من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح | 16 | أسس مضللة لتقييم الميلاد الثاني | رابعًا | الخدمة والأعمال

pharisee-and-tax-collector

نكمل في رحلة الأسس المضللة لتقييم الميلاد الثاني[1]، ونتناول في تلك المقال موضوع الخدمة والأعمال والإنجازات الروحية بمقاييس البشر، كيف أن وجود خدمة أو أعمال بمقاييس البشر، أو غيابها ليس دليل علي الحياة الروحية والعلاقة مع الرب علي الإطلاق.

ربما يكون ثمر الخدمة السيء أو الفاسد دليل علي وجود كارثة روحية، وربما يكون الثمر الحي الروحي دليل علي حياة حقة، لكن هنا نحن نركز على انتشار مقياس الإنجازات الروحية والكم لأنه مقياس مضلل.

تقييم أني مولود من الله بسبب اتساع الخدمة أو كثرة الثمر والأعمال

يتكلم الرب يسوع قائلاً:

«لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ يَا رَبُّ أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ! (مت 7: 21-23)

عجيب أن يكون ما قبل تلك الآيات هو النص “من ثمارهم تعرفونهم” وآية الدخول من الباب الضيق، وعجيب أن يكون بعدها قصة “من بني بيته علي صخر”، وهي الفقرات التي وضعناها لنعرف الأسس الحقيقية من المضللة، والآن نحن أمام فئة أمضت حياتها تخدم وتصنع قوات كثيرة وأعمال، بينما هي مرفوضة، والسر أن كل تلك الخدمة والأعمال لم تكن بحسب الله، واضح أنها كانت غير مبنية علي صخر المسيح، وواضح من الآية السابقة أنها كانت كلام بلا فعل إرادة الله وتبعيته (ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات)، أو فعل جسداني من الذات العتيقة.

أيضاً كثرة أو ندرة ثمر الخدمة ليس مقياس[2]، عندنا خدام في الكتاب المقدس ارضوا الله مثل ارمياء النبي ولم يسمع دعوته سوي افراد تعد على أصابع اليد الواحدة طوال أربعين عاماً، وعندنا خادم مثل بطرس في عظة واحدة آمن ثلاث الالاف نفس، فأيهما أفضل؟

لا توجد عند الرب مفاهيم خدمة بقوالبنا، لأن لكل واحد دور وموهبة وعطية وظروف واوقات، فكيف يكون هناك مقياس ثابت لكل هذا، الخدمة وشكلها وحجمها لا تصلح أبداً كمقياس[3]، ولعل بولس الرسول يلخص سطحية الخدمة والأعمال وفشلها كمقياس في الآيات التالية:

إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ فَقَدْ صِرْتُ نُحَاساً يَطِنُّ أَوْ صَنْجاً يَرِنُّ. وَإِنْ كَانَتْ لِي نُبُوَّةٌ وَأَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ فَلَسْتُ شَيْئاً. وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئاً. (1كو 13: 1 – 3)

تقييم أني غير مولود من الله بسبب قلة الخدمة وندرتها

يظن البعض أن قلة الخدمة أو عدم وجود شكل رسمي لها دليل علي أني لم اعرف المسيح بعد، بينما ذلك كلام عاري من الصحة، فعندنا إبراهيم أبو الإيمان لم يكن يخدم بمقاييسنا، لكنه كان يطيع الله وحسب بطلاً من ابطال الإيمان وكذلك اسحق ويعقوب! وعندنا العازر ومرثا ومريم اختاه، ماذا كانت خدمتهم؟ وحين ارتبكت مرثا بالخدمة ولامت اختها أنها تجلس تحت قديم المعلم ولا تخدم، لفت المسيح نظرها أنه أهم من الخدمة؟


وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ دَخَلَ قَرْيَةً فَقَبِلَتْهُ امْرَأَةٌ اسْمُهَا مَرْثَا فِي بَيْتِهَا. وَكَانَتْ لِهَذِهِ أُخْتٌ تُدْعَى مَرْيَمَ الَّتِي جَلَسَتْ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ وَكَانَتْ تَسْمَعُ كَلاَمَهُ. وَأَمَّا مَرْثَا فَكَانَتْ مُرْتَبِكَةً فِي خِدْمَةٍ كَثِيرَةٍ فَوَقَفَتْ وَقَالَتْ: «يَا رَبُّ أَمَا تُبَالِي بِأَنَّ أُخْتِي قَدْ تَرَكَتْنِي أَخْدِمُ وَحْدِي؟ فَقُلْ لَهَا أَنْ تُعِينَنِي!» فَأَجَابَ يَسُوعُ: «مَرْثَا مَرْثَا أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ وَلَكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ. فَاخْتَارَتْ مَرْيَمُ النَّصِيبَ الصَّالِحَ الَّذِي لَنْ يُنْزَعَ مِنْهَا». (لو 10: 38 – 42)

إن محور الخدمة هو شخص الرب يسوع نفسه والجلوس تحت قدميه وسماعه، ربما منها ننطلق لنخدم النفوس، وربما يعطي الرب أولاده خدمة الجلوس تحت اقدامه وفقط. ربما سنين طوال مثل موسي أو سنين قليلة مثل بولس، أو أيام قليلة مثل بطرس، لا توجد قاعدة ظاهرية.

