من ملء روحه يفيض من ايمانه وحبه وبذله واتضاعه يقدم الخبرة والمثال الحي فهو يعطى نفسه ويقدم حياته. الاول ناقل كلمه يقولها كما سمعها وتعلمها والثاني يلد الكلمة من بطنه فتتفجر من اعماقه كما يتفجر الينبوع من باطن الارض. الاول يحضّر الدرس ليقود الناس الى فكره والثاني يتمخض ليلد بالروح اولادا للمسيح

الأب متي المسكين – الخدمة – ص 2

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s