ربما الناس عندها تقدير للشخص النشيط في الخدمة وتمدحه ويفرح هو بنفسه، بينما الرب يري أنه يحتاج أن يجلس تحت قدميه أولاً ويلومه على تسرعه، وربما الناس تلوم من يجلس تحت قدمي المسيح وتراه مقصر في الخدمة بشكلها السطحي، بينما الرب يري أن الخدمة لشخص معين هي الجلوس تحت قدميه وسماعه وفقط.

نحن نسترع في حمل أثقال الخدمة ونحن لم نجلس بالقدر الكافي تحت أقدامه فتكون النتيجة أننا نتوهم أننا خدام روحيين ونجعل تلك الخدمة مقياس لعلاقتنا مع الرب، بينما نحن مرتبكين ومضطربين بأمور كثيرة مثل مرثا والرب يلومنا لا يمدحنا، والأسواء أن لهفة الكثيرين على الخدمة المتسرعة تخلق في قلب الجالسين تحت أقدام الرب شعور باللوم والذنب، ربما نلومهم نحن أيضاً كما فعلت مرثا مع أختها، بينما الرب مدحها وربما يمدحهم.

دعني أهمس في أذنك، أن المسيح لم يكن له خدمة بالمعني المفهوم لدينا حتى سن الثلاثين! فهل قبل ذلك لم يكن مولود من الله؟ لقد كانت قمة المثالية والحكمة والتدبير الروحي الحي الذب به ضرب كل القواعد الجافة حين لم يمارس خدمته حتى سن الثلاثين من عمره، فهل نقبل أن هناك وقت مشيئة الله تقول لنا أن نهدأ ولا نخدم؟ أم أننا نظر حولنا هنا وهناك فنري الكل يرتبك بخدمة ما فنقلدهم؟

الرب يسوع المسيح لم يخدم سوي ثلاث سنوات فقط! لكنها كانت بحسب مشيئة الاب، وماذا كانت نتيجة خدمته بمقاييسنا البشرية؟ فشل ما بعده فشل. مات مقتولاً، وتلاميذه أحدهم باعه، وآخر أنكره، والباقي هربوا، والجموع التي علمها 3 سنوات هتفت اصلبه… بمقاييس الكم والانتشار يعتبر خادم فاشل

لكن توجد مقاييس ملكوتية باطنية لا بشرية جسدانية، فخدمته غيرت الماضي والحاضر والمستقبل، وضرب كل المقاييس البشرية والقوالب الجامدة للخدمة، تلك المقاييس السطحية الجافة التي يأسرنا فيها إبليس الكذاب فننخدع، نذكركم أن المشترك في كل المقاييس المضللة هو أنها ظاهرية كاذبة، وليس الكلام السابق دعوة لعدم الخدمة أو الشك في خدمك، بل هي دعوة لكيلا نعتمد أبداً على الخدمة كمقياس للعلاقة مع المسيح.

Romany Joseph
26th November 2013

 لمتابعة الأعداد السابقة من السلسة اضغط هنا 


[1]  هذه المقال أغلبها مقتبس من عظة لخادم الرب “رفيق أنسي” عن علامات الولادة من الله (الحقيقية والمضللة) القاها في عام 2004 بأسرة مارمينا بأسقفية الشباب – بتصرف.

[2]  أعراض تلف الخدمة:

1 – الاهتمام الزائد بنتائج الخدمة: الفرج بالنجاح واليأس من الفشل

2 – الاهتمام الزائد بالخدمة ونظامها، والتدقيقي في ترتيبها أكثر من النفوس المخدومة الذي ينتج عنه أخريا التضحية بالنفوس في سبيل الاحتفاظ برصانة النظام

3 – عدم نمو المخدومين في المحبة، وتعلقهم بشخص الخادم أكثر من الله

الأب متي المسكين – الخدمة – الجزء الأول –  ص 14

[3]   مقياس الخدمة معرض للتلف بتأثير عوامل كثير منحطة، كالانتفاع المادي أو المعنوي، ولكن أخطر هومل تلف الخدمة هو التعرض للتقوي الشخصية، أي ان تكون الخدمة مظهراً أو استعراضا للتقوي الشخصية، وحينئذ يحل البر الذاتي بدل المحبة الطاهرة، وهذا يعتبر أخطر عوامل التلف، لأن بقية العوامل كفيلة بأن تنفضح مع الزمن وتنتهي من ذاتها، أما ذلك العامل فهو يزيف الخدمة تماماً بحث تظهر حارة وناجحة في الظاهرة، بل ويكون لها القدرة على الاستمرار الطويل، مع أنها خدمة ليس لها عائد روحي مطلقاً ولا جزاء أمام الله

الأب متي المسكين – الخدمة –الجزء الأول – ص 13

Advertisements

About RomanyJoseph

قليلون من يبحثون عن الحق، وقلة منهم جادة وأمينة، وهم فقط من يعبرون صدمة خداع ما لُقن لهم وحفظوه...لينطلقوا في النمو في معرفة الحق... إنها رحلة إكتشاف للموت وعبور للقيامة
This entry was posted in من الميلاد الثاني لملء قامة المسيح and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s